تعدد القوميات في الصين

عندما تذكر الصين يتبادر إلى الذهن صورة الصين الواحدة، بالرغم من وجود 56 قومية ترسم بألوانها ووجوهها المتباينة وجه البلد القارَّة، التي يسميها أهلها «جونغ غو» أي مركز العالم، والتي اعتادت على الاكتفاء الذاتي على مر التاريخ، الأمر الذي لم يشعرها بضرورة الانفتاح على العالم.

تتنوع الأعراق، اللغات، الثقافات والعادات في أكبر بلد في العالم من حيث عدد السكان، والذي يفوق عدد سكانه 1.4 مليار نسمة، ويضم آلاف العناصر الإثنية، ورغم أن الناظر من خارج البلاد يظن أن الجميع متشابهين في بلد التنين، فإن الواقع مختلفٌ جدًّا، فالصينيون يستطيعون تمييز بعضهم بسهولة في الحياة اليومية، ويعرفون خلفيات بعضهم الدينية والعرقية جيدًا.

ويمثل أبناء قوميَّة «الهان» أغلبية أبناء المجتمع الصيني، وهم يشكلون ما نسبته 92% من السكان، فيما تشكل القوميات والأعراق الأخرى ما نسبته 8%، هذا حسب الإحصائيات الرسمية، والتي لا يمكن الوثوق بها ولا تقبل إلا بتحفظ شديد؛ لأن الصين دولة شيوعية قمعية لا تؤمن بالديمقراطية والتعددية، ولا يوجد بها إعلام حر ومستقل ينقل الحقائق كما هي في الواقع.

ويوجد بالصين قوميات أخرى مثل «الهوي»، والذين يعرفون بالمسلمين الصينيين والتبتيين والمنغول، وقوميات تركيَّة مثل «الأيغور» و«التتار» و«القازاق» و«القرغيز» و«الأوزبك»، وعشرات القوميات الأخرى التي تعود جذورها إلى آسيا الوسطى، وجنوب آسيا، وسيبيريا، وشمال شرق آسيا، وتضم الصين 10 قوميات مسلمة، فيما تبقى الديانة البوذية صاحبة الانتشار الأوسع في هذا البلد، وإلى جانب ذلك تنتشر اللغات في الصين؛ إذ إن كل قومية تمتلك لغتها الخاصة، إلى جانب معرفة أبنائها باللغة «المندرينية»، التي تعد اللغة الرسمية في جمهورية الصين الشعبية.

تايوان تغرد خارج السرب الصيني

كانت تايوان جزءًا فعليًّا من جمهورية الصين الشعبية حتى عام 1949م، حيث حُكمت الجزيرة (التي تعرف رسميًّا بجمهورية الصين) بشكل منفصل عن البر الرئيسي الصيني، بعدما خسر القوميون الحرب الأهلية أمام الشيوعيين وهربوا إلى الجزيرة لتأسيس حكومة موازية.

وتحظى تايوان الحديثة بحكم ذاتي منفصل عن البر الصيني منذ 70 عامًا، وبعد سنوات من الحكم الديكتاتوري، عرفت تايوان تحولًا سياسيًّا في ثمانينيات القرن الماضي، وهي اليوم من أكثر الديمقراطيات تقدمًا في منطقة شرق آسيا، وتستخدم الصين سياسة «دولة واحدة بنظامين» لإدارة هونج كونج المستعمرة البريطانية السابقة، وعرضت بكين على تايوان، التي تطالب الصين بالسيادة عليها أيضًا هذا النظام، لكنه قوبل بالرفض من جميع الأحزاب التايوانية الكبيرة، وهو ما أثار انتقاد الرئيسة التايوانية، التي عدته تهديدًا لأسلوب الحياة الحر والديمقراطي في تايوان.

وأعربت رئيسة تايوان تساي إينغ وين التي أعيد انتخابها لعهدة ثانية، عن رفضها بأن تكون بلادها جزءًا من الصين، مؤكدة أن أي محاولة من جانب بكين لاجتياح الجزيرة ستكون مكلفة جدًّا، وتعهدت تساي بالوقوف في وجه الصين التي تعد تايوان جزءًا منها، وتقول إنها ستفرض سيطرتها عليها بالقوة إذا لزم الأمر، وتثير تساي حفيظة بكين لأنها تعد تايوان دولة مستقلة وذات سيادة بحكم الأمر الواقع، وليست جزءًا من الصين.

وتدهورت العلاقات بين الصين وتايوان بشكل كبير منذ تسلم تساي إينغ ون رئاسة تايوان سنة 2016م، وتنتمي تساي إلى الحزب الديمقراطي التقدمي، الذي يميل للاستقلال، وتظهر استطلاعات الرأي أن أعدادًا متزايدة من التايوانيين يرفضون فكرة أن الجزيرة يجب أن تكون جزءًا من البر الصيني، وقالت تساي: «لدينا هوية منفصلة ونحن بلد مستقل أساسًا له ديمقراطية ناجحة، ولدينا اقتصاد جيد نسبيًّا ونستحق الاحترام من الصين».

وقدم وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو التهاني لتساي بمناسبة إعادة انتخابها، وأثنى على شجاعتها ورؤيتها في قيادة الديمقراطية النابضة بالحياة في تايوان، في رسالة رفيعة المستوى ونادرة من واشنطن إلى حكومة تايوان مباشرة، وأدانت الخارجية الصينية تصريحات بومبيو، وأعربت وزارة الخارجية الصينية عن غضبها الشديد حيال الرسالة متهمة واشنطن بخرق التزاماتها الدبلوماسية، وبينما تعترف واشنطن
دبلوماسيًّا ببكين، فإنها حليف رئيسي لتايوان، بل إنها ملزمة من قبل الكونجرس ببيعها أسلحة لتضمن قدرتها على الدفاع عن نفسها، وتحسنت العلاقات بين تايوان والولايات المتحدة أكثر في عهد الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، بينما تدهورت علاقات بلاده مع الصين.

هونج كونج تنتفض في وجه التنين الصيني

كان انتقال هونج كونج من السيادة البريطانية إلى السيادة الصينية بموجب اتفاقية عقدتها الدولتان تضمنت أن يُحكم الإقليم وفق مبدأ «دولة واحدة ونظامان»، وهو المبدأ الذي ضمن للإقليم التجاري الأشهر في العالم نظام حكم ذاتي يتمتع بالسيادة في شؤونه الداخلية، بينما يخضع للصين في السياسة الخارجية والدفاع، وبموجب هذا المبدأ تتمتع هونج كونج بنظامها القانوني الخاص، وباقتصادها الرأسمالي المخالف للنظام الاشتراكي في الصين، فضلًا عن تمتعها بقدر كبير من الحقوق والحريات يضمن لسكانها حرية التعبير والتظاهر وتأسيس الجمعيات والصحف على خلاف أقرانهم في الصين.

وشهدت هونج كونج احتجاجات واسعة اعتراضًا على مشروع قانون لتسليم المطلوبين إلى الصين، قبل أن تتطور الاحتجاجات لتشمل مطالب أكثر جذرية ويشارك فيها أكثر من ربع سكان الإقليم، للإشارة ليست هذه الاحتجاجات الأولى من نوعها وإن كانت الأكبر؛ فخلال 22 عامًا تحت السيادة الصينية شهدت هونج كونج ثلاثة احتجاجات كبرى من هذا النوع.

استغلت الصين جائحة كورونا وأقرت قانون الأمن القومي؛ إذ اعتمد البرلمان الصيني القانون ووقع عليه الرئيس الصيني متجاهلين دعوات الدول الغربية بعدم إقراره، هذا القانون الذي أثار مخاوف من قمع المعارضة السياسية في المستعمرة البريطانية السابقة، ويتخوف سكان هونج كونج من انتقال القوانين الصينية القمعية إلى إقليمهم، وكما هو معلوم فالنظام الصيني نظام شمولي ديكتاتوري لا يقيم أي اعتبار للحريات ولا لحقوق الإنسان، ولا يوجد فصل للسلطات في الصين، والقضاء أداة بيد الحزب الشيوعي.

رغم أن سكان هونط كونج ينتمون عرقيًّا للصين، فإن ثقافتهم غربية؛ وذلك لأنهم ظلوا تحت حكم التاج البريطاني لأكثر من 150 عامًا، أما من الناحية الاقتصادية فتتبع الجزيرة النظام الرأسمالي، خلافًا لنمط التخطيط المركزي للاقتصاد الذي يديره الحزب الشيوعي في البر الصيني، كما أنهم يتمتعون بالحرية في التعبير والتنقل مقارنة بالكبت السياسي والقمع الذي يعيشه الصينيون تحت حكم الحزب الشيوعي.

من جهة أخرى عبرت رئيسة تايوان عن دعمها لمطالب المحتجين في هونج كونج، وانتقدت نظام «دولة واحدة ونظامان»، كما أعلنت فتح باب اللجوء لمتظاهري هونج كونج، كما تظاهر الآلاف من مواطني تايوان دعمًا لمطالب سكان هونج كونج، ولهذا الدعم الرسمي والشعبي من تايوان دلالة خاصة وأبعاد تاريخية أخرى، ويعلق سكان تايوان آمالًا على نجاح الانتفاضة في هونج كونج لتنعكس على مطالبتهم بالاستقلال عن الصين، ويرى مراقبون أن الحكومة الصينية ستحتاج إلى بذل جهد أكبر لكسب قلوب الشعب التايواني بعد التطورات الأخيرة.

إن تمرير النظام الصيني لقانون الأمن القومي في ظل جائحة كورونا، يدل على خوف السلطات الصينية من المعارضة التي قد تتلقاها من سكان هونج كونج، لهذا ينبغي لسكان هونج كونج أن يواصلوا النضال حتى يستعيدوا حقوقهم المشروعة أسوةً بشعب تايوان، الذي رفض الحكم الشيوعي والبقاء تحت العباءة الصينية، وهذا ما مكنه من العيش حياة حرة، والاستمتاع بمختلف منتجات الحضارة الغربية، كما ينبغي لسكان هونج كونج ألا ينسوا أن الازدهار الاقتصادي الذي عرفته جزيرتهم، كان بسبب النظام الرأسمالي والقيم الديمقراطية والقوانين الحرة التي كانت تُحكم بها الجزيرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد