يجيء يوم نُمتحن فيه فى مبادئنا وأخلاقنا وأيديولوجياتنا، كثير منا يدعي الإثار، الصدق الخالص، الأمانة، التفانى في العمل…إلخ، لكن، هل فعلاً يلتزم كل منا بمبادئه عندما يحين وقت الجد؟

الإنسان كائن غير متوقع، ردود فعله وإن كانت متوقعة فإنها غير متوقعة، بمعنى، أنك قد تظن أنك تعرف شخصًا بعينه جيدًا، ويمكنك التنبؤ بردة فعله حيال موقف معين، حتى وإن جزمت بردة فعله تلك فربما تصدمك ردة فعل مغايرة تمامًا. الغريب أنك لن تستطع أبدًا معرفة لماذا كان رد الفعل ذاك على وجه الدقة! حتى إنه هو نفسه قد يصدم فى اختياراته التي قد تتنافى تمامًا مع أخلاقه ومبادئه.

على أية حال، إن كنت فى موقف صعب، موقف تمتحن فيه في تلك الأشياء الثلاث التي ذكرتها في سطري الأول في المقال، فربما يكون عليك حينها اختيار الطريق الصعب أيضًا. إن كنت تؤمن أن المصارحة هي المبدأ الذي يجب عليك دومًا اتباعه، فإنه من الأفضل أن تصارح مديرك في العمل مثلاً بأنك كنت منهكًا حين كتبت التقرير مع زميلك، وأنك أنت المسئول عن الأخطاء التي في التقرير وليس هو. ستصاب بالحرج أمام زملائك وقت الاجتماع، لكن هذا أفضل من أن تبيع أحد مبادئك، إنه الطريق الصعب ذلك لأنه يمكنك بكل بساطة أن تصمت طيلة فترة توبيخ المدير لزميلك.

ربما كان هذا أيسر المواقف، نمتحن في أشياء أكبر، نعلم في قرارة أنفسنا أن حب الغير مبدأ سامي، خاصة إذا كان ذاك الشخص قد أحبنا أكثر من نفسه، مثلاً الأم، إنها تعطي دون مقابل، أنت تعلم تمامًا أنها تخلت عن عملها حين كنت صغيرًا لأجلك، سهرت وقد انتابها النعاس لأجلك، لكنك لا تستطيع أن تترك عملك لأجل أن تعتنى بها وأنت ابنها الوحيد، لا يمكنك أن تسهر حتى الصباح لأنك ستذهب إلى عملك شبه نائم، إنه موقف تمتحن فيه في أخلاقك وضميرك.

إن يومًا جادلك شخص في أيديولوجية تتبعها، اختر الطريق الصعب، إنه طريق نقد الفكرة، انقد فكرتك ربما اكتشفت خطأها، إن الطريق السهل هو أن تتمسك بفكرتك دون أدنى شك منك أنها ربما كانت خطأ أو على الأقل غير مكتملة، يقدم لنا علم النفس وعلم الاجتماع شرحًا لهذا على أنها “عملية التنافر المعرفي” تلك التي تجعلنا نتجاهل فكرة تمامًا لأنها مغايرة لفكرتنا.

إن نقدك لفكرتك، وإن كان الأصعب، فإنه يفيدك على المدى البعيد؛ ذلك لأنك وإن قررت التمسك بها بعد أن نقدتها فإن تمسكك هذا يكون على أساس علمي سليم يمكنك من الدفاع عنها لاحقًا، وإن نقدتها واكتشفت خطأها فإنك أيضًا تكون قد استفدت بتركك إياها.

إن أصعب الاختيارات دومًا هو الاختيار الذي تتخلى فيه عما تحب لأجل مبدأ سامي، أو فكرة، ذلك لأنك قد تقع صريع ذلك الاختيار. إن الحب، حب كل شيء وأي شيء في الدنيا، إن قاتلت لأجل أن تنزعه عنك لأجل فكرتك، أو قاتلت لأجله لأجل فكرتك أيضًا فهو شيء يشبه الجهاد، وقد عبر الشاعر عبد السلام بركات زريق عن تلك الفكرة في نهاية قصيدته “الصبر” في بيت من أروع أبيات الحكمة،
حين قال:

فابكِي علىّ أنا شهيدُ محبتي …… والحبُ في الدنيا الجهادُ الأكبرُ

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

نفس الإنسان
عرض التعليقات
تحميل المزيد