تتعرض الأقليات المسلمة في الصين وعلى رأسها الإيغور منذ سنة 2016 إلى أكبر حصار بشري في العالم اليوم، حيث تُوظف الحكومة الصينية تطبيقات متطورة بهدف ترصُّد وتتبُّع جميع التصرفات اليومية لـ13 مليون مسلم إيغوري، إذ تستهدف الإيغور إن على المستوى الشخصي أو في كنف أسرهم أو في أماكن عملهم؛ فبمجرد وقوع مواطن صيني ينتمي إلى أقلية الإيغور في أحد الأفعال المُصنفة في خانة «أفعال مثيرة للريب» المُبرمجة في التطبيق فإنه يكون عرضة للتحقيق والمساءلة في الحين، وتبرير ذلك هو كون هذه الأفعال والسلوكات المُصنفة تُنبئ عن إمكان صدور أفعال إجراميَّة من قِبل هؤلاء في المستقبل. وقد تُعرِّض السلوكات المُصنفة المُبرمجة صاحبها للاقتياد إلى ما يُسمى بمعتقلات «إعادة التثقيف» والمكوث فيها إلى أجل غير مسمى. وتتحجج السلطات الصينية في تصريحاتها حول سياساتها تجاه الإيغور بموضوعة استئصال التطرف والإرهاب والإنفصالية، بيد أن ما تكشفه التقارير والتحقيقات الحقوقية المعمقة إلى جانب التقرير التقني عن التطبيق المستعمل يقودنا إلى استنتاجات معاكسة تمامًا، لكن لابأس قبل ذلك أن نُعرِّج على خلفيات السياسة الراديكالية المُنتهجة ضد الإيغور، والتي ازدادت حدة منذ خمس سنوات، لنغوص بعد ذلك في عالم الخوارزميات المطور والمهيأ للغرض ذاته قبل أن نسلط الضوء في الأخير على التكييف القانوني للانتهاكات المسجلة في ظل القواعد القانونيَّة في الصين وفي القانون الدولي.

من تركستان الشرقية إلى شينجيانغ.. كيف تحوُّل أصحاب الأرض إلى أقليَّة مضطهدة؟

تعود أصول الإيغور إلى قبائل تركيّة قديمة تنتمي عرقيًّا وثقافيًّا إلى منطقة وسط وشرق آسيا، ويقطن الإيغور في شينجيانغ في الشمال الشرقي للصين، ووردت تسمية شينجيانج حديثًا وذلك بعد ضم الإقليم في منتصف القرن العشرين إلى جمهورية الصين الشعبية بعد أن تبوَّأ الحزب الاشتراكي الصيني قيادة البلاد.

شكلت تركستان عبر التاريخ دولة واحدة وذلك إلى غاية تقسيمها بين روسيا والصين، إذ استولت الصين لأول مرة على الجزء الشرقي والمعروف تاريخيًّا بتركستان الشرقية فاحتلته سنة 1759. بيد أن هذا الجزء المأهول بالسكان الإيغور المسلمين قد قاوم الاحتلال الصيني عبر 42 ثورة، وامتدت مقاومته عبر عدة محطات شهدت تارة النجاح وتارة أخرى الفشل. وأبرز محطتين تاريختين يجدر الإشارة إليهما هما يوما إعلان الاستقلال وتشكيل الحكومة الوطنية والذي كان في مناسبتين أُسست عقبها لأول مرة دولة تركستان الشرقية المستقلة، إذ كانت الأولى عقب ثورة 1933، وتأسست ما بين 1933 و1934، والثانية بعد ثورة 1944 وتأسست ما بين 1944 و1949. بيد أن الاحتلال الصيني عاد في شهر أكتوبر (تشرين الأول) سنة 1949 بعدما استجمع قواه وتحالف مع الاتحاد السوفيتي؛ إذ سعى التحالف إلى القضاء على أي كيان يدين سكانه بالديانة الإسلامية في المنطقة، فضمت الصين تركستان الشرقية بالقوة بعد معركة ضروس راح ضحيتها الآلاف من الإيغور، وتمكنت الصين نتيجتها من إعدام مسؤولين كبار في الحكومة كما تم اقتياد الآلاف إلى السجون، وتم تغيير تسمية تركستان الشرقية إلى شينغيانغ أي المنطقة الجديدة وتحويل مقر عاصمتها من مدينة كاشغر في الجنوب إلى مدينة أورومتشي في الشمال.

أما الجزء الغربي والمسمى بتركستان الغربية فقد استولى عليه الروس سنة 1922 وقام بتقسيمه إلى خمس جمهوريات، والتي استقلت بعد انهيار الاتحاد السوفيتي والمتمثلة اليوم في الدول التالية : تركمانستان، قيرغيزستان، أوزباكستان، طاجيكستان وكازاخستان.

وتحظى تركستان الشرقية بموقع إستراتيجي بوصفها حلقة وصل بين الصين وأوراسيا أي بين الشرق والغرب، كما تضمُّ أراضيها عدة منافذ أشهرها ممر الحرير وبوابة زونغارية. أما جيوسياسيا فتُعزى أهمية الإقليم إلى الموارد الطبيعية النفيسة الهائلة الموجودة في باطن أراضيه على غرار النفط والفحم واليورانيوم والذهب. ويمر عبر الإقليم شبكة دولية من أنابيب النفط والغاز. وتُشكل المنطقة بما تحتويه من قدرات إستراتيجية هائلة ما مقدارة 70% من احتياجات الصين في صناعاتها المختلفة، وبالخصوص الصناعات الثقيلة، الإلكترونية، العسكرية والنووية.

هدفت الصين عقب ضم إقليم تركستان الشرقية إلى وأد كل ما يمكن أن يمت بصلة الى الانتماء العرقي والديني للإيغور والقادر على إعادة بعث الكيان السياسي للإقليم يكون منافسًا للدولة الصينية الموحدة بقيادة الحزب الاشتراكي.

وقد تعايش سكان الايغور مع قومية الهان برغم تعرضهم لمعاملات تميزية وترحيلات قسرية الى أقاليم أخرى في مقابل جلب مواطنين من الهان إلى المنطقة بهدف تقليص تعداد الإيغور من بين القوميات الأخرى، حيث أضحت قومية الهان تمثل اليوم 40% من التعداد السكاني لشنجيانغ أي ما يعادل 9 ملايين نسمة – بعد أن كانت نسبتها لا تجاوز الـ 10% مطلع خمسينيات القرن الماضي، أما الأقليات المسلمة وعلى رأسها الإيغور فتمثل 13 مليون نسمة على حسب آخر إحصائيات حكومية، وكانت الحكومة منذ ضمها للإقليم مطلع خمسينيات القرن الماضي قد دأبت على اتباع سياسات تقييدية صارمة قبل إرسائها لبرنامج الرقابة الرقمي، إذ سُجلت انتهاكات واسعة وممنهجة للحق في الحياة الخاصة للإيغور لاسيما فيما يتعلق بمراقبة أدائهم للشعائر الدينية المختلفة؛ بل وصل الأمر إلى منع الموظفين من أداء الصلاة والصوم والحج، كما تم منع حمل أو ارتداء أي رمز أو لباس يُعبر عن الانتماء إلى الديانة الإسلامية.

كان الهجوم المتكرر الذي تعرضت له الصين ما بين سنة 2011 إلى سنة 2014 والتي شملت مناطق مختلفة حول الصين وشيجيانغ، القطرة التي أفاضت الكأس، حيث مثلت هذه الهجمات ذريعة للحكومة الصينية في مواجهة العالم لتبرير سياستها الراديكالية القمعيَّة تجاه أقلية الإيغور في شيجيانغ، والتي أسست عقبها برنامج الرقابة الرقمي المعروف بمنصة العمليات المشتركة المدمجة وذلك في إطار ما يسمى بسياسة مكافحة التطرف، الإرهاب والانفصالية.

كيف تُوظَّف الخوارزميات لتشديد الرقابة على مسلمي شينجيانغ؟

 تتَّبع الحكومة الصينية منذ سنة 2016 نظامًا رقابيًّا رقميًّا صارمًا تُوظفه لترصُّد السلوكات المشبوهة – على حسب زعمها – لكن بعد التحقيقات المجراة من قبل «هيومن واتش رايتس Human Rights Watch» وبالخصوص دراسة الهندسة العكسية (reverse engineering) لفك شفرة التطبيق تمكنت المنظمة من اكتشاف كل السلوكيات التي يستهدفها برنامج الرقابة الرقمي المعمم.

وقد مكَّنت دراسة التطبيق من إزالة النقاب عن السلوكيات التي توصف بالمشبوهة والتي يتم بموجبها وسم الشخص المعني تلقائيًّا عبر التطبيق بإشارة تفيد وجوب التحقيق معه.

تُمثِّل منصة العمليات المشتركة المدمجة (Integrated Joint Operation Platform) حجر الزاوية في نظام الرقابة الرقمي المستعمل من قبل شرطة شينجيانغ ورؤسائها المباشرين من أجل تَرصُّد الأشخاص ذوي السلوكيات المشبوهة «مثلما يسميهم التطبيق»، والمنصة عبارة عن تطبيق يُلزَم تحميلهُ في جميع الهواتف الذكية لساكني شينجيانغ.

وكشف تقرير الخبرة لـ«هيومن رايتس ووتش» عن ثلاث وظائف أساسية ينفذها التطبيق تتمثل في: جمع المعلومات الشخصية، رفع التقارير عن التصرفات أو الملابسات المثيرة للشك والإشارة إلى الأشخاص الواجب التحقيق معهم.

كما كشف تحليل البرنامج عن عمليات رصد وجمع شامل للمعطيات الشخصية تستهدف دقائق التفاصيل حول سكان شينجيانج من الإيغور، لِتُصَبَّ المعطيات بعد ذلك في وعاء تطبيق العمليات المشتركة المدمجة الموصول هو الآخر برقم التعريف الوطني لكل مواطن.

يتتبع التطبيق حركات الأشخاص بواسطة مراقبة مساراتهم ومواقع تواجدهم عبر تحديد حركة هواتفهم الذكية وبطاقات تعريفهم البيومترية وسياراتهم، ويراقب التطبيق أيضًا حجم استهلاك وقود السيارات وكهرباء المساكن لكل مواطني شينجيانغ.

يُوفِد التطبيق بعد تحديد الأفراد أو العائلات المشتبه بهم محققين إلى بيوتهم من أجل إجراء تحقيق معمق، حيث يتمُّ استجوابهم عن طريق طرح مجموعة من الأسئلة قد تتعلق بمقتضيات شخصية كالسؤال عن امتلاكهم لأجهزة رياضة مثلًا أو عن كيفية تواصلهم مع أفراد عائلاتهم المتواجدين في الخارج.

تتحجج السلطات الصينية وتقرُّ بأن هدف التطبيق هو القضاء على الأفكار المتطرفة والانتماء إلى تيارات إسلامية راديكالية وانفصاليَّة لكن ما اتضح بعد حصول دراسة الهندسة العكسية للتطبيق هو عدم مركزية العناصر المرتبط بالتطرف والإرهاب والانفصالية في التطبيق، فالتطبيق موجه أساسًا لرصد ووَسْم التصرفات العادية المحايدة على غرار استعمال الباب الخلفي للخروج من المسكن أو تجنب مجالسة أو الحديث مع الجيران، أو استعمال هاتف نقال ملك الغير أو التواصل مع أقرباء مقيمين في الخارج وغيرها من التصرفات التي تعد مباحة إذا ما صدرت عن أي شخص آخر مقيم في مكان آخر في الصين، بيد أن صدورها عن مواطن إيغوري مقيم في شينجيانغ يجعلها تدرج من ضمن الأفعال المشبوهة المُضَبَّطَة ضمن برمجة التطبيق. ويُستَثَارٌ التطبيق فور حدوث السلوك فيستجيب تلقائيًّا ويُشير إلى عناصر الأمن ويحثهم على التحرك للتحقيق مع الشخص المعني. ويُضفي التطبيق أيضًا وصف الشبهة على الممارسات والطقوس الخاصة بالديانة الإسلامية كتقديم الصدقات للمساجد أو القيام بالمواعظ أو بتحفيظ القرآن من دون حيازة ترخيص حكومي. والأدهى والأمر هو امتداد وسم الشبهة إلى الأشخاص الذين تربطهم علاقة مع أولئك المشتبه بهم بتهمة استعمال هاتف الغير أو إقامة علاقات مع أشخاص أو جهات أجنبية، إذ تستثير تصرفات مماثلة التطبيق فيُطلب التحقيق في حق هؤلاء نتيجة ذلك أيضًا.

يرتبط نظام منصة العمليات المشتركة المدمجة IJOP أيضًا بمواقع المراقبة والعبور الأساسية في شينجيانغ، ويُشكل النظامين جدارًا افتراضيًّا للفلترة مثلما تصفه السلطات الصينية، إذ يعمل لتقييد حرية الحركة من المنطقة والوافدين إليها وذلك بحسب مستوى التهديد المحتمل للشخص العابر الذي يحدده التطبيق. وتكون حرية التنقل مقيدة على عدة مستويات، فهناك من يتمُّ عزلهم ووضعهم في معتقلات «إعادة التثقيف» ويُقدر عددهم اليوم حوالي مليون مواطن، وهناك من تقيَّد تحركاته ويُمنع من الدخول إلى الأماكن العامة أو بالسفر خارج الصين، وهناك من يخضع للإقامة الجبرية ويلزم بالتالي بالمكوث في منزله.

التكييف القانوني للانتهاكات المرتكبة في ظل القانون الصيني والقانون الدولي لحقوق الإنسان

 يضمن الدستور الصيني للمواطنين الصينيين حرمة المراسلات في المادة 40 منه، كما يُلزم قانون الإجراءات الجزائية الصيني في المادة 135 الجهات الأمنية في إطار التحقيقات الجنائية، وعندما يتطلب الأمر بحثًا في الهواتف الخلوية وفي مراسلات الأشخاص، يُلزم الحصول على أمر من النيابة، وذلك ما لم يُطبَّق البتة في منطقة شينجيانغ مثلما أوردت تحقيقات «هيومن وتش رايتس» المسجلة منذ مطلع سنة 2018.

بيد أن المنظومة القانونية في الصين تعجُّ بالتنظيمات واللوائح التي تتيح لموظفي الشرطة والإدارة الحق في ترصُّد وجمع مختلف المعطيات والبيانات الشخصية كالقانون المتعلق بالأمن القومي مثلًا. أضف إلى ذلك عدم توفر الصين على قانون خاص يحمي وينظم الحق في الخصوصية.

أبانت سياسة الرقابة الرقمية للحكومة الصينية تجاهل كلي لقرينة البراءة في التعامل مع مسلمي الايغور. حيث مكَّن التطبيق الحكومة من ملاحقة كل من يُوسم بوصف الشبهة استنادًا إلى معايير فضفاضة لا تقوم على أي أساس قانوني. والأكثر من ذلك فإنَّه يُمنح للموظفين الحكوميين المدعومين بقدرات تطبيق IJOP في شينجيانغ صلاحيات تقديرية واسعة؛ إذ هم من يباشر التحقيق، ويقرر في حالات الأشخاص الذين يستوجب إحالتهم إلى المعتقل أم لا. فيصبح هؤلاء الموظفين في مرتبة النيابة وجهات التحقيق والحكم في آن واحد. ويتمُّ كل ذلك من دون استفادة الموقوفين من الحقوق الأساسية للمحاكمة العادلة، كالحق في الدفاع وحق الطعن والاتصال بالأهل وحفظ الحياة الخاصة وغيرها كما قد يتعرضون للمعاملة القاسية ولأشكال عدة من التعذيب بعد الاعتقال. هذا وتجدر الإشارة إلى أن الحكومة الصينية تعظ منظومة الرقابة الرقمية وما يتصل بها من إجراءات لاسيما تلك المتعلقة بالوضع تحت الحجز والاعتقال في مراكز «إعادة التثقيف» تعدها صلاحيات إدارية خارجة عن الاختصاص القضائي.

لذلك فإن أغلب السلوكيات والعلاقات التي يُشير اليها التطبيق بِوسم الشبهة ليست بجرائم في القوانين الصينية، وإنما تعد سلوكيات مشبوهة تتحرك السلطات على أساسها لمنع جُرم يحتمل وقوعه مستقبلًا. وتصنف هذه السلوكيات ضمن التطبيق إلى تسع فئات تضُم ما مجموعه 36 سلوكًا.

وتندرج السلوكات التي يُشار إليها بِوسم الشبهة بواسطة تطبيق IJOP في تسع فئات أساسية ألا وهي:

– فئة الأشخاص الذين يتنقلون في أرجاء مناطق إقامتهم المسجلة أو خارجها.

– فئة الأشخاص ذوي العلاقات المشتبهة.

– فئة الأشخاص الذين يستهلكون كميات غير اعتيادية من الكهرباء.

– فئة الأشخاص الخارجين عن التغطية الشبكية.

– فئة الأشخاص بهويتين غير متطابقتين.

– فئة الأشخاص المشتبه بهم.

– فئة السيارات المشتبه بها.

– فئة الأشخاص المشتبه بهم المضبوطين عند نقاط العبور.

– فئة السيارات المشتبه بها المضبوطة عند نقاط العبور.

لا ينصُّ القانون الصيني على مدة معينة للمكوث في الخارج كما لا يمنع المكوث أيامًا إضافية، كما لا يجرِّم ارتفاع نسبة استهلاك الكهرباء في المنازل أو يُحرِّم استعمال تطبيقات التواصل الاجتماعي مثل «واتساب» و«فايبر» و«تلجرام» وغيرها. إلا أنَّ هذه السلوكيات وغيرها تندرج ضمن الأفعال المثيرة للشك والتي تستوجب المتابعة والتحقيق بل والاحتجاز في حق الإيغور إذا ما رصدها التطبيق.

تضمن النصوص الدولية هي الأخرى على غرار العهد الدولي للحقوق المدنية والسياسية، الذي وقعت عليه الصين سنة 1998 ولم تصدق عليه بعد، منع تعريض أيا كان للتدخل على نحو تعسفي أو غير قانوني في حياته الخاصة، في شؤون أسرته أو بيته أو مراسلاته ولا لأي حملات غير قانونية تمس شرفه أو سمعته.
كما يكون لكل شخص حق التمتع بحماية القانون من مثل هذا التدخل أو المساس به.

كما لا يسمح بالاطلاع على الحياة الخاصة، بما فيه جمع، وحفظ واستعمال المعطيات الخاصة بالأشخاص إلا في حالة الضرورة وفي إطار تناسبي يخضع للقانون.

ويتصل الحق في الخصوصية اتصالًا وطيدًا بحقوق أخرى أساسية وخاصةً الحق في حرية الرأي والتعبير مثلما نصت عليه التوصية 167/68 الصادرة عن الجمعية العامة للأمم المتحدة تحت عنوان «الحق في الخصوصية في عصر الرقمنة».

إن إقامة منظومة إدارية رقمية رقابية وعقابية موازية لسلطة القضاء في الصين لا يعفى الحكومة الصينية من الالتزامات القانونية الواقعة على عاتقها والمرتبطة بضرورة حفظ الحياة الخاصة وحرية الاعتقاد والرأي والتعبير، هذا وتتقاسم الحكومة الصينية مسؤولية التجاوزات الواقعة في حق الإيغور مع الشركات المطوِّرة لتطبيق منصة العمليات المشتركة المدمجة، فالشركات الرقميَّة التي طورت التطبيق وكل الشركات الأخرى التي تسهم في رصد وجمع المعطيات خارج الأطر القانونية تعد متجاوزة لمسؤولياتها الدولية، وخصوصًا تلك الواردة بموجب المبادئ التوجيهية للأمم المتحدة بشأن الأعمال التجارية وحقوق الإنسان التي تلزم الشركات باحترام حقوق الإنسان، الامتناع عن الإضرار، وإصلاح الأضرار في حالة وقوعها.

«لستُ مع موقفك لكنني مستعد للدفاع عنه ولو كلفني ذلك حياتي» قولٌ مأثور يختصر فلسفة فولتير التنويرية، وسبقه الفاروق عمر بن الخطاب بمقولته الخالدة «متى استعبدتم الناس وقد ولدتهم أمهاتهم أحرارًا»، فحريَّة التدين وتبني الأفكار والمعتقدات من بين الحقوق الأساسية المحمية في شتى الشرائع، ولا يُستساغ منطقيًّا أن تُكرّس سياسات من أجل محو واستئصال قناعات الناس الدينية والفكرية ولو بإخضاعهم لأكثر التلقينات والتدريبات قسوة مثلما يحدث فيما يُسمى بـ«مراكز إعادة التثقيف» في شينجيانغ حيث يُوصف الأمر في أروقة هذه المراكز بـ«عملية تنقية العقول من إدمان التدين»، حيث من بين ما يتعرض له المحتجزون، دروس يومية مكثفة تهدف إلى ترسيخ قُدسيَّة وحاكميَّة الحزب الاشتراكي والرئيس الصيني وكل ما يصدر عنهما من سياسات، ويُستعمل لذلك أعمال روتينية تتضمن تكرار عبارات وشعارات تمجِّد وتمدح الحزب الاشتراكي الحاكم، كما يستعمل في الوقت نفسه عبارات وشعارات تذم وتنبذ معتقدات الإيغور وتقاليدهم.

يحاول المدافعون عن النموذج الصيني تسليط الضوء على مبدأ المصلحة العليا للجماعة؛ إذ يعد هؤلاء أن كل ما قد يرد على حق الفرد من تقييدات ليس إلا تكريسًا للمصلحة العليا للجماعة، بيد أن هذا المنطق يبقى ناقصًا ما لم يتم وضع تفرقة دقيقة تضمن الحماية القانونية الشاملة للمصلحة الخاصة، وفي غياب ذلك فإننا سنكون بصدد منظومة تضع المصلحة الخاصة تحت مظلة المصلحة العامة متى شاءت، ولما كانت مقتضيات المصلحة العامة تحتمل المرونة تبعًا للاتجاهات السياسات السائدة؛ فإننا سنكون بصدد نظام متجاوز لحدوده ابتداءً، وسيقع لا محالة في مماراسات تَسلُطيَّة استبدادية في حق مواطنييه.

إنّه ليعدُّ ضربًا من ضروب الخيال التسليم بإمكانية النجاح في تبديل الفكر أو تغيير القناعات في ظل غياب الإرادة الحرة للإنسان. والشاهد مراكز «إعادة التثقيف» المُقامة في الصين منذ سنة 2016 والتي لم تزد الوضع إلا احتقانًا مثلما جاء على لسان أشخاص من الإيغور عاشوا تجربة الحجز داخل هذه المراكز وسردوا تجاربهم المريرة، ويعد العمل الاستقصائي الذي قام به الصحفي «جوفري كاين» وسرده لوقائع معاشة من قلب شينجيانغ من أبرز الإضافات المهمة التي ألقت الضوء على المعاناة اليومية للإيغور من داخل شينجيانغ.

يُعدّ الإضطهاد الديني والاعتداء على الحق في الخصوصية وانتهاك الحق في قرينة البراءة والمحاكمة العادلة وتقييد الحريات والمنع من السفر انتهاكات صارخة لحقوق الإنسان سواءً المحميَّة في القانون الصيني أو المحصنة بحكم نصوص الاتفاقيات الدولية لحقوق الإنسان، هذا ولا يستقيم القول والتحجج بمزاعم احتمال الوقوع في «التطرف أو الانفصالية» من أجل تقييد الحريات الفردية والجماعية لشعب بأكمله فذلك مخالف لكل التشريعات؛ سماوية كانت أم وضعية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد