«لا تظفر بذات الدين!»
هكذا كان عنوان أحد المقالات، إذ يذكر الكاتب فيه أن «الإسلاميين» خدعونا طوال تلك المدة، إذ كانوا «يُزَوِّجُون» بعضهم زواجاً عقدياً يميل إلى اختيار المتدينة، والتي يستحيل العيش معها بعد ذلك بسبب المشاكل التي تظهر في العلاقة، وكأن صاحب المقال قد قام بمسح اجتماعي في أوساط المتدينين والإسلاميين ليرى أنهم كانوا حمقى وسذجًا، عندما اختاروا المتدينة وفشل الزواج فيما بعد!
إنني ـ بداية ـ لا أقبل كلمة «يُزَوِّجُون» التي تحمل في طيَّاتها معاني الغصب والإكراه! وكأن الزوج المسكين قد سلم زمام أمره لأساتذته ومشايخه حتى يختاروا له «المتدينة» وليس له من الأمر شيء..
فمنذ متى كان الزواج يتم بهذه الطريقة إلا في أوساط «الجاهلين»؟

قبل أن أعطيك تعريف المتدينة، فكلمة التدين قرنت في أحاديث كثيرة بالخلق، وفي ذلك قوله ﷺ«إذا جاءكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه»، فالدين هو الخلق والتدين هو المعاملة، وليس التدين ركعتين تصلَّى بالليل أو قدْرٌ من الذكر وكفى .
ولعلي هنا أعيد قراءة الحديث معك في قوله ﷺ«فاظفر بذات الدين»، فالنبي لم يقل ـ مثلا ـ : تزوج أو انكح، ففي هذين اللفظين دليل على توافر هذه الميزة عند الكثير من النساء، ولكنه ﷺ إذ يقول «اظفر» فيه دليل على أن الأصل في المتدينات هو الندرة والقلة، فأينما وجدتها فاظفر بها لنفسك، حيث إنها كنز لا يناله إلا من اجتهد في البحث، وعلم الله فيه خيرًا فوفقه لأن يجده.

فليست «المتدينة» هي التي فهمت التدين السطحي المغشوش والتي لا تري الإسلام إلا في زيّ معين ترتديه أو كلمات عربية فصحى ترددها للعلماء والشيوخ!

دعني أحدّثْكَ عن «المتدينة» كما عرفت من ديني، لا كما لقنني الآخرون، فقد رأيت المتدينة
* مطيعة :
فهي مأمورة بطاعة زوجها فيما لا يغضب الله عز وجل، وذلك المعنى إذ يترسخ في قلبها فتراها لا تنتظر منك مديحًا لصنعها، ولا تعاندك فقط لمجرد أن تقول «أنا موجودة .«
* أنيقة وحريصة على الجمال :
فهي إذ تدرك كونها خيرُ متاع للشاب المؤمن كما يقول النبي ﷺ، فتحرص أشد الحرص أن تتزين لزوجها في بيتها تحقيقًا لمعنى «إن نظَرَ إليها سَرَّتهُ» فهي نظيفة تتفنن في إظهار محاسنها لزوجها ونظافة منزلها وأولادها، وهي أيضًا بذلك تتقرب إلى ربها.
* تعشقك أنت وفقط :
فهي إن غبت عنها «تحفظك في نفسها ومالك»، كما قال عنها المصطفى ﷺ، وذلك لا يعني أن تنعزل عن المجتمع الذكوري الذي قد تضطر أن تكون فيه بسبب عملها أو غيره، ولكنها إذ تخالط باقي الرجال لا ترى رجلًا سواك، و تجدها قوية «لا تخضع بالقول» فيطمع الذي في قلبه مرض.

* مدرسةٌ إذا فقِهَت :
مدرسة تربى فيها القادة والعلماء، فهي إذ تهتم بزوجها تراها تربي جيلًا يرى مصلحة دينه وأمته قبل نفسه، تزرع في أولادها معاني العزة والإباء، فهي تربي للأمة وليس لها فقط.
وذلك لا يعني أنك إذ تختار المتدينة فستصير حياتك وردية بلا كدر ولا مشاكل، أعذرني فهذه «حماقة» وسذاجة في التفكير، فالبيت بطبيعة الحال لا يخلو من تلك المشاكل وما بيت أمير المؤمنين «عمر بن الخطاب» عنَّا ببعيد، ولا حتى بيت النبي ﷺ الذي ازدان بأمهات المؤمنين خلا من تلك المشاكل، ولكن كانت الحكمة والمودة والرحمة من قبل الطرفين هي التي حسمت هذه المشاكل وضيقت عليها الخناق لتستمر الحياة.

‏‎فالدين هو ما يجعل علاقتهما تقوم على الود والرحمة، وهي صفات للشخصية لا تتغير مع تغير المواقف والأحوال وليس فقط على الحب وهو عاطفة متغيّرة. وهذا وحده يضمن استمرار الزواج وحرص كل طرف على الآخر عندما يخبو الشوق وتستسلم العاطفة للاعتياد.

‏‎ثم أن ما يدعو إليه الكاتب من وجهة نظر للزواج على أساس التشابه، يحدث كل يوم في العالم الغربي. فهم ليس لديهم «القيود» الدينية ويتزوجون كل يوم على أساس التشابه في الرغبات والهوايات والتوجهات. فلماذا يفشل زواجهم؟ إن الزواج على أساس التشابه، زواج قد يكون فاترًا، روتيني وممل. نعم ينبغي أن تكون هناك قاعدة أساسية مشتركة ولكن لا يعني هذا التوافق في كل شيء.

‏‎في النهاية ما أجمل إحساس أن يحب شخصٌ ما عيوبك قبل مميزاتك. ما أجمل أن يراك كما أنت ويحبك كما أنت (لا كما هو) ويتمسك بك إلى النهاية! ولن يفعل ذلك إنسان يريدك نسخة منه، بل سيفعل ذلك شخص علمه الدين أن يتحكم في أفعاله وأن يحاول دومًا إصلاح نفسه والآخرين.
نصيحتي لكم أن تتزوجوا من تعرفون جيدًا لا من يشبهكم وفقط، لأن المعرفة هي الطريق الأسرع للح ..
لا تَطْلُبنَّ محبَّةً مِنْ جَاهِلٍ ** فلَيْسَ يُحَبُّ المرءُ حتَّى يُعْرَفَا

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد