للوهلة الأولى عند قراءة عنوان المقال قد تذهب بفكرك سريعًا وتبدأ في رسم أحلامك الوردية في مخيلتك عن مواصافات الوطن الذي تود أن ترسو على شاطئه لكي يتسع لك ولأحلامك، باحثًا عن وطن يدفعك دفعًا نحو النجاح والعمل، وعن حياة يغلب فيها الأمل، وباحثًا عن كرامتك، وآدميتك، وإنسانيتك، وعن حقوقك التي أصبحت حلمًا بعيد المنال، لتبدأ أولى خطواتك في مشوار حياتك التي لم تبدأ بعد، لذا لا ألومك يا عزيزي إن ذهبت في رحلة البحث عن «وطن» ويوم أن تجد آدميتك وكرامتك وحقوقك مصانة فالزم مكانك «فهذا وطنك».

ولكن ليس من العدل أن نختزل معنى «الوطن» في مضمون واحد، فالوطن ليس حفنة تراب نعيش على أرضه وتحت سمائه فقط، بينما هو في حقيقته كل حياة نحياها على هذه الأرض سواء كانت بإرادتنا أم فرضت علينا، فـ«الوطن» كلمة جامعة وشاملة فهو العائلة التي ننتمي إليها، والأصدقاء الذين تكونت صحبتهم عبر سنوات طوال، والعمل الذي تذهب إليه كل صباح، والشارع الذي تسكن فيه، وجيرانك الذين كنت تهلو مع أولادهم حينما كانوا صغارًا، ومدرستك وجامعتك وعملك. فالوطن «حياتك» بكل تفاصيلها وبكل جوانبها الجميل والسيء منها.

هل تتذكر كم مرة اتخذت فيها قرارًا بإرادتك الحرة من غير قيد أو شرط، ودون أن تفرضه عليك ظروف الحياة ودون تدخل من قريب أو بعيد؟ أظنه كثيرًا.

من الملاحظ أن الظاهرة السائدة هذه الأيام هي كثرة الشكوى بين الناس في جلسات الدردشة وعلى صفحات التواصل الاجتماعي، حتى إن البعض أصبح يتضايق من هؤلاء الذين تضج حياتهم بالشكوى من كل شيء ومنهم من يرى أنها أشياء تافهة لا ترقى لحد الضيق والضجر منها، وبدلًا من توجيه الاتهامات لهم بأنهم أصبحوا مصدرًا للكآبة أو المصطلح الشائع الذي يتردد هذه الأيام «مصدر للطاقة السلبية» علينا أن نتفهم مواقفهم وأن نحاول جاهدين أن نكون لهم السند الحقيقي، وأن نخرجهم من دائرة «الشكوى» التي دخلوها رغمًا عنهم بعيدًا عن هؤلاء الناس الذين أدمنوا الشكوى خوفًا من الحسد لتشتيت أنظار الناس عنهم.

فالحقيقة أن الغالبية منهم لم يكونوا من سعداء الحظ الذين أعطتهم الحياة فرصة لاختيار تفاصيل حياتهم كما يريدونها، والغالبية منهم أيضًا رغم أنهم قد وصلوا للعقد الثالث والرابع من عمرهم لم يكتشفوا بعد هواياتهم المفضلة ولم يدركوا حتى الآن ما الذي يودون تحقيقه من نجاحات، وتركوا أنفسهم لتأخذهم دوامة الحياة وتذهب بهم كما تشاء دون تدخل ودون إبداء أي اعتراض من جانبهم.

حتى سعيد الحظ الذي نجح في الفوز ببعض فرص الحياة فالكثير منهم لم يختر لنفسه منها شيئًا بل الحياة هي التي فرضت عليه كل اختياراته، وصورت له أنه هو الذي يختار لنفسه وبكامل إرادته فدرس في إحدى كليات القمة، وعمل بشركة مرموقة، وتزوج «جوازة لقطة» تبعًا لعرف المجتمع لا تبعًا لرغبته هو.

العمل وطن

 فهل أنت راض عن وظيفتك؟ هل حققت هدفك وطموحك من خلالها؟ هل تجد ذاتك فيها؟ في الغالب ستأخذ نفسًا عميقًا وتفكر قليلًا وستكون إجابتك في النهاية بـ«لا». لذا إذا أقنعت نفسك أن تصبح مغامرًا يومًا ما وقررت أن تختار وطنك المفضل في العمل وأن تحاول البحث عن سعادتك في طريق آخر، فلديك الفرصة لكي تعوض ما فاتك فالعالم أصبح صغيرًا جدًا وتستطيع الآن أن تدرس ما تشاء واعلم أن المغامر غالبًا ما يكسب بالنهاية.

«إذا كنت تعتقد أن المغامرة خطرة فجرب الروتين فهو قاتل» – «باولو كويلو». 

والأصدقاء وطن من لا وطن له

فهم نعم الوطن حقًا إن وهبك الله إياه، فالصداقة هي الحب في أسمى معانيه وهي الأخوة في الله وسندك عند الشدائد، فصديقك مرآتك التي لا تخجل أن تنظر إليها كل صباح ولا تستطيع أن تستغني عن النظر إليها أبدًا. لذا لا تجهد نفسك بصداقات تمثل عبئًا عليك وعلاقات تحملك المزيد من الهموم.

وكما قال الشافعي «سَـلامٌ عَلى الدُنـيا إِذا لَـم يَكن بِـها صَـديقٌ صَدوقٌ صادِقُ الوَعدِ مُنصِفا». 

وإن أفسحنا المجال للحديث عن حق الاختيارعند الزواج فسنكتب كتبًا عن قصص الزيجات التي تمت بالأمر المباشر من الأهل دون النظر إلى مدى تقبل وملاءمة كل منهما للآخر، ولأن عائلتك هي وطنك الحقيقي الذي تلجأ إليه في نهاية المطاف فلا تستسلم وابحث عن مواطن الجمال والاهتمامات المشتركة بينكما، وابدأ في زرع أول نبتة لترميم جدران بيتك من جديد. فعائلتك هم أحق الناس لمشاركتك وطنك الذي يليق بك.

هذه ليست دعوة للبكاء أو الندم على ما فات ولكنها في حقيقة الأمر هي دعوة للإصلاح وتعديل المسار، وتغيير ما يمكن للأفضل، مع قناعتك أن الأخذ بالأسباب والرضا بعطاء الله هو بداية الطريق.

فقط عليك أن تتوقف عن التظاهر بأن كل أمورك على ما يرام ولا تدع سنوات عمرك تمضِ من بين يديك، ودع تلك الأكاذيب التي اعتدت قولها دومًا حتى صدقتك نفسك، فما كنت تراه مستحيلًا اليوم قد يتحقق يومًا إذا لم يهزمك اليأس وإذا لم تخدع نفسك بأن الأمر لا يستحق كل هذا العناء.

لقد حان الوقت لكي تتحرر وتأخذ قرارك وألا تترك الفرصة للحياة أن تختار لك بالنيابة عنك، حتى إذا لم تحقق ما كنت تصبو إليه فعند الوصول لنهاية المحطة لن تكون مضطرًا للندم على ما فات، فقط «جرب» ويكفيك شرف المحاولة.

ومن لم تسعفه الحياة باختيار وطنه المفضل فثق أن الله سيهبك حتمًا لحظات جميلة ستأتي يومًا ما لكي تحياها وإن كان يبدو ذلك بعيدًا.

أدعوك عزيزي القارئ للاستمتاع بمشاهدة فيديو قصير بعنوان «تصرف كما لو أنه من المستحيل أن تفشل»:

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

معني الوطن, وطن
عرض التعليقات
تحميل المزيد