يخرج لنا من وقت لآخر تقرير يندد بانتهاك حقوق الإنسان في الصين، فتبدأ منظمة «هيومن رايتس ووتش» العام بتقرير حول حقوق الإنسان في الصين. ومن طرف الصين فإما تنفي ما جاء في التقارير، أو تعده تدخلًا أجنبيًا، أو تتجاهل التنديد برمته. والحقيقة أنه مثلما يوجد من يدافع عن الحقوق المهدرة في الصين، يوجد أيضًا من يتعمد تجاهل هذه القضية؛ حفاظًا على العلاقات مع قوة اقتصادية عظمى كالصين، حيث إنها تعد المستثمر الأكبر في عدد كبير من الدول في العالم.

ماذا تتناول هذه التقارير؟

تدور هذه التقارير حول العنصر الذي ما زالت تفقده الصين، على الرغم من التقدم الاقتصادي والعلمي الذي حققته الصين، وهو أن فرص كفالة حقوق الإنسان الأساسية، مثل حرية التعبير والتجمع وتكوين الجمعيات والدين، هزيلة للغاية.

أشار تقرير هيومن رايتس ووتش في 2016 إلى أن الصين احتجزت ما يقارب من 300 ناشط حقوقي، من بينهم 30 فردًا اختفى قسريًا، ووجهت لهم تهمة الانضمام إلى عصابات إجرامية تهدد أمن الوطن.

المؤسف أن ذلك لم يتغير في تقرير العام الجاري للمنظمة، بل إنه أكد أن الوضع يزداد سوءًا، وقَع أكثر من 16 محاميًا وناشطًا حقوقيًا ضحية عداء الدولة للمجتمع المدني المستقل بعد احتجازهم إثر حملة واسعة ضد الناشطين في يوليو (تموز) 2015. احتُجز معظمهم في أماكن سرية، ولم يُسمح لهم بالاتصال بذويهم أو محاميهم. كما بات كل من حاول الاستفسار عن قضاياهم، أو سعى لإطلاق سراحهم من عائلات ومحامين وداعمين مستهدفًا بدروه من قبل السلطات.

حرية المعتقد

يشهد الواقع المؤسف أن الصين دولة قمعية تفتقر إلى حرية المعتقد، فالكومة الصينية أصلًا تحاول نشرة فكرة الإلحاد، وقد نجحت في ذلك بالفعل؛ فحسب المسح الذي أعده مركز جالوب الأمريكي، فإن 67% من ملحدي العالم صينيون.

الصين تعتبر المعتقد الديني مضيعة للوقت، ويعطل مسيرة العمل اليومية، ومن ثم يعطل مركبة التقدم. ومن هنا يأتي السؤال: هل الصين تشن حربًا ضد الإسلام أو المسيحية أو معتقد ديني بذاته، أم أنها تشن حربًا على كل حركة دينية كانت أو سياسية تهدد قبضة الحزب الشيوعي على الحكم في الصين؟

تركستان الشرقية

الحقيقة أن المسلمين في تركستان الشرقية (أو شينجيانغ كما يطلق عليها الصينيون) يتعرضون للتمييز العرقي والديني. ولا يكتفون بذلك فحسب؛ وإنما ازداد لحد جعل الحكومة تشجع على هجرة أفراد كبيرة من قومية الهان، وهي القومية الأكبر في الصين؛ وذلك لتحقيق هدف محو الهوية، أو تصيين هذه المنطقة الواقعة تحت سيطرة الصين.

فالتركستان أرض واسعة جدًا في آسيا الوسطى، لكن انقسمت بفعل الاستعمار إلى تركستان الشرقية، وتركستان الغربية؛ فاحتل الروس تركستان الغربية وضموها إلى جمهوريات الاتحاد السوفيتي، واحتل الصينيون تركستان الشرقية وضموها إليهم تحت اسم شينجيانغ، وتعني الأرض الجديدة، وبذلك ضاعت بلاد إسلامية كانت من أعظم بلاد المسلمين حضارة وتاريخًا وكفاحًا ومجدًا، والتي تمتلك ثورات معدنية وبترولية تبرر لنا سيطرة الحكومة الصينية عليها، مثلما صارت أراض أخرى واقعة تحت سيطرة الصهاينة والصليبيين، ويقف حكام بلاد المسلمين مكبلي الأيدي، لا يجرؤ أحد منهم على الوقوف ضد المحتلين؛ لأن المحتل أقوى اقتصاديًا، أو مستثمر له سلطته في عدد كبير من دول العالم.

الانتهاكات التي يواجهها مواطني الإيغور (أهل تركستان) لا تنتهي بل إنها تزداد يومًا بعد الآخر، وصل إلى حد أن الحكومة تمنعهم من الصلاة والصوم؛ لأنهما قد يعطلاهم عن أداء عملهم، خاصة الصوم، ويلقى القبض على كل من يحاول مخالفة القوانين التي وضعها الحزب الشيوعي لإحكام قبضته على هذه البقعة.

حاول أهل تركستان الاعتراض بالطرق السلمية حينًا، وبالعنيفة حينًا آخر، ومن الناحية الأخرى تكثف الصين أيضًا طاقتها لقمع هذه المحاولات، وتحظر إطلاق اللحى، أو ارتداء النقاب، وتعدهما صورتين إرهابيتين، وهو المبرر نفسه الذي تسوقه للعنف الواقع ضد مسلمي الإيغور، تقول الصين إنها تحارب الإرهاب وتحافظ على أمن بلادها ومواطنيها.

وخلال رحلتي في الصين لمست ذلك بنفسي، فلا يجرؤ أي مواطن صيني على مناقشة هذه القضية؛ لأنهم يخافون المساءلة القانونية، فعندما أثارت صديقتي الصينية النقاش حول هذه النقطة، سرعان ما هربت من استكمال الحديث عنها. وتعرض صديقي البرازيلي للقبض عليه مرتين أثناء زيارته لهذه المنطقة، ولم يتم الإفراج عنه إلا عندما أخرج جواز سفره، وأثبت أمام الشرطة أنه مجرد سائح.

وتقيم الصين دورات في تلك المقاطعة لتعرف مواطني تركستان على ثقافة الصين وعاداتها؛ لتصبح مقاطعة صينينة قولًا وفعلًا. ويبزغ هنا سؤال آخر، وهو: هل قمع حرية المعتقد تقتصر على الإسلام فقط؟

الانتهاكات ضد مسيحيي الصين

التقارير والأخبار المعنية بهذا الشأن تجيب بالنفي؛ حيث إن الصين تشن حملات لهدم كنائس في أنحاء مختلفة من البلاد، بحجة أنها تخالف القانون، ولكن الحقيقة التي أشار إليها بس وب فو، رئيس جمعية (تشاينا إيد) المدافعة عن الحقوق الدينية ومقرها في الولايات المتحدة، حول الحديث عن هدم كنيسة تقع شمال البلاد في يناير (كانون الثاني) المنصرم أن السبب الرئيس هو أن تلك الكنيسة رفضت التسجيل لدى السلطات، وبذلك فهي تخالف القانون، وتخرج عن طوع الحزب الشيوعي.

ماذا ينتظر مستقبل حقوق الإنسان في الصين؟

إن حقوق الإنسان في الصين تدخل إلى نفق تشدد ظلاماته بمرور الوقت، خاصة بعد تعيين شي رئيسًا مدى الحياة للصين، والغريب أن أمريكا – الصوت المدافع عن الديمقراطية – أشاد بهذه الخطوة، ووصف ترامب شي بأنه رجل مهذب وعظيم، ونستدل بذلك على المستقبل الذي ينتظر حقوق الإنسان في الصين.

الصين هي ثاني أكبر قوة اقتصادية في العالم بعد أمريكا، ولا يستبعد أبدًا أن تزيحها لتتربع هي عرش القوة الأعظم في العالم، وذلك يتيح لها سد أفواه المدافعين الأجانب عن حقوق الإنسان المهدرة داخل الصين؛ لأنهم سيخشون خدش مصالحهم مع الصين.

من جانب آخر، صار الوضع في الصين طبيعيًا وعاديًا أن يسلب منك حق التعبير في الرأي، خاصة أن مستوى المعيشة في الصين يرتفع، وهذا يقلل شكوى المواطن أو شعوره بالظلم، كما أن طبيعة الشعب المطيعة تخدم طبيعة الحاكم القمعية، وذلك يوفر فرصة جيدة للحزب الشيوعي أن يحكم قبضته في الصين.

هل الصين تشن حربًا ضد الإسلام؟

نعود من النقطة السابقة الثانوية إلى المركز، وهو أن الصين لا تحارب معتقد بذاته، لكن تحارب الخارجين عن القانون الذي تفرضه سياسة الحزب الشيوعي، ومن هنا أجد أن الانتهاكات تنتهج اتجاها هدفه سياسي في الأساس أكثر منه ديني؛ فالصين لا تتعرض بهذه الانتهاكات للكنائس المسجلة لدى الحزب، وكذلك مسلمي قومية هوي؛ فهم يعيشون حياة آمنة، ويمارسون شعائرهم الدينية بصورة طبيعية، والبوذيون أيضًا يعيشون تحت كنف الحزب الشيوعي في سلام. وأما عن تجربتي الشخصية في الصين، فإنني لم أتعرض لمضايقات من المحيطين بي، لكنني تعرضت لبعض الأسئلة عن السبب الذي يجعلني ألتزم بالحجاب، أو عن الفرق بين اللحم الحلال واللحم الحرام، وما المبرر الذي يمنع المسلمين من أكل لحم الخنزير، لكن إذا خدعت أحدهم وأخبرته أنني مسلمة من قومية الإيغور، وهذا سهل تصديقه، فمسلمو الإيغور لا يشبهون الصينيين بكل تأكيد؛ لأن أصلهم تركي، وهنا قد أتعرض لعنصرية، وينعتونني بالإرهابية، أو على أقل تقدير فإنه لابد وأنني لدي ميول إرهابية. ومن طرفي، فأنا أقدر شعور الصينيين تجاه أهل تركستان؛ لأن هذا ما صدرته لهم الحكومة الصينية.

فالصين تحاول تطبيق سياسة جديدة تخدم مصالحها اقتصاديًا، وتحكم قبضة الحزب الشيوعي على المدى البعيد، وهي سياسة (عبادة الدولة)، فإذا كان العمل في بلاد المسلمين عبادة، فإن القانون والعمل هو دين الصينيين.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

رواية ليالي تركستان لنجيب الكيلاني
عرض التعليقات

(0 تعليق)

تحميل المزيد