لقد دامت هذه الإمبراطورية أربعة آلاف عام دون أن يطرأ عليها تغيير يذكر في القوانين أو اللغة أو العادات أو في أزياء الأهلين. وإن نظام هذه الإمبراطورية لهو في الحق خير ما شهده العالم من نظم. فولتير متحدثًا عن الصين

قبل نحو عامين أعلنت الصين عن احتفالات عسكرية بمناسبة مرور سبعين عاما على إنتهاء الحرب العالمية الثانية. اعتذرت الدول الغربية وقتها عن المشاركة في هذه الاحتفالات وكان ذلك متوقعًا. القوة العسكرية الصينية المتنامية بسرعة محل اعتراض دائم من الغرب. من دون فهم الصين وتقبلها سيستحيل فهم السياسة العالمية. هكذا كانت الرسالة الموجهة للدول الغربية من وراء هذه الاحتفالات.

لم يكن التجاهل الغربي للصين جديدًا. ينكر الغربيون الدور الصيني في هزيمة الفاشية ودحر الاحتلال الياباني عن أراضيهم أثناء الحرب العالمية الثانية. لا يقتصر تاريخ الحذر الغربي من الصين على جملة نابليون بونابرت الشهيرة (دعوا العملاق الأصفر نائمًا)، بل يمتد إلى الفكر الصيني والثقافة الصينية. منذ أكثر من قرن ونصف عندما كانت بريطانيا تناقش إدخال نظام الاختبارات في التعيين للخدمة المدنية، رفض معارضو نظام الاختبارات الفكرة على أساس أنها مبدأ صيني، بينما وافق عليها المؤيدون على أساس نفس المبدأ.

لم يكن هذا الحال من الحذر والرفض مقبولا من المفكرين الأوروبيين الذين تأثروا بالفلسفات الصينية مثل ليبنتز وفولتير وغيرهم. امتد تأثير الفكر الصيني إلى التمهيد للثورة الفرنسية في اعتقاد بعض المستشرقين الأوروبيين.

مفكرو وفلاسفة كل أمة هم من رصيد قوتها الناعمة. يعرف ديورانت الصين في قصة الحضارة على أنها جنة المؤرخين. على مدى العصور المختلفة التي عاشتها الصين ظل المؤرخون الرسميون يدونون ما حدث وما لم يحدث. رغم الشك فيما دون إلا أن هذا ساعد على حفظ التراث الفكري والأدبي والفني للحضارة الصينية.

تدرك الصين جيدا أن تقدمها نحو القمة ليس سياسيا واقتصاديا فقط. تدرك أيضا أنها لا تستطيع أن تجاري الولايات المتحدة في قوتها الناعمة.

حرصت وهى تخطط لإقامة القواعد العسكرية في إفريقيا وتغزوها اقتصاديا على أن تؤكد حضورها الثقافي (أحد وسائل القوة الناعمة). أنشأت فروعًا لمعهد كونفوشيوس لتعليم اللغة الصينية في نحو 22 بلدًا إفريقيا، كما أطلقت أول محطة خارجية تابعة لراديو الصين الدولي في كينيا عام 2006.

التقدم نحو القمة مقترن أيضا بفهم الصين للجيوبوليتيك الخاص بها، وهو ما طبقته بشكل ناجح إلى حد كبير حتى الآن. الطبيعة المزدوجة للقوة الصينية بريا وبحريا (تيلوروكراتيا وتالاسوكراتيا) جعلها تتوجه بريا إلى إحياء طريق الحرير التاريخي للسيطرة على وسط آسيا (قلب العالم حسب نظرية السير جون ماكيندر) وصولا إلى غربها ثم البحر المتوسط وشرق أوروبا.

بحريا تتوسع الصين في بحر الصين الجنوبي مهددة توازن القوى الذي تريده الولايات المتحدة واليابان (القوتان البحريتان تالاسوكراتيا فقط).

اعتبر العالم الأمريكي سبيكمان وقت أن وضع نظريته “حافة الأرض” في علم الجيوبولتيك أن الصين ضمن الحافة الملامسة للقلب. لم يكن يدرك وقتها أن الصين ستتحول تدريجيا إلى مركزا جيوبوليتيكيا لا بلدا ضمن الإطار أو الحافة.

يستتبع هذا نظرية جيوبوليتكية جديدة قادرة على قراءة صراع القمة الدولي في متغيراته وانضمام أطراف جديدة له لم تكن موجودة وقت الحرب العالمية الثانية.

التحدي الرئيسي أمام الصين الآن أن تواصل صعودها بدون أن تخوض حربا مع الولايات المتحدة.

يرى كثير من المحللين أن عهود الإذلال الغربي للصين في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين ضعيفة الحضور في التأثير على السياسة الخارجية للجمهورية الشعبية تجاه أمريكا والغرب.

يبدو هذا باعثا للتفاؤل بالنسبة لاحتمال الحرب، لكن لا أحد يستطيع التنبؤ بالنسبة لاحتمال تغيير النظام الصيني وإسقاطه من الداخل أو على الأقل تغييره ليصبح مواليا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد