الحديث عن التنمية يدفعنا إلى مراجعة ما نملك من إمكانات وآليات تحقيقها، ومدى الاستعداد لمواكبتها والسير في مركبها، وقبل ذلك إدراك ماذا نريد وإلى أين نريد أن نصل والأهم كم يتطلب الأمر من جهد، ومن هم الفاعلون المعنيون بذلك والتركيبة البشرية المستهدفة، وفي أي خطة يدرج الفعل، وأهم من هذا وذاك ما التنمية، وما حدودها، وهل هي هياكل أم كفاءات تشتغل، أم واقع يتأمل أم أحزاب وجماعات تتكاثر أم رياضة تسعر.

فعند سماع كلمة تنمية قد يخيل للوهلة الأولى أن الأمر بضع قوانين تسن، وأغلفة مالية ترسل لمشاريع تسمى تنموية، أو مشروع سياسي يتقيد بالنظري فقط، وكل هذا يترابط ويتقاطع لينتج تغيرًا في حياة المواطن، وينتقل به إلى حياة ليست أفضل وفقط، بل لحياة تضمن له كرامته وحياته هو وعائلته، والعجز في تحقيق هذا ليس وليد الصدف، بل إنه انسداد في الحس المدني، وعجز في التنفيذ، إن سلمنا جدلًا بوجود خطة محكمة المعالم تجسد مقاربات تمس المواطن بصفة مباشرة، وتقدم له ما يرى لطموحاته من خدمات ومرافق، وحياة كريمة تعزز النسيج الاجتماعي بما يخدم الوطن كله، ويشعره بانتمائه ويعزز له الرغبة في الإنتاج.

قد نستغرق في التفكير عن أهمية الموضوع في ظل افتقار المسؤول المباشر عن أي منطقة كانت عن إحساسه بأهمية الأمر وجدواه، وكيف يجب عليه أن يبادر قبل بلوغ ضغط مساق من الشارع، قد يكون الأمر له علاقة بالثقافة المرجعية للعمل لأن الواقع المؤسف يقول متى ازداد الاحتجاج والضغط انتبهوا لوجودك، فكيف لأن يتغير الوضع وتثمر الجهود عن رغبة تنموية حقيقية، وهذا تمحور خطير بما كان يدل على ضعف مفضوح في سن آليات حوار بين مختلف الهيئات والمواطن نفسه، وكما تدل على تمحور الجودة المعيشية في طبقات معينة يرى المواطن موازينها غير عادلة، فما الذي يمنع تجسيد تغيير تنموي يرتقي بطموحات الأجيال المتصاعدة، قد يكون السؤال يخضع لعديد الإجابات، وقد يتعلل أصحاب القرار بشح الموارد وشساعة الجغرافيا لكن ما محل هذا في ظل الأرقام المسجلة في خانات الأولويات، وهل بناء مشفى يتطلب إعادة نظر، وهل إيجاد مشاريع استثمارية تراعي خصوصيات المنطقة أمر يتطلب عقدًا من المراوحة، أم ننتظر حتى تقتل العقارب نصف الشعب لنصرح بعدها بوجوب الابتعاد عن العقارب حلًّا جذريًّا، وبأن المواطن هو المتسبب.

كلمة تنمية أصبحت شعار مَن لا شعار له، ومصطلحًا أضحى سياسيًّا ككل شيء يمس المواطن لدرجة المتاجرة بمشاعره وتخديره بعالم اسمه تنموي، وبأن العجلة التنموية تسير وفق أطر ممنهجة أطر فلسفية لا أكثر ولا أقل إلى درجة فقدان المواطن بصيرته وإدراكه لأي واقع ينتمي إليه.

هل تسترعي التنمية منطقة عن أخرى؟ وهل التوجه الفكري يأخذ بالحسبان؟ وهل هناك درجة تفكير معينة في منطقة ما حتى تستحق التنمية؟ وهل هناك مستوى تركيبي معين حتى يكون المعنى أهلًا لذلك؟ فإن كانت إجابة كل هذا لا، فلماذا يشعروننا بذلك ويتقصدون في أحيان كثيرة الإهانة، وهل قدر المناطق الصحراوية أن تكون في آخر الأولويات؟ وهل من المنطقي أن يكون فعل التنمية وآليات تطبيقه نفسها في المناطق الأقل صحراوية وحرارة، كلها تساؤلات تطرح في سبيل وضع اللبنات الأساسية المحركة التي وإن وجدت قفزت بالأمور لمنحى إيجابي قد يغني صناع القرار الكثير من التكلف، ويخلع عنهم حرج عدم معرفة ما يقومون به وكيف يقومون بالأمر .

ما زلنا نتطلع إلى أن تصير الأمور أفضل وأوعى وأنسب، لا لشيء فقط؛ لأن العالم أضحى يضيق باتساعه ومطالب الانضمام إليه تتزايد مثل حتمية لا مفر منها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد