موعد رأس السنة الصينية ومسمياتها

تعرف رأس السنة الصينية بعدة مسميات منها عيد الربيع، أو رأس السنة القمرية. وعادةً ما تبدأ الإحتفالات بهذه المناسبة مع بداية أول شهر قمري طبقًا لتقويم السنة الصينية. وينتهي في اليوم الخامس عشر من ذلك الشهر. كما يعرفه بعض الصينيون أيضًا بعيد الفانوس. ويُعتبر يوم رأس السنة الصينية إجازةً رسميَّة في البلاد، ولا يقتصر الإحتفال على الصينيين الموجودين بالصين فقط, بل تحتفل الجاليات الصينية بها حول العالم بالتزامن مع الشعب الصيني داخل البلاد. حتى أن بلادًا كسنغافورة، وفيتنام، وتايلاند، وتايوان وكوريا يحتفلون برأس السنة في نفس التوقيت تزامنًا مع الصينيين. وتستمر الإحتفالات لمدَّة خمسة عشر يومًا. وعلى الرغم من عدم توافر موعد  ثابت أو محدد لبداية رأس السنة الصينية، حيثُ يختلف من عامٍ إلى آخر، لكنه غالبًا ما يتراوح بين نهاية شهر يناير ومنتصف شهر فبراير. ولعل الجزء الأهم في الإحتفال بالسنة الصينية هو أنه يعتمد على دورةٍ زمنيةٍ تتكون من اثنتي عشرة سنة. كل سنة تحمل إسم حيوان معين. فتبدأ الدورة بسنة الفأر ثم الثور، والنمر، والأرنب، والتنين، والأفعى، والحصان، والخروف، والقرد، والديك، والكلب، والخنزير. ولأنه لم يتبقى من أيام سنة الديك سوى يومين، فيأتي الإحتفال بسنة الكلب لعام 2018 في يوم 16 فبراير من هذا العام.

ومع إقتراب عيد الربيع يعود عشرات الملايين من الصينيين لقضاء العيد مع عائلاتهم. فلا الظروف ولا العوائق كإزدحام صفوف الإنتظار أو ثقل الحقائب على ظهورهم أو حتى طول الطريق يمكنها أن تُثني الناس عن العودة إلى البيت. فكل شيء يهون من أجل لحظة لقاء مع أفراد العائلة. فطرق السفر بعيدة جدًا نظرًا لأعمال الصينيين ودراساتهم في أماكن مترامية الأطراف بعيدًا عن البيت. ويصبح شراء التذاكر مهمة صعبة تتطلب الكثير من الإنتظار. تتطلب وجود حجوزات مسبقة بفترات تتجاوز الستة أشهر نظرًا لتعدادهم الكبير جدًا. لكن كل تلك المصاعب لا تُطفئ شوق العودة إلى البيت ولا تهم المسافات التي يقطعونها إذا كان للمسافر أن يلقى عينين متشوقتين لرؤيته في نهاية الطريق. فلحظة العودة إلى البيت لقضاء العيد تنسيهم بحق كل المشاق والتعب التي يواجهونها خلال عام كامل، وكل مشاعر القلق التي تنتاب المسافرين تصبح بلا قيمة حين وصولهم لأحضان الأهل.

فما عليك إلا الترجل إلى أقرب محطة قطارات لترى بعينيك تلك اللهفة في أعينهم والشوق الواضح على وجوههم.  لتجبرك الأحداث على رؤية أن تلك الحقائب التي يحملونها على ظهورهم وبالرغم من ثقلها، إلا أنهم لا يبدو عليهم أي تعب. فالطريق طويلة لكن الإنتظار كان أطول. وعربات القطار تلك لا تحمل المسافرين والحقائب فحسب، بل تحمل أيضًا الكثير من المشاعر الدفينة نحو العودة إلى الأهل. ومن أجل ذلك يهون كل تعب وتتقلص كل معاناة. فلا نعرف نعمة الأبناء إلا حينما نربي أطفالنا بأنفسنا، فوالداك لاينتظران منك أي مقابل طالما كنت بصحة جيدة. وتبقى أسعد لحظات الحياة حينما تسنح لك الفرصة لتذوق الطعام الذي تعده والدتك أثناء العيد مرةً أخرى, لأنه وبلا منازع يبقى الألذ على الإطلاق. فالعائلة هي دائما ملجأنا الدافئ أينما كنا، وأينما يحل الأهل يحل الدفء والحب. سترى بعينيك طفل يمسح دموع الفراق عن أمه التي ستتركه وتعود لقضاء العيد مع أهلها قائلًا لا تبكي يا أمي واطمئني فأعدك أن أبقى هادئًا. وسترى رجلًا يودع أبويه اللذان سيعودان لقضاء العيد في مقاطعات أخرى. وسترى أبًا يودع ابنته على باب القطار ونظرات الوداع تحكي كل شيء حينما توصي أباها قائلةً: لا تنس أن تتصل بنا يا أبي وعيناها ممتلئتان بالدموع.

بعض مظاهر الإحتفال برأس السنة الصينية

  1. -يَحجِم الصينيون عن تناول اللحوم في بداية السنة إعتقادًا منهم أن ذلك يمنحهم عمرًا أطول. أما في باقي أيام السنة وعند تناول اللحوم المختلفة، فيجب تقطيعها إلى قطع صغيرة ليسهل تناولها بعيدان الطعام المعروفة في تناول الطعام الصيني.
  2. -أما عند تناول السمك فيجب إنهاء السمكة بالكامل عندما توضع على المائدة، ليعود ذلك بتحقيق مكاسب مادية للعائلة والفرد.
  3. -وطبقًا للعقيدة الصينيَّة ففي حال تناول النودلز أو الشعيرية والمعكرونة خلال رأس السنة الصينية فيجب على الشخص إبتلاعها كاملةً قدر الإمكان دون قضمها إعتقادًا منهم أن قطعها أثناء الطعام يؤدي إلى تقصير العمر.
  4. -كما يفضل صنع الزلابية, وهي طبق من الشعيرية المخلوطٌ بالبيض. ويُقال  أن تناول هذه الوجبة يجلب الحظوظ والثراء لدى الصينيين.
  5. -كما يجب تنظيف البيوت جيدًا لإستقبال السنة الجديدة. مع ضرورة جمع كل أدوات التنظيف وإخفائها ويصل الأمر أحيانًا لإخراجها من المنزل كلياً.
  6. -حظر كنس أو تنظيف المنزل أول أيام السنة الجديدة، فالمُعتقد السائد بهذا الخصوص أنّ تنظيف المنزل يطرد الحظوظ الجيدة لأهل المنزل. كما يمكن أن يتسبب في وفاة أحدهم.
  7. -تشريع جميع أبواب ونوافذ المنازل في ليلة رأس السنة لإخراج السنة القديمة والترحيب بالعام الجديدة.
  8. -إهداء المال من الكبير إلى الصغير ومن الثري للفقير في جو أسري مفعم بالحب. وبعض الأبناء يقدمون مبالغ كبيرة جدًا للآباء كهدية العام الجديد تصل لإهداء بطاقات البنك الشخصية بهم أحيانًا بكل ما تحويه من نقود.
  9. -إلصاق المعلقات التي ترمز للعام الجديد مصحوبةً بعبارات تدعوا للثراء والصحة الدائمة على الأبواب والنوافذ.
  10. -يجب على المواطن الصيني تسديد كامل ديونه قبل رأس السنة الصينية، كما يحظر عليه الإستدانة في أول يوم في العام الجديد وإلا سيلحق به الدين طيلة العام.
  11. إطلاق المفرقعات أمام المنازل والمحال التجارية لجلب الحظ الوفير وجذب إنتباه ساكني الأرض والسماء تجاههم.          أما الأباطرة الصينيون فكانوا يحتفلون بمظاهر مشابهة، لكن على مستوى أكبر قليلًا, فيرتدي الأباطرة الصينيون أثناء عيد الربيع ملابس جديدة ويرتبون مأدبة عشاء خاصة تليق بهذه المناسبة.

كما يقيمون الكرنفالات والمعارض الفنية. ويعقدون الجولات والعروض الترفيهية التقليدية والتي تؤدى خلالها رقصات التنين والأسد التقليدية الشهيرة. التى يميزها تقديم الطعام الصيني التقليدي خلال ما يُسمى بالمأدبة الإمبراطوريَّة للسنة الصينيَّة الجديدة. وفي ليلة رأس السنة الصينية الجديدة أي مساء اليوم الـ30 من الشهر الـ12 من العام القمري الصيني، يرتدي الإمبراطور قميص التنين الأصفر المطرّز بالذهب والمزخرف بالألوان التي تحمل صور التنين و12 صورة تعبر عن الحظ طبقًا للسنوات الصينية. كما يرتدي الإمبراطور معطف من الفرو ويضع التاج على رأسه ويعلق الحليّ على صدره. حيث يظهر الإمبراطور في هيئة ترمز إلى البركة التي تشير إلى أمةٍ ثرية.

ومثل جميع العائلات الصينية، تكونت مأدبة عشاء إمبراطور أسرة تشينغ (1644-1911) في ليلة رأس السنة أساسًا من شطائر الرافيولي المحشوة، والتي تعرف باسم (الجياوزي)، كما وجدت عدة مراسم يجب أن تتبع. ففي بداية أسرة تشينغ كان الأباطرة يتناولون في هذه الليلة شطائر الرافيولي المحشوة بالخضار في قاعة جاوران بعد أن ينهوا مراسم قُداس العيد. من ناحيةٍ أخرى كانت تعد احتفالات العائلة المالكة مناسبة ضرورية أيضًا. حيث يقوم الإمبراطور وزوجته باستضافة المحظيات والأمراء وتنظم الاحتفالات وفقًا لروتينات صارمة منها: تحديد عدد الأطباق وألوان وجودة أدوات المائدة وكذلك تنظيم المقاعد.

لذلك فإن أهمية جو (الإتيكيت) الذي يسود الحفل عادة ما كان يفوق أهمية المائدة في حد ذاتها. كما كان يلتزم قصر الإمبراطور أيضًا بتقليد متوارث آخر، وهو السهر كامل ليلة العام الجديد. لذلك كان يتم إعداد بعض الوجبات الليلية الخفيفة للإمبراطور ليتناولها في ساعة متأخرة من الليل. والتي عادة ما تحتوي على الفواكة الطازجة. وكانت الأشرطة الورقية المتقابلة تكتب عادة من قبل أعضاء من الأكاديمية الملكية، وغالبًا ما يكونون إخصائيين في فن الخط. نظرًا لوجود عدة محرّمات في كتابة المعلقات المتقابلة. فلم يكن لهؤلاء الخطاطين أن يظهروا مواهبهم بشكل كامل.

*لكن تعليقًا على هذًا، ومن خلال الملاحظات والمعيشة في الصين لعدة سنوات تبين أنه لم يعد الصينيون يلتزمون بكل تلك الضوابط والعادات على الوجه الأمثل كما في السابق. فمن الممكن أن يتناولوا اللحوم المجمدة في الليلة الأولى من رأس السنة على غير المعهود.

-ولم يعد الكل يعود للمنزل كما كان في السابق بعذر العمل الذي لا يألوا أن يكون عملًا في ناد ليلي أو أحد البارات, وذلك لتحقيق أعلى ربح ممكن خلال تلك الأيام.

-لم يعد الشباب الصينيون يأملون في تقديم الهدايا القيمة للأهل بداعي عدم إظهار الثراء, فأثر ذلك على العلاقات الأسرية خاصة وأنه وقت تبادل الهدايا.

-ولعل الأهم أنه ولأول مرة في تاريخ الصين يتم منع الألعاب النارية التي هي جزء أصيل من الحضارة الصينية. ومنعها لم يأت تتابعاً وإنما أتى كلية وبصورة صارمةٍ جدًا. وذلك منعًا وحداً من التلوث المنبعث عنها، وتطبيقًا لشروط منظمة دول التعاون المناخي التي تعد الصين عضوًا فعالًا جدًا فيها.

هذه بعض الملاحظات الشخصية لا أكثر. فلو أنك ترى بعض مظاهر الاحتفال المنسية أو التي يجب التنوية عليها نرجو أن تشاركنا برأيك.

 وأخيرًا فمهما تغيرت العصور والأزمان تبقى الأمنيات بعام أفضل جديد هي أسمى ما يمكن أن يُطلب، وهذا ما لا يمكن أن يتغير سواءً في قصور الأباطرة القدامى أو في بيوت عامة الشعب في عصرنا الحالي.

دمتم في نعيم وكلُ عامٍ وأنتم بخير.  

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد