كغيره من العلوم الاجتماعية؛ يتميّز علم النفس الصيني بغموضه الكبير، سواء عند الجماهير الغربية أو العربية، ويرجع هذا الغموض إلى تلك العزلة الثقافية والسياسية التي فرضها (ماو تسي تونغ) على الصينيين في منتصف القرن العشرين، ورغم أن هذا الوضع قد بدأ في التغيّر مع الانفتاح الاقتصادي الذي شهدته الصين مع بداية الثمانينيات؛ إلا أن الغموض بقي سيّد الموقف بسبب العوائق الثقافية اللغوية التي ظلّت تشكّل سدًّا منيعًا حال دون الانفتاح الكامل على شعوب العالم الأخرى.

ولأن الاقتصاد الصيني يعتبر الأسرع نموًا في العالم، فقد فرض هذا الأمر على الصينيين بعض التحدّيات السيكولوجية والتعليمية دفعت بعلم النفس هناك إلى النمو بشكل لافت، وقد تعزز هذا النمو باستضافة الصين للمؤتمر الدولي لعلم النفس سنة 2004، حيث أبدى فيه علماء النفس الصينيون رغبتهم وحرصهم على نقل تجاربهم مع المجتمع الصيني لبقية العالم.

وإذا أردنا أن نبحث عن البدايات الحقيقية للممارسة السيكولوجية في الصين؛ فإن البحث سيذهب بنا بعيدًا في عمق التاريخ، فقد نرجع إلى 2500 سنة، حيث نجد بعض الدلائل على التفكير السيكولوجي ضمن الآداب الكلاسيكية القديمة كتلك الموجودة عند تاو تي تشينغ (Tao Te Ching) أو لاو تزي (Lao Tze) التي ظهرت في حدود 463 ق. م، أي مع بداية عهد سلالة شانغ (Shang Dynasty) كما يمكن أن نجد بعض المؤشرات في تلك التعاليم التي كتبت ما بين (402 و436 ق. م) من طرف تلاميذ كونفوشيوس؛ والتي سميت لاحقًا بتعاليم كونفوشيوس (Confucian Analects). وقد ركّزت هذه الأعمال في مجملها على تعليم الصبر والسيطرة على النفس، وتحقيق التوازن بين الشهوات والفضائل. وكنتيجة لذلك توصّل الطب الصيني التقليدي إلى بناء تصورات سيكولوجية تقليدية تعتبر الاضطراب النفسي واحدًا من الأسباب الرئيسية الستة التي تحدث الأمراض الجسدية (أو ما يعرف لدينا الآن بالأمراض السيكوسوماتية). وتشكل سنة 400 ق. م التطور الأبرز في الممارسة السيكولوجية في الصين؛ فقد تم فيها إدخال العديد من المناهج العلاجية في عهد الإمبراطور هوانغ (Huang) هذه المناهج التي ما زالت إلى حد الآن معتمدة من طرف لجنة الطب النفسي الصيني التقليدي.

أما بالنسبة لعلم النفس كتخصص أكاديمي فهو موجود في الصين منذ 100 عام؛ وذلك بالتزامن مع إنشاء أوّل مختبر نفسي في جامعة بكين، سنة 1917، وتُعزى بدايات علم النفس الأكاديمي الصيني إلى تلك الأخبار والمعلومات التي وصلت إلى الصين عن النجاحات التي حققتها المختبرات النفسية الألمانية، وقد كان الفضل في هذا الأمر إلى البروفيسور يوانبي كاي (Yuanpei Cai) الذي درس في جامعة لايبزيغ سنة 1908 على يد مؤسس علم النفس التجريبي فيلهلم فونت (Wilhelm Wundt).

هذا وقد تأسس أول قسم لعلم النفس في جامعة ساوث-أيست سنة 1920، ومنذ ذلك الحين، أحرز علم النفس تقدّمًا مطّردًا؛ تُوّج بتأليف أول كتاب مدرسي لعلم النفس، بعنوان علم النفس المبسط (شين لينغ شيويه)، من قبل الباحث الصيني هوانغ تشن (Huang Chen).

وفي سنة 2000 سجلت الصين وجود 45 مؤسسة تهتم بتدريس علوم النفس، وقد ارتفع هذا العدد إلى 187 مؤسسة بحلول عام 2007. وفي العادة يدرس في هذه المؤسسات نحو 10000 طالب ضمن درجة الليسانس و2000 طالب ضمن درجة الماجستير، وأكثر من 300 مرشح للدكتوراه.

أما بالنسبة للمواضيع التي اهتم بها علماء النفس الصينيون؛ فقد تنوعت ما بين تربوية تركز على آليات تعليم اللغة الصينية ونشرها، إلى تنظيمية تعنى بتحسين ظروف العمل الصناعي، كما أجريت دراسات تجريبية حول العمليات العقلية وعلم النفس التنموي… إلخ.

أما في المجالات السريرية، فإن علماء النفس الصينيين يعانون من فشل ذريع، وذلك بسبب عدم قدرتهم على كبح جماح الأمراض النفسية التي تهدد الصينيين والتي غالبًا ما تنتهي بحالات انتحار؛ حيث سجّل المجتمع الصيني في السنوات الأخيرة معدلات انتحار عالية؛ إضافة إلى انتشار مشكلات الطلاق، والإدمان على الألعاب الإلكترونية والتي ارتفعت كلها بسبب الانفجار الاقتصادي والصناعي؛ حيث لم تستطع البنية النفسية للمجتمع الصيني – الذي هو بالأساس مجتمع فلاحي – تحمّل كل تلك التغيرات السريعة التي مرّ بها في السنوات الأخيرة.

كما تُعتبر قضية الأطفال الصينيين (الناتجة عن سياسة الطفل الواحد) من أبرز قضايا علم النفس الاجتماعي هناك؛ حيث تحوّلت هذه القضية مع مرور الوقت إلى مأساة نفسية حقيقية يعاني منها جميع أفراد المجتمع الصيني؛ وذلك لانخفاض معدلات الولادة بين الإناث مما شكل مشكلة اجتماعية تمثلت في عدم قدرة الشباب على العثور على زوجات لتأسيس الأسر؛ فانتشر بذلك الشذوذ الجنسي، وتطوّرت صناعة الدُمى الجنسية لتلبية الرغبة الجنسية لدى الشباب الصيني.

وتتولى حاليًا إدارة البحوث النفسية في الصين قيادة البحوث النفسية عبر فروعها الخمسة: المختبر الرئيسي للصحة العقلية في كلية العلوم الإنسانية، ومختبر بحوث علم النفس المعرفي، ومركز البحوث للسلوك الاجتماعي والاقتصادي، ومركز علم النفس التنموي، ومركز علم الوراثة السلوكي المنشأ حديثًا. كما تَنشر إدارة البحوث النفسية مجلة نصف شهرية لمراجعة نتائج التقدم في علم النفس هناك، وذلك منذ سنة 1979.

ورغم هذه الخصوصيات الكبيرة التي تُميّز علم النفس الصيني إلا أن الجمعية الصينية لعلم النفس (CPS) تسعى جاهدة إلى التعريف بعلم النفس الصيني وتقديمه على الساحة العالمية؛ وذلك بهدف تثمين منتجاته، من خلال عرضها على النقّاد السيكولوجيين في المجتمعات الأخرى، وفي سبيل ذلك تنشر الجمعية الصينية لعلم النفس حاليًا دوريّتين علميتين في كل شهر، مجلة أكتا بسيكولوجيكا سينيكا (Acta Psychologica Sinica) ومجلة العلوم النفسية، باللغة الصينية (مع ترجمة بعض المقالات باللغة الإنجليزية).

هذا وتقود الجمعية الصينية لعلم النفس جُهودًا رسمية للتواصل بين علماء النفس الصينيين وزملائهم الأجانب خصوصًا من الولايات المتحدة الأمريكية والمملكة المتحدة اللتين تُعتبران وجهتين رئيسيتين للطلاب الصينيين والباحثين الزائرين، حيث ومنذ انفتاح الصين على العالم الغربي، ارتفع عدد الطلاب الراغبين في دراسة علم النفس بالولايات المتحدة الأمريكية والدول الأوروبية؛ وقد تمثلت ذروة الانفتاح العالمي لعلم النفس في الصين في المؤتمر الدولي الثامن والعشرين لعلم النفس، الذي عقد في بكين سنة 2004، والذي استضافته الجمعية الصينية لعلم النفس، تحت رعاية الاتحاد الدولي لعلم النفس (IUPsyS) وكان هذا أول برنامج يعقده الاتحاد الدولي في دولة آسيوية نامية، وقد جذب أكثر من 6000 طبيب نفساني من 78 دولة حول العالم.

ختامًا يبقى أنّ علم النفس في الصين يتطور سريعًا ويعمل علماء النفس هناك جاهدين لخدمة بلادهم وتلبية مَطالبها في الوقت الذي تمر فيه بعملية تنمية اقتصادية واسعة؛ وسيكون من المفيد على السيكولوجيين العرب محاولة الاطلاع أكثر على النتائج التي توصّل إليها نظراؤهم في الصين؛ لتَشبّع مجتمعاتهم بقيم شرقية قريبة من تلك التي تُميّز المجتمع الصيني.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد