إن تباين الألسنة واختلاف اللهجات واللغات بين البشر لهو أمر إلهي، أبدع الله تعالى في صنعه وتبيان الحكمة منه. ومع أن الأصل واحد إلا أن لكل إنسان صوت مختلف، ولكل منطقة لهجة متغايرة، قد يعرفون بها، وطريقة تداولهم للكلمات، ويعد هذا من أهم المدلولات على المكان وقاطنيه.. أما إن أرادت أمة معينة أن تسوق للغتها بحكم سيطرتها الاقتصادية دون الالتفات لأحقية الآخرين في إيصال موروثهم التاريخي فهذا سيقلص دور التبادل بين الناس، وستصبح الغلبة لفصيل واحد فقط. كما أنه سيؤثر على الموروث الثقافي والحضاري للأقوام الآخرين.. فلا يمكن أن تسود لغة واحدة الأرض كلها مهما حدث؛ لأن الله تعالى هو القائل: وَمِنْ آيَاتِهِ خَلْقُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَاخْتِلَافُ أَلْسِنَتِكُمْ وَأَلْوَانِكُمْ ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّلْعَالِمِينَ. الروم.

استيقظ المصريون في السابع من سبتمبر (أيلول) 2020 على قرار الحكومة بإتاحة دراسة اللغة الصينية كاختيار زائد على طلاب الثانوية وما قبلها من المراحل التعليمية. الأمر الذي سبقه إقرارها كلغة رسمية في الجامعات والمدارس الحكومية السعودية، ففتحت لها أقسامًا كاملة في جامعاتها ومدارسها بالإضافة لمراكز التدريب الخارجي.. وربما يظن البعض أن هذا القرار من أحكم القرارات التي تم اتخاذها، لكن المتدبر يعلم أن فرض الصينية كلغة ثانية في الكثير من البلدان الأفريقية كنيجيريا، وغينيا، وغانا وغيرها من الدول الأفريقية التي باتت تعيش تحت سطوة السيادة الصينية مؤخرًا لم يأت إلا نتيجة لعقوبات اقتصادية وسياسية مصاحبة للتوسع الصيني.. والحقيقة أن نشر اللغة الصينية هو أحد أهم القواعد والأسس التي أقرها الرئيس الصيني الحالي شي جين بينغ في خطته الرئاسية. وهو إيصال اللغة الصينية وتعليمها لـ100 مليون إنسان.

لكن أن الأمر في مصر مختلف؛ لأنها بلد الحضارات والتاريخ والمائة مليون، ولا يحق لحضارة أكثر حداثة أن تسيطر أو تطغى على حضارة أقدم منها، فتمحوا موروثها الثقافي وتقلص وجودها الإقليمي والدولي بسبب بعض القروض أو والمشروعات الهندسية؛ لأن هذا قرار سياسي بحت، واليد العليا فيه لطرف واحد، فلا العقل، ولا المنطق، يقبلان إدخال لغة جديدة على طلاب الثانوية الذين هم في أمس الحاجة لتعلم اللغة العربية أولًا، ومن ثم نمتعض من التراجم التي تنتج عن أصحاب ما دون الخبرة!
_ ولا شك أن الكثيرين سيتعلمونها طمعًا في ما يشاهدون على الشاشات، دون الوقوف على حقيقة ما خلفها أو محاولة النظر للأمر من خارج الفقاعة الهلامية التي صنعها الإعلام.

_ ما يؤكد أن القرار سطحي هو أن التعاون المتبادل يفرض تعليم اللغة العربية في الصين بنفس القدر الذي يتم به تعليم اللغة الصينية في مصر. لكن هل هناك تماثل في هذا المجال؟ الإجابة: لا! ولا حتى بأي قدر. بل يتم إلغاء كل ما هو عربي من هناك.

_ المتدبر يعلم أن هذا القرار لم يأت إلا لخلق فرص عمل أكثر للصينيين داخل مصر، وللتسويق للُغتهم وإيصالها لشعب الـ100 مليون على طبق من خزف، ولصد الغزو الأمريكي الذي ما نال ما نال في العالم إلا بفرض لغته في المدارس والشوارع وعلى شاشات العرض.
ولتحقيق المكاسب الاقتصادية الناتجة عن الامتحانات والكورسات في مختلف المجالات. بل أكاد أجزم أنه أيضًا لمنع الكثيرين من العرب من السفر إلى الصين بغرض الدراسة في المستقبل القريب، بحجة أن كل ما تحتاج له متوفر لديك في بلدك، فلم تأتِ هنا؟ وسيتم توفير الأماكن هناك للأوروبيين ولمواطني الدول التي لن توقع بروتوكولات كهذه.

ـ عشر سنوات هي كل ما يحتاج الصينيين ليصبح كل شيء في الشرق الأوسط صينيًا بلا مُنازع، وها هم قد وصلوا بقراراتهم لأكبر بلد فيه، ومن ثم يتم إدخال عقيدة وموروث الأخ الكبير، ثم العادات والتقاليد، وها هم يرحبون «بالاحتلال الناعم» ثم يشتكون منه ومن تبعاته غدًا.

المسؤولية العلمية تحتم عليّ الحديث في هذا الأمر دون مخافة اللوم أو ما يتعداه كما تحدثت من قبل عن أهمية دراسة اللغة الصينية.

من سافر من قبل إلى الصين يعلم تمام العِلم صُعوبة الحُصول على عمل هناك مهما كانت لغته الصينية جيدة، لأنهم قد جعلوا الأولوية للصينين في كل المجالات الطبية والعلمية والسياحية والسياسية وغيرها، حتى وإن كانت لغتهم العربية دون المستوى. ولهم أن يفعلوا ما يحلوا لهم في بلدهم.

لكن على الضفة الأخرى ترى أن العكس هو ما يحدث في مصر، ومع أن الشخص في بلده، إلا أنه لا يتم توفير فرص عمل سوية في أي من القطاعات المختلفة للمصريين مهما كان الشخص المتقدم للعمل متمكنًا من لغته الصينية، وعلى مستوى عالٍ من المهنية في إيصال المعلومة وتحصيل المنفعة.

وللموضوع أسباب متعددة، ربما أشهرها من وجهة النظر الصينية أنهم لا يثقون إلا في أبناء بلدهم، فالصيني لا يسافر إلى مكان ما إلا بعد أن يتواصل مع الصينيين المقيمين في ذلك المكان ويقف على حقيقة الأمر هناك، ولا يُفضِل التعامل إلا معهم في كل المجالات، على عكسنا نحن المصريين، فكما يقول البعض «ما عدوك إلا ابن كارك» ولا أعلم أي عداءٍ هذا، ونحن أهل قول الله تعالى: «وفي السَماء رزقكم وما توعدون»، وقوله «إنّ الله هو الرزاق ذو القوة المتين».

في المجال الإعلامي مثلًا، العرب عامة والمصريون خاصة، لا يثقون في بعضهم البعض وهذا أمر مُخجل، وعليه فهم يشاهدون المحتوى الصيني الذي صُرف عليه الكثير من المال إعجابًا بالشخص الأجنبي الذي يقدمه في المقام الأول، ظنًا منهم أنه يفيد أكثر! وربما يكون هذا صحيحًا إن كان المتحدث يتحدث بلغته الأم، لكن الغريب أنهم يشاهدون صينيًا/ة يقدم محتوى مجتزأً بلغة عربية ركيكة، ولا يشاهدون صُنّاع المحتوى العرب الذين يقدمون المعلومات كاملة وغير مجتزئة من سياقها، دون الخوف من جهة معينة تفرض عليهم كل كلمة يراد التسويق لها أو أخرى لا يجب ذكرها. «فالأولى أن نسمع لمن هم منّا، ونساعد أنفسنا كما يفعلون هُم» كي لا تصدم من كم المعلومات الذي قد أُخفيّ عنك عندما تصل إلى الصين.. هذا إن حدث في ظل قانون الفيزا الجديد وإجراءات دخول الصين!

ثانيًا: مجال الترجمة

المترجمون المصريون الكرام، يقبلون بالعمل بأقل المرتبات بحُجة تدوير العجلة، ومع ذلك يتم تفضيل الطالب الصيني الموجود في مصر على كبار المترجمين المصريين، كل في مجاله بدافع الثقة والأريحية في التعامل لا أكثر، مع أنه لا حق له في العمل بفيزا السياحة، أو الدراسة التي يحملها بين يديه، وتجب معاملته بالمثل كما يعامل في الصين.
لكن حتى وإن حدث وتم توظيف المترجم المصري فإنه يعامل كالعامل في معظم الأحيان، فيحتم عليه حمل البضائع، وقيادة السيارة، والقيام بالترجمة، والتعامل مع الحسابات، بل قضاء «المشاوير» أحيانًا وغيرها من الأمور التي لا تدخل في الاختصاص، ولا يقرها العقد. ناهيك عن المرتب المتواضع. لكن المتحكم في الأمر برُمته هو مبدأ أكل العيش، والتفريط لا يأتي إلا بتفريط.

ثالثًا: مجال الصناعة والتجارة

ما الفائدة من تعميم اللغة الصينية إن كان الشخص العربي سيتقلص دوره ليصبح دورًا ثانويًا لا يتعدى أن يصبح موزعًا للمنتج الصيني الذي سيصله إلى بيته.. بل بهذا الشكل لن يحق له حتى المشاركة في إنتاجه حتى وإن كان ينتج على أرضه وعلى مرأى ومسمع منه؟

رابعًا: القطاع التعليمي

تخيل أن دارسي وخريجي أقسام اللغة الصينية المختلفة في مصر قد عانوا في الماضي وما زالوا يعانون الأمرّين حاليًا في ظل الأعداد البسيطة نسبيًا لدارسي اللغة الصينية مقارنةً بما سيكون عليه العدد في المستقبل بعض إقرار تعليمها على طلاب الثانوية وما يسبقها!

فهل هناك أي قانون يمكن الاطلاع عليه لمعرفة كيفية حصول خريجي المستقبل على عمل؟ أم أنه سيتم تعميم الصينية وإغراق السوق بمتحدثي اللغة الصينية المصريين الذين لا يتم استخدامهم؟ لتستمر الغلبة للصينيين داخل وخارج مصر؟
ويتم تقليل المرتبات يوميًا بسبب وفرة المعروض؟ وفي النهاية تذهب إلى المُدرس الصيني الذي لا يعرف خبايا اللغة العربية، ولا يستطع إيصال المعلومة قبل نظيره العربي، أو يتم إرساء العمل على المُترجم أو المُرشد الصيني متجاوزًا بذلك قانون العمل الذي لا يتم تطبيقه ولا نعرف عنه شيئًا!

هذه دعوة للتكاتف والوقوف على الحقوق المشروعة، ولنعلم جيدًا أن تعلم اللغة الصينية مُهم لكنه ليس أهم من اللغات الأم، كما أنه يجب أن يتم بضوابط تضمن فرص عمل ومعاملة متزنة، كي يحصل كل فردٍ مقابل دراسته وعمله على ما يستحق في بلده على الأقل، وكي لا يُصبح المستفيد الوحيد هو طرف لن تتمكن من ردعه في المُستقبل نتيجة عقيدته التي لا يخدم بها ولا يفكر إلا في مصلحته، فالأوجب هو أن نسعى لمصالحنا بطرق أكثر فطنة.
هذه الكلمات وثقت منذ أعوام في محتوى على «يوتيوب» بتجارب شخصية وغير شخصية، لكن ما أنا بناصح! لأنني أقل من أن أنصح، والأهم هو لأن كل فرد من متحدثي اللغة الصينية يعلم تمام العلم بما يدور في كل قطاع، وأحرص على تقويم ما به قبل أن تتفاقم مشكلاته.. ولهذا فقد وجب التنويه.
دمتم في نعيم الله!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد