إسلام النجار
إسلام النجار

مضى عهد الآمال والتطلعات، انقضت موجة الهتافات والشعارات، دُفنت الكلمات تحت ركام من الثلج، وتحطمت سفينة الثورة في بحر من اللا مسئولية والكذب، وها هي الواقعية تحتضر وندخل عالم العبثية.

ثرثرة فوق النيل، واحد من ضمن الأربعين فيلمًا المقتبسة من أعمال نجيب محفوظ الروائية التي أثرت السينما المصرية، واختير ضمن أفضل 100 فيلم في تاريخ السينما المصرية بمناسبة مرور 100 عام على أول عرض سينمائي.

فيلم للمخرج «حسين كمال»، وكتب السيناريو «ممدوح الليثي» عن رواية محفوظ التي تحمل الاسم نفسه، عرض الفيلم لأول مرة عام 1971، بعد صدور الرواية بخمس سنوات.

يقول نجيب محفوظ عن السينما: «كنت دائمًا أنظر إلى السينما باعتبارها الوسيلة الفعالة للوصول إلى قطاعات من الجماهير لم أكن سأصل لها بالأدب»، نعم، فالسينما لها فضل على الأديب كما أن للأديب فضلًا أكبر على السينما، فلن تجد في الوقت الحالي عملًا بهذا القوة ليتم تحويله لسيناريو رائع سلس كما فعل الليثي، ولكن ظروف الرواية تختلف كليةً عن ظروف الفيلم، فالرواية كُتبت عام 1966 -ودارت أحداثها في 1964- فكانت تعكس حالة اللا مبالاة والعبثية ما بعد فترة شهر العسل للثورة، لكن الفيلم عُرض في 1971 -وتم صياغة الرواية بشكل مختلف في الظروف ومساحات الشخصيات ليكون الفيلم معبرًا عن حالة الانكسار ما بعد نكسة 67– وكالعادة في الأفلام المقتبسة عن روايات محفوظ يتم التحوير فيها بما يتناسب والوضع.

يبدو أن محفوظ كان يعي ذلك جيدًا عندما قال: «السينما تفتقر إلى شمولية الأدب والحرية التي يتيحها للمبدع».

تدور أحداث الفيلم مع الافتتاحية الخالدة مع مشهد أنيس (عماد حمدي) -المواطن– وهو يسير في الشارع وسط الجمهور واحدًا من آلاف، طارحًا أسئلة لا زالت مطروحة حتى اللحظة عن كم التناقضات التي يعيش فيها المواطنون يوميًّا، ومشهد أنيس –الموظف الحكومي– في مكتب العمل حيث البيروقراطية والعمل الروتيني الدائم، وكتابة التقارير التي لا تنتهي إلى مشاهد العوامة حيث يجتمعون يوميًّا -أنيس والشلة– في عوامة على النيل ليكون النيل شاهدًا على تلك الثرثرة، فالعوامة تضم مختلف عناصر المجتمع وخليطًا من الأجيال، من أكبرهم سنًّا وأكثرهم ضياعًا إلى أصغرهم سنًّا وأكثرهم تفاهة، وتدور الجوزة عليهم فينسطلوا ويغيبوا عن العالم الخارجي كما يريدون، هذا العالم الذي لفظهم خارجه، فيصنعوا عالمًا من العبث والدخان بقوانين جديدة، قوانينهم الخاصة، فيقول علي السيد إحدى شخصيات الفيلم (عادل أدهم): «القوانين بتاعت المجتمع قوانين ميتة، احنا بقا سيبنا المجتمع وحطينا قوانين العالم كله هيستوحاها مننا فيما بعد، العالم الحر، المتفتح، مش اللي متقيد بسلاسل!».

ويكتمل بناء الفيلم بظهور سمارة (ماجدة) صحافية، وأخت أحد المجندين في وقت حرب الاستنزاف، ومن خلال تعرفها إلى «رجب» نجم الشباك، تبدأ جلساتها مع الشلة في العوامة، وتصطدم بآرائهم العبثية عن الدولة والحياة والكون؛ فتحاول أن تستخدمهم عناصر في مسرحيتها التي تريد كتابتها!

وفيها تتناول تيارين، أحدهما تيار عبثي يضم أجيالًا مختلفة بتوجهات مختلفة تحتضنهم العوامة في جو من انعدام المعنى، وخواء كل شيء، من أول أنيس الأربعيني حتى سناء الطالبة حديثة السن، والآخر تيار واقعي أو جدّي، يحاول الثاني إفاقة الأول وانتشاله من حياة العبث واللا مبالاة إلى واقع الوطن والبناء، نحن أمام مطرقة تحاول إيقاظ هذه الشخصيات من غفلتها لتعود مرة ثانية إلى الحياة، فتحدث في النهاية المواجهة بين التيارين، وبالفعل تنجح الجدية المتمثلة في الصحافية سمارة (ماجدة) في جذب وانتشال التيار الآخر المتمثل في أنيس (عماد حمدي) إلى موقع الأحداث -الجبهة– حيث الجنود المصريين في حرب الاستنزاف؛ فيرى الخراب الذي حل بالعمران والبيوت، فيكون ذلك بمثابة الصرخة التي تخرجه من لا مبالاته وعبثيته إلى واقعية الأحداث.

أما عن بقية أفراد «الشلة»، فإن الوطن يلفظهم إلى ما لا نهاية، مع مشهد النهاية يقوم حارس العوامة بفك سلاسل العوامة حتى تغرق بكل من عليها بعد خروج أنيس وسمارة.

يحمل الفيلم الكثير من الرمزيات والعلامات المميزة، فالرمزيات كـ«النيل» الشاهد على تلك الأمسيات، و«الفلاحة» التي صدمتها سيارة الشلة وتركوها وهربوا؛ إذ مثلت نقطة انقلاب في مجريات أحداث الفيلم، كإشارة إلى الدولة التي حل بها الخراب بسبب سلبيتهم وتقاعسهم الدائم، إلى «عم عبده» حارس العوامة، الكهل المعمر صاحب الهيكل العملاق يكاد يناطح به سقف العوامة كما وصفته سطور الرواية، فهو إشارة إلى الحياة أو الواقع المليء بالتناقضات الصارخة، والعلامات المميزة كانت في شخصية «أنيس» -وزير شئون الكيف– التي أداها عماد حمدي أعظم ما يكون فجعلها واحدة من الشخصيات الخالدة في تاريخ السينما المصرية، والعلامة الثانية كانت مشهد الغارة، عندما دخل حارس العوامة يطلب منهم أن يطفئوا الأنوار ليفاجأ بمشهد قمة في العبثية؛ كل ركن من أركان الغرفة يحوي اثنين هائمين في حالة من السكر والقبلات، وفي الوسط وزير شئون الكيف يدخن ويقول:

«أكيد دي غارات وهمية، بيعملوها عشان يقولوا طفوا النور، ولما النور ينطفي كل واحد يعمل اللي على كيفه اللي عايز يحب واللي عايز ياخد رشوة في الدرا واللي عاوز يختلس، الحرب اتعملت عشان تشجيع الحب، والسلام ضد الحب وضد مصالح الناس اللي عايزينها ضلمة!»، عماد حمدي كان يجلد المجتمع بكلماته في هذا المشهد، العلامة المميزة التالتة ظهرت في الإخراج، فالفيلم كله بالأبيض والأسود في عام 1971 باستثناء مشهد الاستديو الذي كان يصور به مشهد من مشاهد نجم الشباك «رجب القاضي» (أحمد رمزي) فتم تلوين المشهد ليخرج ألوانًا، مشهد رجب يجسد دور راقصة تغني الطشت قالي، هذا هو الفن الهادف، هذا ما يطلبه المشاهدون، هذا ما يقدمه نجم الشباك الأول وعندما تسأله طالبة الفلسفة -واختيار الفلسفة ليس محض صدفة- المعجبة بأدواره الرائعة عن ما يرمز إليه الطشت؛ فيقول لها بعد تردد: بيرمز لانقطاع المياه في الأدوار العليا!

إجمالًا، فالفيلم يحمل تحولًا من السلبية والعبثية إلى الجدية والواقعية في مواجهة أزمة الهزيمة على الأقل من شخص واحد –أنيس– ولكن، الفيلم أشبه ما يكون بأنه انتقاد للسلبية والعبثية لدى المثقفين، وتحميلهم سبب خراب الأوضاع مع تجاهل واضح لدور الدولة في صنع تلك الحالة السلبية التي تعد نتيجة مباشرة كما الرواية، بعد الاستيقاظ من سكرة الشعارات أو شعور الهزيمة، والذي سيكلل في النهاية بمشهد هزيمة يونيو (حزيران) 67، فليس النص الروائي كما النص السينمائي؛ لأن حالة العبث دائمًا ما تنشأ من فساد الوضع الخارجي، واللا مبالاة في حد ذاتها تعد موقفًا مقررًا جادًا من الحياة والظروف، فأنيس نصف الميت ونص المجنون لن يتحول عن عبثيته لصالح الوطن والدولة كما حدث، وإلا ما كانت أثارت الرواية غضب المشير «عبد الحكيم عامر» وقتها، ولكن فساد الوضع الخارجي سواء الدولة أو الحياة أو الكون ثابت لن يتغير كأسطورة سيزيف مثلًا في الميثولوجيا الإغريقية عندما حكمت الآلهة على سيزيف أن يحمل حجرًا ضخمًا لأعلى الجبل، وعندما يصعد به يقع منه فيعيده، وهكذا إلى ما لا نهاية! لكن ظروف الفيلم وقتها ارتأت هذا التحول، فهل الوضع الحالي مشابه لوضع الفيلم نفسه؟ بالتأكيد وكأنها حالة ممتدة على مر الزمان!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك