يقول نابليون «إذا ما أفاقت الصين من نومها فستدهش العالم حتما»

توجد الصين في كل مكان في هذه الأيام، يغذيها اقتصاد كبير هو الأسرع نموا في العالم، ويؤثر في حياتناجميعا، وغدت عبارة «صنع في الصين» متداولة في كل العالم، فالبلاد التي تخيط ثيابا وتصنع أحذيةً وتجمع ألعابا لأطفال العالم أكثر من أي بلد آخر، ارتقت في سُلم التكنولوجيا، فإننا نجد الصين قد صارت أكبر مصنع للأجهزة الإلكترونية الاستهلاكية، تضخ في أسواق العالم كمية رهيبة من أجهزة التليفزيون والهواتف أكبر من أي بلد آخر، ناهيك عن صناعة السيارات بأنواعها، وأجهزة كمبيوتر عالمية تم تصنيعها في الصين.

ولم يسبق لأي بلد أن قطع خطوات التنمية الاقتصادية دفعة واحدة بهذه المهارة، ولم يهُز بلد هرم الاقتصاد العالمي كما هزته الصين.

ويدرك المتتبع العادي للأخبار أن ثمة أمرا عظيما يلوح في أفق الصين، فالبلد يصنع قطعا لطائرات بوينغ 757 ويكتشف الفضاء بصواريخ صنعتها الصين، وتشتري الصين حقول النفط في أنحاء العالم، وتشتري (خردة) حديد العالم وكميات هائلة من الفولاذ لتحولها إلى منتجات تباع في مختلف أنحاء العالم، ويَعُدُ البلد نفسه بدأب دون كلل ولا توقف لمستوى أعلى من التصنيع والتطور في شتى المجالات، فالصين تشهد اليوم تدفقا هائلا لرؤوس الأموال الصناعية، فهناك يستثمر العالم ماله.

ولكن لنتوقف قليلا، إننا نتحدث عن الصين التي إذا ما نظرنا إليها في أواخر السبعينيات من القرن الماضي، سنجدها شاسعة مترامية الأطراف، تعاني من الكثافة السكانية الهائلة، حيث بلغ عدد سكانها أكثر من مليار ومائة ألف نسمة في ذلك الوقت، معظمهم من الفلاحين، تعاني على المستوى الصحي من المجاعات والأمراض المتوطنة، بالإضافة إلى مائة مليون مدمن.

أما على المستوى الثقافي فقد كانت تعاني من الجهل والتخلف، وعلى المستوى الاقتصادي عانت الصين من الفقر الشديد والمجاعات الرهيبة، أما على المستوى الاجتماعي فقد كان نسيجها الاجتماعي مهترئا ومهددا بالتفكك، والصراع في داخلها على أشده نتيجة تعدد العرقيات، أما على المستوى السياسي فكانت تعاني من مساوئ حكم النظام الشيوعي وتأثيراته على طوائف المجتمع.

هكذ كانت الصين وحتي عام 1978م، فكيف حدثت هذه الطفرة وهذه النهضة غير المسبوقة في سنوات معددودة؟

مضت 35 عاما حتى الآن على إعلان الزعيم الصيني الأسبق دينغ شياو بينغ انفتاح الصين على العالم وصياغة أحد أكبر قصص النجاح في تاريخ البشرية لأكبر اقتصاد في العالم، ونحاول فيما يلي تفصيل العوامل الرئيسة التي أدت إلى هذه النهضة:-

القوة الناعمة

استخدام أساليب القوة الناعمة عن طريق:

  • ترسيخ مفهوم لا مكان للعجز أو الفشل: هذا هو سر تكوين شخصية الإنسان هناك، حيث العمل والإنجاز يقعان على قائمة أولويات الفرد في الحياة، وحيث لا مكان للفشل أو للعجز، أو التباطؤ والتكاسل، فإن لم تعمل فستموت.
  • مظلّة التأمين الاجتماعي: تعليمٌ مجاني وتأمينٌ صحي ودعمٌ لذوي الاحتياجات الخاصة بحيث لا يكون هناك فقرٌ مدقع.
  • تحقيق السيادة : عن طريق بناء سيادة وطنية على الموارد، والاهتمام بالمشاريع الصغيرة والمتوسطة، بما يحقق التكافل الاجتماعي والأمن المستدام.
  • نشر اللغة والثقافة بالخارج : حيث تم إنشاء المئات من المعاهد الكونفوشوية في شتى أرجاء العالم، والتي تهدف إلى تعليم اللغة الصينية، وهو من أهم المشروعات التي تكتسب صفة مشروعات القوة الناعمة.
  • الحفاظ على السلام: تبنت الصين عبارة «النهوض السلمي» في مسعى لطمأنة الدول المجاورة التي يخالجها التوتر من نهضة الصين في إجراء يفضي إلى التأكيد على أن نهضتها الاقتصادية الجديدة لن تجعل منها دولة مستأسدة، ومع ذلك فإن الجيش الصيني من أكبر جيوش العالم، حيث يبلغ قوامه ثلاثة ملايين جندي، وقال ووجيان مين، السفير الصيني السابق لدى فرنسا «لا بد أن يدافع كل بلد عن أمنه ومصلحة أراضيه، لكن ذلك لا يعني أننا لا بد وأن نصبح عدوانيين، فهذا الطريق يخلف شعور الاغتراب حتى مع الأصدقاء«.

تخطيطٌ لتنميةٍ إستراتيجيةٍ مُستدامة

  • إصلاح متدرج للاقتصاد: التوجه نحو اقتصاد السوق على الطريقة الصينية أي إنه إصلاحٌ تدريجي، فقد بدأ أواخر السبعينيات في وضعٍ اقتصادي مأزوم وبعد نحو 30 عاما سُجّلت الصين عام 2010 كأكبر دولةٍ مُصدّرةٍ في العالم، مختلط أي سوق حرّ يُشجّع المبادرة الفردية مع دورٍ مؤثرٍ للدولة في إدارة النشاط الاقتصادي، شامل حيث شمل جميع القطاعات زراعيةً وصناعيةً وخدميةً ومصرفيةً وتكنولوجية وكل أوجه الاقتصاد الحديث، إستراتيجي وهو ما يُسمّى في الصين التنمية الإستراتيجية التي تتحقق بأربعٍ: التخطيط، الادخار، الاعتماد على الذات، وبنية تحتية متكاملة، إضافةً إلى أساسيات الإصلاح الاقتصادي المعروفة وهي تشجيع الاستثمار الأجنبي واستهداف التصدير.
  • السماح للأفراد بإنشاء مشاريعهم الصناعية وإنماء ثرواتهم الفردية: تنشيط المبادرات الفردية بتخطيط وتُنسيق من الحكومة، وهذا بالتالي يُفسّر النمو السريع للاقتصاد الصيني كما لاحظه العالم، وللدّقة يمكن وصف دور الحزب الشيوعي الصيني بأمرين: الأول قيامه برفع القيود عن المشاركة الفردية، الثاني بذله جهدا تنظيميا هائلا لتحديد الامتيازات الممنوحة للمستثمرين.
  • تطوير البنية التحتية : استثمرت الحكومة منذ عام 2003 ما يقرب من تريليون دولار في تلك المجالات عبّدت الطرق وأدخلت الكهرباء والماء والتلفونات والإنترنت بحيث أصبحت الآن متوفرةً في 98% من تلك المناطق، وهذا يعني أنّ القُرى أيًّا كان إنتاجها سوف تستطيع نقله وبيعه، وهو ما جذب المستثمرين إلى تلك المناطق فنشأ فيها عددٌ ضخمٌ من المشروعات الصغيرة والمتوسطة وبالتالي توفر عددٌ أكبر من الوظائف وتحقق دخلٌ أكبر للقرويين.
  • الابتكار في التمويل: فيما يختص بالتمويل أصدرت الحكومة سندات خزانةٍ حكومية لتمويل الاستثمار في تلك البنية التحتية الضخمة بما يوفر النفقات علي الحكومة، (قارن بين أميركا التي تُصدر سنداتٍ حكوميةً في القطاع المصرفي وبين الصين التي تُصدر سنداتٍ لتمويل البنية التحتية، أيُّهما أفضل؟ بالتأكيد الصين).
  • إنشاء شركات حكومية في الاقتصاد الصيني: تمتلك ما يقرب من نصف الاقتصاد الصيني وذلك بغرض:

*إنقاذ السوق عند الفشل.

*طرق مجالات يعزف عنها القطاع الخاص (الصناعات الثقيلة وغيرها).

*تحسين القدرة التنافسية للإنتاج المحلي.

*دور انتقالي بين الاقتصاد الموجّه واقتصاد السوق الحر.

منظومة قوانين

  • إعداد قوانين تحدُّ من التفاوت الطبقي والحفاظ علي بنية المجتمع.
  • إعداد قانون يحمي حقوق الموظفين والعمال.
  • إعداد قوانين تسهل أعمال التصدير، وتُشجّع الاستثمارات الأجنبية.

تصدٍّ حاسمٌ للفساد

يوجد بالصين نظامٌ لمكافحة الفساد، مختلفٌ عن نظيره في العالم، ويسمى مكافحة الفساد على الطريقة الصينية، يشتمل على:

*التطهير الذاتي.

*منع حدوث الفساد.

*رقابة شعبية.

*أجهزة رقابية.

*مؤتمرات مكافحة الفساد.

*عقاب يصل إلى الإعدام.

تفكير إستراتيجي متفرد

  • سعر تنافسي: دخلت الصين مجال الصناعة في الخمسينيات من الميلاد بتقليد الصناعات الغربية ثم القيام بتسويقها بأسعار أقل مما تباع به من قبل الدول الغربية مما أدى إلى الإقبال على الصناعات الصينية من غالبية الناس الذين يعتبرون من ذوي الدخول المحدودة أو القليلة.
  • الاستفادة من الكثافة السكانية: إن الصين رغم كثافتها السكانية الضخمة 1.5 مليار فإنها لا تُصَّنع لشعبها فقط بل كل ما يتعلق بخصوصيات الشعوب الأخرى ولو كانت قليلة العدد، فمثلا الصين تصنع الزي العربي الخليجي وكل ما يحتاجه سكان الخليج مثل المدخن وفناجين القهوة والشاي، وكان آخر ما صنعته الصين لدول الخليج (خاتم التسبيح) لتسهيل قيام المسلم بعد التسبيحات بدلا من استخدام الأصابع أو السبحة كما يستخدم لعد ركعات الصلاة.
  • الصين أولا: أن الصين لم تقحم نفسها في المشاكل الدولية ولم تتدخل في أي دولة لمناصرة فئة ضد أخرى كما تفعل الولايات المتحدة والاتحاد السوفيتي سابقا أو روسيا حاليا مما تسبب في إنهاك اقتصادها.

وكان من نتائج هذه السياسات والخطط

1- رفع مستويات الحياة المعيشية للشعب الصيني، تفيد تقديرات البنك الدولي أن ثمة نحو 400 مليون نسمة من الصينيين قد تخلصوا من حالة الفقر خلال العشرين سنة الماضية.

2- بلغ متوسط معدل النمو الاقتصادى الوطني GDP في الصين نحو %10 سنويا خلال العشرين سنة الماضية, مما يعني أن ناتجها المحلى الإجمالى يتضاعف مرة كل سبع سنوات.

3- وصل متوسط دخل الفرد السنوي من الدخل القومي فى الصين 1080 دولار أمريكى عام 2003، علما بأن الدخل اليومى لـ 80 % من مجموع السكان كان قبل العشرين سنة الماضية لا يتعدى الدولار الواحد.

4- حجم الاستثمارات الأجنبية المباشرة FDI التي اجتذبتها الصين قد تجاوز لأول مرة ما لدى الولايات المتحدة لتحتل بذلك المرتبة الأولى فى العالم .

5- تقدم الصين الهائل في مجال الزراعة حيث يوجد لديها (300) مليون مزارع وتحتل المرتبة الأولى في الإنتاج الزراعي في العالم.
6- ازدهار السياحة في الصين، فالملايين يقصدونها سنويا لمشاهده المعالم السياحية ومنها سور الصين العظيم ومنطقة ناتشان وغابات شجر الحور ومدينة جياوخه الأثرية وجبل سان تشينغ ذو المناظر الخلابة.
7- احتلال الصناعة الصينية مكانة عالمية متقدمة بفضل ضخامة الإنتاج حيث تنتج الصين ℅ 37.1 من الإنتاج العالمي من خيوط القطن و70 ℅ من الألعاب و50 ℅ من الأحذية و25 ℅ من الإنتاج العالمي لأجهزة التلفاز .

8- إنتاج صناعي ضخم ومتنوع وهو ما جعل الصين تتبوأ مكانة عالمية متقدمة في عدة صناعات (الأولى عالميا في الصلب / الأسمنت / أجهزة التلفاز / الألعاب / النسيج الاصطناعي / الأسمدة الكيماوية).
9- اعتبار الصين رابع قوة صناعي عالمية بعد كل من أمريكا و اليابان وألمانيا.

إذا ما تقدم هو بعض الأسباب التي أدت إلى تقدم الصين في مجال الاقتصاد العالمي، والذي يمكن قوله حول ذلك أن الجد والمثابرة والانضباط والتخطيط للمستقبل ومتابعة سير الإنجازات سواء على المستوى الفردي أو الحكومي هي التي تحقق الأهداف وتؤدي إلى بلوغ مستويات عليا، فالطموح لا يعترف أبدا بما يسمى المستحيل، فما أحوجنا للأخذ بهذه الأسباب وغيرها لبناء نهضتنا العربية والإسلامية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

كتاب الصين شركة عظيمة
كتاب الصين
موقع الصين اليوم
قصة حياة ماوتسي تونغ
أبحاث ودراسات متعددة عن النهضة في الصين.
عرض التعليقات
تحميل المزيد