بعد زيارته اليمن وفتكه بأطفاله العزل، ممن لم تقتلهم الحرب، يدير شراعه ليحط في الجزائر هذه المرة، بلد لا حلف ولا حرب فيه.

عاجل بالخط الأحمر العريض: «جزائريون مصابون بمرض من سالِف الزمان والحروب»، لأول وهلة ظننتها مجرّد إشاعة لقنوات تمتهن تخويف المواطن وغسل دماغه صباح مساء، لكن الخبر تأكد من الوزارة الوصية وحسب الإحصائيات الأخيرة سجل «حوالي 62 شخصًا مصابًا بالكوليرا، وحالتي وفاة رحمهما الله برحمته الواسعة» .

زار الوباء قبلًا الجزائر كانت سنة 1986 التي شهدت 4500 حالة، وها هو يعود إلينا بعد سنوات من الغياب، لكن لا خوف على المواطن المسكين، فالكفاءات الطبية موجودة، والوسائل متوفرة طبعًا في مستشفياتنا الأفضل من الأوربية والأمريكية، مستشفيات بمقاييس عالمية، مستشفيات توجت بأربع نجوم والخامسة آتية.

ما الكوليرا؟ هل هو مرض قاتل ومرعب لهذا الحد؟ وكيف يمكن أن توجد في بلد بحجم الجزائر؟

الكوليرا كما عرفته منظمة الصحة العالمية هو عدوى حادة تسبب الإسهال، وتنجم عن تناول الأطعمة، أو شرب المياه الملوّثة بضمات بكتيريا الكوليرا. وهي ما زالت تشكل تهديدًا عالميًّا للصحة العمومية، ومؤشرًا وانعدام التنمية الاجتماعية، وتؤثر الكوليرا على كل من الأطفال والبالغين، وبمقدورها أن تودي بحياتهم في غضون ساعات إن لم تُعالج. ويُصنف مرض الكوليرا ضمن أمراض الفقر، وينتشر في البلدان ذات الدخل المنخفض والمتوسط.

انطلاقًا من تعريف الكوليرا، يمكننا أن نحصر البلد الذي يظهر فيه هذا الوباء بتعريف صريح، بعيدًا عن الأنفة، نعم بلد بحجم الجزائر ليس غريبًا أن يصاب مواطنوه بالكوليرا؛ فكلنا نعلم حقيقة التلوث الذي نعيش فيه، لا بد أن نكون منصفين؛ فنحن والحكومة في دائرة المسؤولية عما يحصل على اختلاف الاتهام باختلاف المراتب.

الكوليرا تحدث خللًا في آلية امتصاص الماء في الجسم ليتم إفرازه بكميات كبيرة، مما يسبب الإسهال الحاد بدلًا من استغلاله في الوظائف العضوية المهمة، وبالتالي خطر الجفاف والموت خلال سويعات إذا لم يجري التكفل بالحالة سريعًا.

تشبه الكوليرا الأنظمة الاستبدادية والقمعية كثيرًا، فهي بدلًا من استغلال طاقاتها الهائلة من الشباب ما تزال تتمسك حد الاستماتة بشيوخ أكلوا الدهر ولم يستطع الدهر أن يأكل معهم ولا يشرب؛ فتهاجر الأدمغة لمن يقدّرها ويعطيها الوسيلة لتحقق غاياتها.

سلطة الكوليرا التي تهدر المال العام في مشاريع ثانوية بدلًا من تمتين البنى التحتية.

سلطة الكوليرا التي تبيع ثرواتها مادة خامًا عوضًا عن استغلالها داخل الوطن والاستفراد بتجارة مما تصنعه سواعد الشباب.

سلطة الكوليرا التي أكثر ميزانيتها تذهب للعسكرة بدلًا من تكريس ميزانية محترمة لقطاع التعليم، والاستثمار في العقول، والسعي لإنشاء الأدمغة لتكون هي السلاح، فلا أقوى من عقل الإنسان إذا استغل فيما ينفع وطنه وإنسانيته.

نحن لم نتعلم الدرس بعد، الأمم تتقدم وتجري بعيدًا عنا، ونحن نعود كل سنة 10 سنوات إلى الوراء، لكننا لا نحتاج كل هذا العناء؛ فالأهم والمهم ملء المخازن بآلاف من الدبابات والبنادق، فوهاتها الله وحده أعلم إلى من ستوجه.

لنكن صادقين مع أنفسنا، إن هذا الوباء هو تحصيل حاصل لواقع وطننا الجريح وما يواجهه من أزمات تُقَابل دائمًا بالبريكولاج «بمعنى أن تصلح المشكل سطحيًّا وتجمل مظهره دون الخوض في لبه»، هذا المصطلح الذي يعد من أهم الاستراتيجيات الفاشلة التي تمارس في مواجهة المشاكل لتزيدها تعقيدًا.

أيضًا الوضع الصحي العام متردّ جدًّا؛ فنحن لا نملك مستشفى يستحق حقًّا هذه التسمية؛ فأغلبها أقرب للمسالخ في عيد الأضحى، لكن المهم هو صحة فخامته، وكم عهدة سيزيد بعد الرابعة، في حين أن الشعب يموت مرضًا وقهرًا في الجمهورية الديمقراطية والشعبية.

شكرًا لسيادتكم على كل التطمينات ومحاولات استصغار كل المشاكل كما اعتدتم وعودتمونا، نحن نعلم جيدًا أن الكوليرا لن تقتل كما قتلتم منا أرواحًا وأحلامًا، الكوليرا تشبهكم كثيرًا لكنها ليست أهلًا للمنافسة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد