أصدرت المحكمة العليا الأمريكية حكمها يوم 17 يونيو (حزيران) 2021، بشأن القضية العالقة منذ 16 عامًا، والمتعلقة بدعوى قضائية رفعها ستة أفراد من مالي ضد عملاقين الصناعات الغذائية «نستله» و«كارجيل»، بتهمة «تهريب» و«استرقاق» الأطفال بمزارع الكاكاو بغربي أفريقيا. وحكمت المحكمة بعدم إمكانيتها مقاضاة الشركتين المتهمتين، وصرح قضاة المحكمة: «إن محكمة الاستئناف أخطأت عندما سمحت بالمضي في هذه الدعوى الجماعية»، مؤيدين بذلك موقف الشركتين المتهمتين.

ويعود تاريخ هذه القضية إلى العام 2005، حيث رفعت المنظمة الدولية لحقوق الإنسان «IRA» بتفويض من طرف ستة أطفال من مالي، دعوى قضائية ضد شركة «نستله» و«كارجيل»، بموجب «قانون تعويض الأجانب» الذي يسمح للأجانب بمحاسبة أمريكيين على مستوى المحاكم الأمريكية.

وصرح المدعون لدى المحكمة أنه تم نقلهم «كعبيد» من بلدهم «مالي» عندما كانت أعمارهم أقل من 16 سنة إلى «ساحل العاج»، وأنه جرى «استرقاقهم»، وأجبرو على العمل الشاق بمزارع الكاكاو دون تقاضي أية أجرة، وكانوا يتعرضون للضرب باستمرار طوال سنوات خدمتهم بمزارع الكاكاو، وأفادوا أيضًا أن الشركتين كانتا تشتريان الكاكاو من المزارع التي كانت تستعبدهم و«على علم منها بتلك الجرائم». إلا أن محكمة المقاطعة – كاليفورنيا رفضت الدعوى سنة 2010، بحجة أنها غير مختصة بمقاضاة الشركات بتهم خرق القانون الدولي.

وجرى استئناف القضية أمام المحكمة العليا الأمريكية، وخلال جلسة الاستماع المنعقدة يوم 1 ديسمبر (كانون الأول) 2020، أدلى أحد ضحايا الاستعباد أن «إحدى الشركات الأمريكية كانت تستأجر عملاء في أفريقيا خلسة لاختطاف الأطفال واستعبادهم في مزارع الكاكاو حتى تتمكن من التزود بالكاكاو بأبخس الأثمان»، وهو المادة الأولية المستعملة في صناعة الشوكولا. كما أكد دفاع الضحايا أن شركتي الشوكولا المتهمتين «تحصلان على الكاكاو من مزارع وموردين يمارسون أسوأ أشكال عبودية الأطفال، وعلى علم منهما بتلك الجرائم».

إلا أن الشركات أصرت على المحكمة أن «ترفض الدعوى» وأن «المحاكم الأمريكية هي المكان الخاطئ الذي لجأ إليه الماليون» بحجة أن قانون «تعويض الأجانب» قابل للتطبيق ضد أفراد، وليس شركات، كما صرح دفاع شركة «نستله»: «إن هاته القضية مرفوعة ضد المتهم الخطأ، وأنه من يجب محاسبته هم العملاء الذين يختطفون الأطفال في أفريقيا وأصحاب المزارع الذين يستعبدونهم».

في حين أقرت شركتين «نستله» و«كارجيل» أنهما على دراية بما يحدث من جرائم استرقاق أطفال على مستوى المزارع التي تتزودان منها بالكاكاو، وعلى الرغم من ذلك، تباحث قضاة المحكمة فيما إذا كان شراء الكاكاو من مزارع تستعبد الأطفال يرقى إلى جريمة «تحريض ودعم» استرقاق الأطفال، إلى أن حكمت المحكمة الأمريكية العليا في يونيو 2021، لصالح شركتين «نستله» و«كارجيل».

عائدات تساوي ميزانيات دول مجتمعة، تتغذى على «تهريب» و«استرقاق» الأطفال:

وسابقًا كانت قد صدرت دراسة أجرتها مؤسسة «إمباكت الدولية» لسياسات حقوق الإنسان سنة 2019، مفادها أن كبريات شركات صناعة الشوكولا، على غرار «نستله» و«هيرشيز» و«مارس»، والتي تستحوذ على السوق العالمية للشوكولا البالغ قيمتها أكثر من 100 بليون دولار سنويا، متورطة في جرائم عمالة أطفال قسرية توصف «بأسوأ أشكال العبودية»، وأن هاته الجرائم تمثل حلقة رئيسة من سلاسل إمداد هاته الشركات، وذلك من خلال استيرادها للكاكاو من مزارع في «ساحل العاج» و«غانا»، مصدر 70 % من الكاكاو العالمي، حيث يشتغل بها أطفال أعمارهم تتراوح ما بين 5 و14 عامًا، في ظروف قاسية، مجبرين على القيام بالأعمال الشاقة ل80- 100 ساعة أسبوعيًا.

وأفادت نفس الدراسة، أنه يتم تهريب آلاف الأطفال من دول مجاورة للعمل في تلك المزارع، مقابل أجور زهيدة وأكثر من ثلثي الأطفال لا يتحصلون على أجور، وطعام غير كافي، ويمنعون قسرًا من الالتحاق بالمدارس. كما يعملون في ظروف قاسية ومن دون معدات حماية، ويتعرضون للتهديد والعنف الجسدي وحتى القتل، خاصة ما إذا امتنعوا عن العمل الشاق أو حاولو الفرار.

ويدفع الفقر الشديد العائلات في غانا وساحل العاج إلى منع أطفالهم من الالتحاق بالمدارس، وإرسالهم للعمل في مزارع الكاكاو، ويميل مالكو المزارع إلى تشغيل الأطفال نظرًا للأجر الزهيد الذي يتقاضاه الأطفال مقارنة بأجور البالغين، وأحيانًا لا يتقاضون أي أجر، ووفقًا لإحصاءات أصدرتها وزارة العمل الأمريكية، يوجد حوالي 2 مليون طفل يعملون في مزارع الكاكاو بغربي أفريقيا.

وجاء في الدراسة أيضًا أن الشركات المتورطة لم تتخذ أية إجراءات حقيقية لمعالجة قضايا عمالة الأطفال المتعلقة بالكاكاو، و«أصرت على مواصلة تشجيع ودعم هاته الجرائم» من خلال استيراد الكاكاو من مزارع تنتهج استرقاق الأطفال، ما يعني اليد العاملة الرخيصة وحتى المجانية، وبالتالي حصول تلك الشركات على المادة الأولية لصناعة الشوكولا بأبخس الأثمان لتتضاعف هوامش أرباحها.

أكثر من قرن من الفضائح والدعاوى القضائية والضغوط تلاحق كبريات شركات الشكولا، ولم تزل جرائم استعباد الأطفال مستمرة:

ومؤخرًا، كانت منظمة حقوق الإنسان الدولية «IRA» قد رفعت على مستوى محكمة واشنطن الفيدرالية يوم الجمعة 12 فبراير، دعوى قضائية نيابة عن ثمانية أطفال من مالي، ضد ثماني شركات من عمالقة صناعة الشوكولا في العالم، بتهمة الضلوع في جرائم «عمالة قسرية» و«استرقاق» وتهريب والإتجار بآلاف الأطفال القاصرين للعمل في مزارع الكاكاو في ساحل-العاج.

»نستله»؛ «كارجيل»؛ «باري-كاليبو»؛ «مارس»؛ «أولام»؛ «هيرشيز»؛ و»موندليز»، هي أسماء الشركات المندرجة في الدعوى المرفوعة من قبل منظمة «IRA»، وأفاد أحد المدعين أنه تم خداعه عندما كان عمره 11 عاما، حيث تم وعده أنه سيتم توظيفه مقابل 25.000 فرنكك – غرب – أفريقي شهريًا (ما يعادل 35 دولار آنذاك)، كما لم يتم إخباره أن مكان العمل خارج بلده (مالي)، إلى أن جرى تهريبه جبريًا عبر الحدود، ليجد نفسه في مكان لا يعرفه، ولا يعلم كيف يعود إلى عائلته، أو حتى كيف يتصل بهم.

وأفاد أيضًا أنه تم إرغامه على العمل في مزرعة للكاكاو لمدة سنتين، من دون معدات مناسبة ولباس واقي، حيث كانت أشاجار الكاكاو مغطاة بالمبيدات الكيماوية، التي تشكل خطرًا على الأعين والجلد وأخطار أخرى على الصحة، ومن دون أن يتقاضى أي مرتب طوال السنتين، وكان يقدم له القليل من الطعام.

كما أثبتت وثائق الدعوى، وجود ندبات واضحة على جسم أحد المدعين، تغطي يديه وذراعيه، إثر تعرضه لجروح وحوادث بالأداة الحادة المستعملة في جني ثمار الكاكاو، إضافة إلى حوادث أخرى كالتعرض المتواصل للسعات الحشرات، وصرح هو أيضًا أنه جرى وعده بإيفائه أجره بعد الجني، إلا أنه لم يتحصل على شيء، على الرغم من أنه عمل في تلك المزرعة منذ العام 2009 إلى غاية 2011.

وأفاد المدعون الآخرون أنه جرى خداعهم بنفس الطريقة، وآلاف آخرين من الأطفال، وجرى تهريبهم من دول أفريقية أخرى، ليجدو أنفسهم مكرهين على العمل بدون أجر في مزارع الكاكاو بساحل العاج، حيث كان العمال المستعبدين في المزارع يتحدثون لهجات ولغات مختلفة، ومنهم من لا يفهمون بعضهم البعض.

ومنذ أكثر من قرن تلاحق هذه الشركات ضغوطات من منظمات وحكومات، ودعاوى قضائية، وحملات مقاطعة واسعة، إلا أنها دومًا ما تجد الحل للإلتفاف حولها لتواصل دعم تجارة العبيد واسترقاق الأطفال من أجل الاستفادة منها.

ففي العام 1904 عينت الجريدة البريطانية الشهيرة «هاربر»، الصحافي «هنري نيفنسون»، للتحقيق في قضية تهريب العبيد من أنجولا إلى مزارع الكاكاو في المستعمرة البرتغالية ساو-تومي، فأمضى الفترة ما بين 1904-1905 بغربي أفريقيا يتتبع ما أسماه «برحلة العبيد» ليكتشف جرائم عبودية مروعة ترتكب في حق الأطفال الأفارقة.

فنشر الصحافي هنري نيفنسون تقارير تفضح تجارة العبيد بساو-تومي وأنغولا وغانا، وإتهم فيها الشركة البريطانية «كادبوري» بمشاركتها في هاته الجرائم، ومن بين ما ورد في تقاريره أنه «اكتشف عبيدا يتم نقلهم مقيدين بالأغلال للعمل في مزارع الكاكاو التي يملكها مستوطنون برتغاليون، للعمل في ظروف قاسية لدرجة أن واحدًا من كل خمسة عمال يتوفى». ونظرًا لشهرة جريدة «هاربر»، إنطلقت حملة واسعة لمقاطعة الشوكولاته ببريطانيا وأمريكا؛ ما أضر بتجارة الشكولاته وهدد الشركة بالإفلاس، لكن سرعان ما بدأ الناس بنسيان هاته القضية، وعادت تجارة الشكولاتة إلى سابق عهدها واستمرت شركة «كادبوري» في التزود بالكاكاو من الموردين والمزارعين الذي يمارسون تلك الانتهاكات والجرائم في حق الأطفال.

وفي العام 2000، نشرت وكالة الأنباء البريطانية BBC تقارير وأخرجت فيلما وثائقيًا يتناول «الإتجار بالأطفال» و«استرقاقهم» اللتان تتخللان عملية إنتاج الكاكاو، وكتجاوب مع ذلك، ضغط النائب «إليوت إنجل» والسيناتور «توم هاركين» الأمريكيان على كبريات شركات صناعة الشوكولا لوقف استغلال العمالة القسرية واسترقاق الأطفال، فنجم عن ذلك توقيع شركات الشوكولا الثمانية الكبرى على إتفاقية «بروتوكول هاركين-إنجل» في شهر سبتمبر (أيلول) 2001، وكان البروتوكول عبارة عن خطة هدفها تقليص نسبة العمالة القسرية للأطفال في عملية إنتاج الكاكاو بنسبة 70% بحلول العام 2005، إلى جانب أهداف أخرى.

بغض النظر عن الجهود التي بذلتها الشركات الثمانية الموقعة على «بروتوكول هاركين-إنجل»، على غرار إنفاقها مجتمعة ميزانية 3 ملاين دولار على مشاريع ابتدائية (pilot projects) في إطار مكافحة عبودية الأطفال، والتي كانت جزءًا من الاتفاقية، وإطلاقها سنة 2002 ما عرف «بالمبادرة العالمية للكاكاو»، إلى جانب تأسيسها لمجموعة مهمتها المتابعة والتحقيق في ممارسات عمالة الأطفال في مزارع الكاكاو سنة 2004 وقامت بتمويل نشاطها، والتي تم حلها في 2006، وعلى الرغم من أن النائب»إنجل» توعد الشركات بإحالة القضية إلى مساءلة السلطة التشريعية الأمريكية في حال لم تف الشركات بوعودها، إلا أن الشركات لم تحرز تقدما يذكر في خطة القضاء التدريجي على عمالة الأطفال والإتجار بهم بانتهاء الآجال (200 عام، وتم تمديد الآجال عدة مرات، آخرها كان العام 2020).

وانتقدت الشركات من قبل عدة جهات من بينها الكونجرس الأمريكي على فشلها في إنشاء وتنفيذ علامة «خالي من العبودية»، ولتنفيذها البروتوكول بأقل تكلفة، وبقائها غير فعالة في عملية تنفيذه، ومن دون إطراء أي تغييرات على عملية الإنتاج، فضلًا عن الحفاظ على خطة عمل (business plan) ترتكز على عمالة الأطفال، كما لم يغيرو من أسعار الشوكولاتة من أجل دعم منتجين الكاكاو وتمكينهم من الاعتماد على عمال بالغين ومأجورين بدل استرقاق الأطفال. وفي الدعوى التي رفعتها منظمة حقوق الإنسان الدولية – IRA – نيابة عن الأطفال الماليين الثمانية، اتهمت الشركات الثمانية بتظليل الرأي العام حول تعهداتها التي وقعت عليها عام 2001 في اتفاقية «بروتوكول هاركين إنجل» وعدم تنفيذ الأهداف المسطرة ضمن الاتفاقية.

كما رافعت إدارة الغذاء والدواء الأمريكية «USFDA» سنة 2001، من أجل سن قانون يفرض على الشركات وصم منتجاتها بعلامة «خالي من العبودية»، إلا أن نفوذ تلك الشركات داخل أروقة الكونغرس حال دون ذلك، وفي نفس الصدد، تم رفع دعوى قضائية سنة 2015 ضد كبريات شركات الغذاء بتهمة عدم توفر أغلفة منتجاتها على علامة «خالي من العبودية»، إلا أن شيئًا لم يتغير. ويخص بالذكر أن علامة «خالي من العبودية» تمنحها هيئة رقابية مستقلة عن الشركات، حيث تقوم هذه الأخيرة بإجراء تحقيقات وتفتيش دوري على طول سلاسل الإمداد الخاصة بالشركات، لضمان خلو عملية الإنتاج والتصنيع من أي شكل من أشكال «العبودية» من المزرعة إلى المصنع، وهذا ما لن تقبل به تلك الشركات، لأن ذلك يقلص من كميات الكاكاو التي تتحصل عليها بأبخس الأثمان، ما يعني تقلص أرباحها.

كما أن أغلب الإتفاقيات التي أجبرت شركات الشوكولا على إمضائها بهدف الحد من جرائم عبودية وعمالة الأطفال القسرية على غرار «بروتوكول هاركين إنجل»، وغيرها من الاتفاقيات، تقضي بعدم التعامل مع المزارع التي تمارس «استرقاق» الأطفال، والتي تمثل نسبة كبيرة من إجمالي عدد مزارع الكاكاو بغربي أفريقيا، ما يعني عدم حصول هذه الشركات على كميات كاكاو كافية وبثمن رخيصة لتلبية حاجاتها الصناعية وتحصيل أرباح ضخمة؛ ما جعل تلك الشركات تخلف بتعهداتها في كل مرة، والذريعة التي تتحجج بها هي أن «العملية معقدة جدًا، ولا يمكن ضمان عدم حدوث عمالة الأطفال في كل مزارع الكاكاو بغربي أفريقيا».

وزد على ذلك عشرات الضغوط والحملات الأخرى التي شنت ضد عمالقة صناعة الشكولا، والتي استطاعت أن تلتف حولها وتتحايل عليها، والاتفاقات الأخرى التي لم تنفذها، والمحاكمات الأخرى التي كانت دومًا ما تخرج منها منتصرة، ما يبين مدى تغلغل تلك الشركات داخل أروقة السياسة وتأثيرها على صناعة القرار، وهيمنتها على إقتصادات دول عظمى كأمريكا، ومدى حرص تلك الشركات على استمرار «عبودية» الأطفال، من أجل ضمان حصولها على «الذهب البني» أساس صناعة الشوكولا، بأبخس الأثمان، وبالتالي تضخيم هوامش أرباحها المقدرة بعشرات بلاين الدولارات سنويًا. لتبقى بذلك أوروبا وأمريكا مصنفتين كأول مستهلك يستمتع بمذاق الشوكولا، بينما صنفت أفريقيا كآخر قارة تذوق طعمها، على الرغم من أنها مصدر الكاكاو العالمي، المنتج باسترقاق أطفال أفريقيا، بأيديهم العارية، وبطونهم الجائعة، وأجسادهم الهزيلة، والمليئة بالجراح، ومقابل أجور زهيدة… أو حتى من دون أجور.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد