رواية المسيح يصلب من جديد للروائي والمفكر اليوناني الشهير نيكوس كازانتزاكيس، هي رواية للثورة على الظلم والحيف بامتياز. والقارئ العربي والإنسان العربي عمومًا في أشد ما يكون الحاجة إلى استلهام معاني الكرامة والنضال في زمن صار يتخبط فيه كالمجانين، وأصبحت فيه حقوقه وإنسانيته مهدورتين. إنه عصر رهيب، والجيل الحاضر من الشباب العربي أشقى أجيال الإنسان، يعيش بين شقي رحي، يعيش ثورة في الفكر والنظام الاجتماعي والتكنولوجيا من جهة ويعاني من أجل كرامته من الناحية الأخرى. نحن ننتمي إلى جيل لم يعد يعرف الطريق، كل فكرة لها قديسون وشهداء يموتون من أجلها، وكل فكرة لها شياطين وأفاعي يركبون ظهرها فكيف السبيل إلى التمييز بين الخطأ والصواب؟

في حقيقة الأمر، القضية الأولى التي تحتل مركز الاهتمام في هذه الرواية هي أن الدين في حقيقته ثورة والأنبياء في حياتهم على الأرض ثوار وقادة جاءوا ليحققوا الحياة الكريمة للناس في هذه الدنيا.

في الرواية رجال الدين ينقسمون إلى نوعين: ثوار فقراء يرفعون راية الثورة مع راية الدين، ومرتزقة يستخدمون الدين لتحقيق أطماعهم الشخصية، يستخدمونه وسيلة لانتزاع فتات الخبز من أفواه الجوعى. وبين ثناياها رجلان يقفان وجهًا لوجه، مفهومان للدين: القسيس الفقير الأب فوتيس، والقس الثري المنافق الأب جريجوريس، الأول يقود ثورة المسيحيين المخلصين من أجل العدالة الاجتماعية وتوزيع الثروة على أهل القرية والمتمردين على الحكم العثماني، والثاني يقود أغنياء القرية لحماية أملاكهم تحت سيطرة الأغا التركي. الأول جائع حافي القدمين، والثاني متخم البطن مخادع يرفل في الحرير. كازانتزاكيس قضى في جبل آتوس المقدس سنوات طويلة من شبابه وعاش مع الرهبان حياتهم الخاصة التي لا يعرفها الناس خارج الأديرة. وهو الذي حطم وعاء الطعام وقلب كأس النبيذ وصاح في الرهبان: قفوا أنتم جالسون هنا سواعدكم معقودة والعالم يجري إلى الضياع، قال الرب: لا أريد بخورًا ولا صلوات، افتحوا مخازنكم ووزعوا الخبز على الفقراء وانتشروا في الأرض لتعلنوا كلمة المسيح: المحبة والعدالة والسلام.

كان الشاب الطاهر الشجاع مانوليوس يمثل دور المسيح، وكافح مع أهل سارانيكا من أجل حقهم في لقمة الخبز من أعيان القرية ووقع الصدام. حكم الأغا والأعيان بقتله، وخيل إلى مانوليوس البريء أنه يستطيع أن يفتدي الفقراء بدمه ليعيشوا من بعده بأمان، وفي داخل الكنيسة قتلوه، وكان دمه لا يزال ساخنًا عندما انتشروا يبحثون عن جماعة سارانيكا ليبيدوهم عن آخرهم. هز القسيس الثائر رأسه في أسى ويستخلص من موت الشاب حكمة الثورة والصراع الاجتماعي، يقول هامسًا: يا عزيزي مانوليوس، قدمت حياتك دون جدوى.
ويسمع الأب فوتيس جرس الكنيسة يعلن ميلاد المسيح يتنهد ويقول: وهذا أيضًا أيها الرب كان بدون جدوى، انقضى ما يقرب من ألفي عام وما زالوا حتى يومنا هذا يصلبونك، متى تأتي أيها الرب إلى الدنيا فلا يصلبونك مرة أخرى، حسبنا آلامًا ودموعًا وصلبًا. كفى ما أصابنا من تحقير وضرب بالسياط.

وهنا في هذه الرواية تظهر وجودية كازانتزاكيس: في هذا العصر الرهيب الذي أصبح فيه الأشرار سادة العالم، وأصبح الأبرار مستضغفين مقهورين. هل الطريق مسدود إذن أمامنا، هل سقط العالم نهائيًّا في يد الشيطان؟ لا إنسان المستقبل لم يظهر بعد والشباب روح العالم. القضية هي أن يجد الإنسان مثلًا أعلى يجعله الهدف الأوحد لوجوده، وإذ ذاك تكتسب حياته معنى، ويتحول موته إلى خلود، وليكن هذا المثل الأعلى باسم: الوطن، الله، الحرية، العدالة فالمهم أن تؤمن به وتعمل من أجله. وهنا تبدو وجودية كازانتزاكيس واضحة أكثر: ذوبان الهدف في الفعل، نسبية السلوك، نسبية الحقيقة.

نحن في هذه الرواية أمام كاتب صاحب قلب متمرد حائر يبحث عن شيء يتعلق به، مجرد هواجس للعجز والقلق، ثم لا تلبث أن تزول ليحل محلها طريق جديد، طريق الناس البسطاء، طريق الحرية والثورة، طريق العدل والكرامة، طريق الوحدة بين السماء والأرض. لكن كيف تستطيع أن ترفع رايتك الخاصة في عالم قسمه خط النار والأيديولوجيا إلى قسمين منفصلين؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد