أقر البرلمان الصيني، قبل أيام، قانونًا خاصًّا بهونج كونج، أثار الكثير من الجدل والتساؤلات حول مستقبل المستعمرة البريطانية السابقة التي استعادتها الصين قبل ثلاثة وعشرين عامًا بموجب الإعلان المشترك الذي وقعت عليه الحكومتان الصينية والبريطانية عام 1984، وقضى بعودة الجزيرة إلى الحضن الصيني في صيغة «دولة واحدة ونظامان».

وتعني هذه الصيغة احتفاظ المدينة بأنظمة قانونية واقتصادية واجتماعية مستقلة تمامًا، بالرغم من تبعيتها لجمهورية الصين الشعبية كمنطقة إدارية تتمتع بدرجة عالية من الحكم الذاتي.

ويأتي إقرار القانون الجديد بعد عام شهدت فيه المدينة اضطرابات واحتجاجات شعبية غير مسبوقة، بسبب مشروع قانون آخر كان قد طرح العام الماضي أمام مجلس نواب هونج كونج، لبحث إمكانية تسليم المشتبه بهم جنائيًّا إلى بكين، لمحاكمتهم أمام القضاء الصيني، قبل أن يسحب المشروع تحت الضغط الشعبي.

فور إقرار القانون، أدانت العديد من الدول الإجراء الصيني، واعتبرت وزارة الخارجية الأمريكية أن هونج كونج لم تعد مستقلة، فيما أبدى رئيس الوزراء البريطاني بوريس جونسون، استعداد بلاده منح الحق لسكان الجزيرة، بالعمل في المملكة المتحدة والحصول على جنسيتها.

مؤخرًا كشفت السلطات الصينية عن مضمون القانون المثير للجدل، وقد انطوى على الكثير من التفاصيل الدقيقة فيما يتعلق بعمل القضاء، حيث يمنح التشريع الجديد صلاحيات واسعة للرئيسة التنفيذية لهونج كونج، كاري لام، في اختيار القضاة، الأمر الذي يتنافض مع القانون الأساسي المعمول به في المدينة، بالإضافة إلى إنشاء مكتب للأمن القومي تشرف عليه الحكومة المركزية، تعزز من خلاله بكين قبضتها الأمنية، وقدرتها على ملاحقة المعارضين والنشطاء المؤيدين للديمقراطية.

استهداف الإعلام

بالنظر إلى الخطوط العريضة لقانون الأمن القومي الذي يعتبر أي أنشطة معارضة للحكومة دعمًا للنزعة الانفصالية، وتحريضًا يهدف إلى إسقاط الدولة، ظن مراقبون أن الإجراء سيتقصر على القضايا الجنائية والأمنية، وهو الأمر الذي أكده مسؤولون صينيون في حديثهم عن القانون، بأنه لن يمس الحقوق والحريات والنظام المستقل داخل الجزيرة، بموجب صيغة «دولة واحدة ونظامان».

لكن بعد الاطلاع على ما ورد في بنوده، يبدو أن السلطة الرابعة ليست في منأى من القبضة الأمنية، فقد جاء في المادة التاسعة من القانون: «إن منطقة هونج كونج ستعزز صون الأمن القومي ومنع الأنشطة الإرهابية، وستتخذ التدابير اللازمة لتعزيز الاتصالات العامة والتوجيه والإشراف والتنظيم في الأمور المتعلقة بالمدارس والجامعات، والمنظمات الاجتماعية، ووسائل الإعلام والإنترنت».

أما المادة العاشرة من القانون، فهي استكمال للمادة السابقة وقد جاء فيها: «»إن منطقة هونج كونج ستعزز تعليم الأمن القومي في المدارس والجامعات من خلال المنظمات الاجتماعية ووسائل الإعلام والإنترنت، وغيرها من الوسائل، لزيادة وعي السكان بالأمن القومي والالتزام بالامتثال للقانون».

ما سبق، يعني إخضاع وسائل الإعلام في هونج كونج لإشراف السلطات الصينية، لضمان صون الأمن وعدم نشر أي مواد من شأنها أن تؤثر في استقرار الجزيرة وفق المنظور والمعايير الصينية، بل أكثر من ذلك ستعمل وسائل الإعلام في هونط كونج على نشر التعاليم الجديدة المتعلقة بقانون الأمن القومي الجديد، ما يعني تحويلها إلى آلة دعاية للحزب الشيوعي الصيني، على غرار وسائل الإعلام المحلية في البر الرئيسي، والتي تعمل وفق توجيهات قسم الدعاية المركزية التابع للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني.

فحسب التشريع الجديد، يحق لمكتب الأمن القومي الذي أنشئ حديثًا في هونج كونج لمتابعة تطبيق القانون، التدخل في عمل وسائل الإعلام بصورة مباشرة، مثل الإشراف على المواد المعدة للنشر بشكل مسبق، للتأكد من أنها تنسجم مع توجه الحكومة المركزية، ولا تثير النزعة الانفصالية، أو تزعزع الأمن والاستقرار في الجزيرة.

بموجب ذلك أيضًا، يحق لمكتب الأمن حذف المعلومات والأخبار التي يمكن اعتبارها مضللة أو مغلوطة، من وجهة النظر الصينية، كما يحق لعناصر الأمن مصادرة الصحف وإغلاق وسائل الإعلام التي لا تخضع للمعايير والضوابط الجديدة، وحتى اعتقال بعض الصحافيين الذين يتجاوزون الخطوط الحمراء.

إجراءات فورية

لم يمض أسبوع على إقرار قانون الأمن القومي، حتى بدأت حملة واسعة تستهدف المكتبات العامة. فقد نقلت صحيفة «جلوبال تايمز» الحكومية في الصين، عن منافذ إخبارية محلية في هونج كونج، أن السلطات بدأت مصادرة الكتب ذات المحتوى السياسي المعادي للحكومة المركزية، بما في ذلك كتاب «مدينة هونج كونج، نظرية الدولة» للمعارض الصيني تشين وان، وكتاب «أنا لست بطلًا» للناشط السياسي جوشوا ونج، زعيم حركة «ديموسيستو» السابق، وكتاب آخر بعنوان «قاتل بينما تأكل وتمشي» للنائبة في المجلس التشريعي للجزيرة تانيا تشان.

وبالرغم من أن هذه الكتب تحظى بشعبية كبيرة هونج كونج، فإنه بات من الصعب العثور عليها بسهولة في المكتاب العامة، وهو الأمر الذي دفع الناشط السياسي جوشوا ونغ، إلى انتقاد الإجراءات التي طالت الكتب السياسية، وغرَّد ونج، على حسابه في موقع تويتر: «بموجب القانون الجديد، نحن على بعد خطوة واحدة من حظر الكتاب بصورة نهائية، باتت هونج كونج تعيش الآن في مجتمع أورويلي في القرن الحادي والعشرين» في إشارة إلى رواية الأديب البريطاني جورج أورويل «1984»، التي تتحدث عن دولة شمولية تفرض سلطتها على المجتمع، وتراقب كل فرد من أفراده عبر شاشة رصد تتبع كل ما يصدر من أقوال وأفعال، بحيث لا يكون هناك مجال للخصوصية أو الحرية الشخصية على الإطلاق.

انحراف لافت

لطالما تمتعت وسائل الإعلام في هونج كونج، بهامش كبير من الحرية والاستقلالية، سواء في العقود الأخيرة من الحكم البريطاني للجزيرة والذي استمر 156 عامًا، أو حتى أثناء عودة المدينة إلى الحكم الصيني عام 1997، بموجب نموذج «دولة واحدة ونظامان».

فقد ظلت المستعمرة البريطانية السابقة، ملاذًا آمنًا للمعارضين للنظام الشيوعي في البر الرئيسي، وقد لجأ إليها العديد من النشطاء والكتاب والإعلاميين، كما نقلت بعض الصحف الصينية مقر إقامتها إلى الجزيرة بسبب الملاحقة المستمرة من الحزب الشيوعي.

احدى هذه الصحف: «تا كونج باو» التي تعد أقدم صحيفة صينية (تأسست عام 1902)، نقلت مكتبها إلى هونج كونج عام 1948، بعد سنوات من المضايقات المستمرة بسبب رفضها الانضمام لآلة الدعاية الحزبية أثناء الحرب الأهلية بين الشيوعيين والوطنيين.

أيضًا صحيفة أخرى هي «ون خوي باو» انتقلت إلى هونج كونج عام 1948، بعد أن تعرضت لمضايقات من الحزب الشيوعي، وكان الزعيم الصيني الراحل ماو تسي تونج، قد هاجم الصحيفة بسبب مقال انتقد سياسته أثناء «القفزة الكبرى إلى الأمام» في خمسينيات القرن الماضي، والتي تسببت في مقتل ملايين الصينيين.

لكن، بعد إقرار القانون الجديد، ستكون هذه الصحف مرة أخرى في مرمى الحزب، خصوصًا تلك التي لعبت دورًا بارزًا في تغطية الاحتجاجات الشعبية في الجزيرة، سواء أثناء «ثورة المظلات» التي اندلعت عام 2014 للمطالبة بإجراء انتخابات ديمقراطية للرئيس التنفيذي، بعد فرض بكين إطار سياسي يعوق النظام الديمقراطي، أو أثناء المظاهرات التي اندلعت العام الماضي للاحتجاج على مشروع قانون يتيح للحكومة المحلية تسليم مشتبه بهم جنائيًّا للسلطات الصينية.

وتعد صحيفة «مينج باو» واحدة من أبرز الصحف الداعمة للمعارضة في هونج كونج، تأسست عام 1959. أيضًا صحيفة «تا يانج باو»، التي تعد صوت هونج كونج الحر، وصحيفة «دونج يانج باو» أو «أورينتال ديلي نيوز»، التي تأسست عام 1969.

لعبت هذه الصحف دورًا بارزًا في تغطية الاحتجاجات وأفردت صفحاتها الأولى لرموز المعارضة، مثل: أجنس تشو، وناثان لو، وجوشوا ونج. ولكن مع دخول قانون الأمن القومي حيز التنفيذ في الأول من يوليو (تموز) الجاري، انصرفت اهتمامات الصحف الثلاثة إلى ملفات وقضايا لا علاقة لها بالسياسة، فعلى سبيل المثال، أثناء كتابة هذه السطور، تصفحت الموقع الإلكتروني الخاص بصحيفة «مينج باو»، فكان العنوان الرئيسي يتحدث عن مسائل تكنولوجية وأخرى ترفيهية، في انحراف لافت عن السياسة التحريرية التي ميَّزت الصحيفة على مدار السنوات الماضية.

المعيار المنشود

دأبت السلطات الصينية على مدار العقود الماضية، خصوصاً في فترة الاضطرابات الشعبية بهونج كونج، على استمالة وسائل الإعلام المستقلة، سواء من خلال تقديم إغراءات مادية أو حتى عبر التهديد والوعيد، وقد تكللت هذه الجهود بالنجاح مع صحيفة «ساوث تشاينا مورنينج بوست»، التي تعد واحدة من أكثر الصحف تأثيرًا في الجزيرة.

في ديسمبر (كانون الأول) عام 2015، أعلنت «مجموعة علي بابا» الصينية شراء الصحيفة مقابل 266 مليون دولار أمريكي. وقد أثارت هذه الخطوة في حينها مخاوف من أن تتحول الصحيفة العريقة التي تأسست عام 1903، إلى بوق ينطق باسم الحزب الشيوعي.

غير أن القائمين عليها أكدوا أن الهدف من هذه الخطوة هو جعل التغطية الإعلامية للصين «نزيهة ودقيقة»، خصوصًا وأن الصحيفة تصدر باللغة الإنجليزية وموجهة إلى الخارج.

لكن تأثير الحزب بدا واضحًا في وقت لاحق، ففي الثاني والعشرين من يوليو عام 2017، نشرت الصحيفة مقالًا تحدث عن علاقة رجل أعمال سنغافوري بالرئيس الصيني شي جين بينج، وتأثير تلك العلاقة في استثماراته في هونج كونج، ولم تمض ساعات على نشر المقال حتى سحب من النسخة الإلكترونية للصحيفة، وقدمت هيئة التحرير توضيحًا جاء فيه أن المؤلف استخدم ادعاءات غير قابلة للتحقق، وفيما بعد أجبرت كاتبة المقال شيرلي يام، على الاستقالة.

وفي حادثة أخرى عام 2018، نشرت الصحيفة مقابلة مع بائع الكتب جوي مينهاي، الذي كان قد اختفى في ظروف غامضة عام 2015، مما أثار تكهنات في حينه بأن عملاء تابعين للسلطات الصينية قد اعتقلوه، بسبب نشر كتب في هونج كونج، تحمل عناوين مناهضة للحزب الشيوعي الصيني.

حيث ظهر جوي، الذي يحمل الجنسية السويدية، في المقابلة بحالة مضطربة، وتحدث بصورة إيجابية عن القيادة الصينية على خلاف ما كان يسوق له، الأمر الذي عرَّض الصحيفة لانتقادات لاذعة كون المقابلة تمت تحت التهديد وبعد جلسات من التعذيب، حسبما كشفت تقارير لاحقة.

ما سبق، كان ضربة قوية لمصداقية الصحيفة، ففقدت العديد من قرائها على إثر هذه الحادثة، وأصبح من الصعب الوثوق بها كمؤسسة إخبارية مستقلة.

إذن، يبدو أن ما قامت به صحيفة «ساوث تشاينا مورنينج بوست»، هو ما ينتظر أن تفعله باقي الصحف المستقلة في هونج كونج، بموجب قانون الأمن القومي الجديد. بل أكثر من ذلك ستعمل هذه الصحف ووسائل الإعلام الأخرى، كآلة دعاية للمد الشيوعي في حيز جغرافي جديد ما يزال رطبًا بالإرث الديمقراطي الذي خلفه الاستعمار البريطاني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد