تحتفل الصين في الأول من أكتوبر بـ«اليوم الوطني» 72 على تأسيسها، وهذه الذكرى تتزامن مع الذكرى المئوية لتأسيس الحزب الشيوعي الصيني، الذي قاد هذه الأمة من القاع إلى القمة، ويرافق الاحتفال عطلة مدتها أسبوع كامل وتدعى «الأسبوع الذهبي»، فلكم أن تتخيلوا ماذا سيفعل مليار و400 مليون مواطن خلالها، حيث يقوم مئات الملايين برحلات وأنفاق وأيضًا تجمعات عائلية؛ مما يحفز الاقتصاد الصيني وينعشه.

ولغاية هذه السطور ما تزال الصين خالية من الكوفيد-19 (باستثناء حالات محلية قليلة نتيجة مخالطة حالات واردة من الخارج)؛ مما يثير الاعجاب بأن أعلى دولة بالكثافة السكانية (ما يقارب 20% من سكان العالم)1، ما تزال خالية من الكوفيد-19، ولكن إدارة الملف الصارمة هي أساس الوقاية لديهم، فالدولة لا تتساهل بكبح الحالات في بؤر الوباء منذ بداية الوباء ولغاية اليوم، كما أن آخر وفاة كانت منذ يناير (كانون الثاني) الماضي، في وقت تقارب الوفيات حاجز 5 مليون وفاة عالميًا2.

وعودة لأهمية هذا الأسبوع للاقتصاد، فتشير الإحصاءات إلى ما يقارب (650) مليون رحلة داخلية متوقعة خلال الأسبوع الحالي في الصين وهو أعلى من العام السابق3، وأقل من ما قبل الوباء، منها مئات الملايين بالسيارات والباصات، و(127) مليون رحلة بالقطارات، و(200) ألف رحلة جوية لكامل الفترة. بالطبع شبكة السكة الحديدة الأطول في العالم بجانب ما يقارب من 275 مطار مدني وشبكة طرق حديثة كلها عوامل تساهم في توفير مليار رحلة خلال أٍسبوع. بالطبع هذه الإحصاءات بلغة الاقتصاد تعني رفد لموازنة الدولة وإيرادات للقطاع الخاص وأيضًا إنفاق من المواطنين؛ ما يعني دفع عجلة الاقتصاد وعودة المياه لمجاريها. أما بلغة السياسة فهي استعراض لنجاح الدولة بمعركتها ضد الكوفيد-19، وقدرتها على حماية مواطنيها، من خلال السماح لمئات الملايين بالتحرك داخل القارة الصينية، وأن لا شيء يخافون منه، مع الالتزام بإجراءات الوقاية الأساسية.

وبالطبع، تنعكس الإجراءات الوقائية المتخذة على نمو الصين الاقتصادي، فالصين تعتبر الاقتصاد الكبير الوحيد الذي حقق نمو خلال العام 2020 بلغ (2.3%) وناتج محلي إجمالي يبلغ (14.7) تريليون دولار أمريكي. وما زال التعافي مستمر بتحقيق (7.9%) خلال النصف الأول من العام الحالي، مما يشير إلى بدء تعافي ثاني أكبر اقتصاد بالعالم من الفيروس الذي أصابه. بالإضافة إلى أن الجائحة أثر على الاقتصاد الأمريكي بوطئة أشد مما قد يسرع اعتلاء الصين قمة الاقتصاد العالمي، فنمو الناتج المحلي الصيني مستمر بالصعود خلال الخمسة عشر عامًا الماضية.

كما أن الصين أتمت برفقة (14) دولة أخرى اتفاقية الشراكة الاقتصادية الإقليمية الشاملة (RCEP) 5، وتكمن أهمية هذه المبادرة بالتوقيت الذي أتت به بـ(زمن كوفيد-19)؛ مما يعطي أملًا للبشرية بأن المضي قدمًا ما زال ممكنًا وبأن العولمة ما زالت مستمرة، والثانية القدرة على إدارة الأزمة، فمثل هذه المبادرة (التي تضم 15 دولة) قادرة على تحفيز اقتصاد الدول المشاركة والإبقاء على نمو ناتجها المحلي وتكامل الاقتصاد بينها، وتعد حماية مثالية لأي ضرر ناتج من أزمات عالمية (مثل الحرب التجارية بين الولايات المتحدة والصين).

أما سياسيًا، فإن الصين ما تزال تقوم بواجباتها اتجاه المجتمع الدولي، فهنالك سياسة ناعمة بمكافحة وباء الكوفيد-19، فقامت بالتعهد على لسان رئيسها «شي جينغبنغ» بأن اللقاح سيكون «منفعة عامة عالمية وسيتم توفيرها للبلدان النامية الأخرى، على أساس الأولوية»6، كما أرسلت كوادر وأدوات طبية لعدد من دول العالم لمكافحة الوباء، بالإضافة إلى تعهدات ومنح مالية لمساعدة الدول الأخرى. وما تزال الصين تمارس سياسة الهدوء اتجاه الاستفزاز الأمريكي المستمر، وآخره اتفاق تسليح أستراليا بغواصات أمريكية؛ مما يفتح المجال لحرب باردة جديدة تستنزف العالم بمجال التسليح بدلًا عن ترميم الاقتصاد المتأثر بالوباء.

ختامًا، فإن الصين تتعافى بشكل مذهل والأرقام المذكورة خير دليل، ولديها قيادة حكيمة وشعب مخلص وإمكانيات لا تحصى؛ مما مكنها من الاحتفال بيومها الوطني بأمان، في وقت يخوض باقي العالم معركته لكسب الحرب ضد الوباء، أو افتعال أزمات جديدة لا رابح فيها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد