يقول تعالى: ﴿إِنَّ مَثَلَ عِيسَىٰ عِندَ اللَّهِ كَمَثَلِ آدَمَ ۖ خَلَقَهُ مِن تُرَابٍ ثُمَّ قَالَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾ [آل عمران: 59]

ذكر المفسرون في مناسبة نزول الآية أنها كانت ردًا منه تعالى على وفد نصارى نجران الذين حاجوا رسول الله صلى الله عليه وسلم حول المسيح عليه السلام، واعترضوا على قول رسولنا عن المسيح «إنه عبدُ الله وكلمته ألقاها إلى مريم وروحٌ منه»؛ إذ لم يعجبهم وصف الرسول المسيح بالعبودية لله، لكن وافقوه في أنه كلمة الله.

والمسلمون كلهم على أن المسيح رغم ولادته من السيدة العذراء دون أب فهو ليس ابن الله كما أنه ليس هو الله تجسد في رحم السيدة العذراء. هذا على عكس اعتقاد أغلب المسيحيين الذين يعتقدون في فكرة الإله المتجسد.

وكان اعتقاد المسيحيين في أزلية كلام الله تعالى السبب الرئيسي في تأليههم المسيح عليه السلام، ورفضهم كونه عبد الله ورسوله، لكن المفارقة أن غالبية المسلمين أيضًا يعتقدون أن كلام الله قديم!

كلمة الله بين الاعتقاد المسيحي والاعتقاد الإسلامي

من أوسع الجدالات العقدية وأشهرها لدى المسلمين كان الاعتقاد في صفة كلام الله عز وجل، وأهم مباحث الكلام هو الجدال حول هل هو قديم أزلي أم مخلوق مُحدَث؟، ويرتبط بها توصيف صفة الكلام فهل هو صفة ذات أم صفة فعل؟، وقضية المدلول والدلالة، أو ما يُعرف أحيانًا بالتلفظ، ثم هناك مباحث فرعية أقل أهمية حول طبيعة الكلام الإلهي وهل هو حرف وصوت أم كلام نفسي.

في المشهور أن هذا الجدل قد بدأ لدى المسلمين ردًا على القس النصراني يوحنا الدمشقي، في كتابه «الهرطقة المائة»، حول تفسيره لوصف القرآن للمسيح عليه السلام بأنه «كلمة الله». وكان هذا بداية ما عُرف في تاريخ الإسلام بعلم الكلام «علم دراسة العقائد الإسلامية»، لأن بدايته كانت مناقشة اعتقاد المسلمين في صفة الكلام لله عز وجل. ومن هنا جاءت عقيدة المعتزلة الأشهر التي يُعرفون بها؛ وأعني خلق القرآن، أي حداثته، باعتبار أن القرآن كلام الله، والتي خالفهم فيها أهل السُنة وقرروا أن كلام الله قديم. وقد سبق أن ناقشنا اعتقاد المعتزلة في الكلام وحجج أهل السُنة الأشاعرة في المقابل في الجزء الأول من سلسلة مقالات «عقيدة المعتزلة.. عرض ونقد».

في كتاب «الهرطقة المائة» ليوحنا الدمشقي نجد حوارات بين مسلم ومسيحي حول موضوعات أهمها حرية الإنسان وحقيقة المسيح عليه السلام وأمه مريم، وبالتالي تطرق الحوار حول كلام الله تعالى وهل هو مخلوق (مُحدَث) أم أزلي قديم (غير مخلوق) باعتبار أن المسيح كلمة الله.

وتحت عنوان «المسيح والله» يذكر الدمشقي في كتابه (ص70) «إذا ما سألك المسلم قائلًا: من هو المسيح برأيك؟ قل له دونما خشية من الخطأ في ذلك: إنه كلمة الله، لأن الكتاب المقدس يدعوه كلمة الله، وحكمته، وساعده، وقدرته، وألقابًا أخرى عديدة مشابهة، إذ أن له ألقابًا عديدة في الواقع».

كما يذكر الدمشقي عن عقيدة المسلمين (ص50) «اللاهوت القرآني هو يقول إنه يوجد إله واحد خالق لكل الأشياء، وإنه لم يولد ولم يلد. والمسيح بحسب رأيه هو كلمة الله وروحه، بيد أنه مخلوق وعبد وُلِد دونما زرع».

ثم ينكر الدمشقي (ص54) على المسلمين اعتبار من يؤمن بالتثليث مشركًا. يقول: «أنتم القائلون بأن المسيح هو كلمة الله وروحه، لِمَ تهينونا كمشركين؟ –أي لِم تعتبرونا مشركين؟- فالكلمة والروح هما غير منفصلين عمّن يكونان فيه بالطبيعة. وإذا ما كان المسيح في الله من ثمّ على أنه كلمة الله، فيكون هو أيضًا الله بالتأكيد. أما إذا كان خارج الله، فيكون الله بدون كلمة وبدون روح حسب رأيكم، وهكذا تشوهون الله في تحاشيكم إشراك أحد بالله».

أما أن المسيح كلمة الله فهذا يوافق حقيقة اعتقاد جميع المسلمين في المسيح، والقرآن الكريم يؤكد ذلك، ولكن المسلمين -على اختلاف عقائدهم- لا يعتقدون أنه الله أو أنه ابن الله كما يعتقد أغلب المسيحيين ‏﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ وَلَا تَقُولُوا عَلَى اللَّهِ إِلَّا الْحَقَّ ۚ إِنَّمَا الْمَسِيحُ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ اللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَىٰ مَرْيَمَ وَرُوحٌ مِّنْهُ ۖ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ۖ وَلَا تَقُولُوا ثَلَاثَةٌ ۚ انتَهُوا خَيْرًا لَّكُمْ ۚ إِنَّمَا اللَّهُ إِلَٰهٌ وَاحِدٌ ۖ سُبْحَانَهُ أَن يَكُونَ لَهُ وَلَدٌ ۘ لَّهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ ۗ وَكَفَىٰ بِاللَّهِ وَكِيلًا﴾‏ [النساء: 171].

والدمشقي في محاوراته التخيلية بين المسلم والمسيحي يفترض أن المسلم إن قال أن كلمة الله قديمة غير مخلوقة فقد وافق بذلك قول المسيحي بأن المسيح غير مخلوق، وهو الله. يقول (ص70): «ها إنك توافقني في الرأي، لأن من لم يخلقه أحد بل من يخلق كل الأشياء، إنما هو الله». أما إن قال المسلم إن الكلمة مخلوقة والله خالقها فقد غالط الدمشقي بافتراض أن نفس الشخص قد قال من قبل أن الكلمة غير مخلوقة!، ثم يتساءل إن كان الله بدون كلمة قبل خلقها!

ربما كانت هذه المغالطة منه ترجع إلى أن المسلمين منقسمون حول الاعتقاد في الكلام، وأشهر الأقوال في ذلك هو اعتقاد الأشاعرة ويقابله اعتقاد المعتزلة، لكن انقسامهم لا يعني أن هناك من يعتقد الشيء ونقيضه، أو أن هناك من يوافق المسيحيين في اعتقادهم بأن المسيح هو الله لأنه كلمته القديمة، لأنه قد غاب عن الدمشقي، وهو ما يغيب عن المسيحيين إلى يومنا هذا؛ أن اعتقاد أهل السُنة –وهم عموم المسلمين- أن الكلام صفة قديمة قائمة بذاته تعالى، لكنهم يميزون المدلول القديم عن الدلالة الحادثة. وإن كان الدمشقي كثيرًا ما يتبنى معتقد المعتزلة على أنه اعتقاد سائر المسلمين أثناء حواراته، رغم أنه لا يرد عليهم بل يتهرب بادعاء التناقض كما أوضحنا.

المدلول القديم والدلالة الحادثة

يذكر الشهرستاني في «المِلل والنِحل» (ج1، ‏ص82-83) عن اعتقاد المسلمين من أهل السُنة الأشاعرة في أن كلام الله تعالى قديم أزلي قائم بذاته تعالى «والدليل على أنه متكلم بكلام قديم، ومريد بإرادة قديمة. قال: قام الدليل على أنه ‏تعالى ملك، والملك من له الأمر والنهي، فهو آمر ناهٍ، فلا يخلو إما أن يكون آمرًا بأمر قديم أو ‏بأمر مُحدَث، فإن كان مُحدَثًا فلا يخلو إما أن يُحدثه في ذاته، أو في محل أولًا. ويستحيل أن ‏يحدثه في ذاته، لأنه يؤدي إلى أن يكون محلًا للحوادث، وذلك محال، ويستحيل أن يكون في محل ‏لأنه يوجب أن يكون المحل به موصوفًا، ويستحيل أن يحدثه لا في محل، لأن ذلك غير معقول، ‏فتعيّن أنه قديم قائم به صفة له»أهـ.‏

ويلخص الإمام الغزالي اعتقاد أهل السُنة الأشاعرة في الكلام في «الاقتصاد في الاعتقاد» (ص92- ‏‏93) قائلًا: «صفة الكلام صفة أزلية قديمة، قائمة بذات الله، غير منفصلة عنه، ويستحيل على الله ‏ضدها. وهذه الصفة لله تعالى ليست بحرف ولا صوت. ونحن –أهل السُنة- لا نثبت لله تعالى إلا ‏كلام النفس».

ويميز المسلمون السُنة الأشاعرة بين الكلام النفسي القديم القائم بالذات (المدلول)، وبين الدلالات عليه الحادثة المخلوقة، على اختلاف هذه الدلالات؛ فالقرآن الكريم مثلًا باعتباره أيضًا كلام الله تعالى القديم، كان إنزاله على نبينا وتلاوتنا وكتابتنا له محدثة. روى السُبكي في «طبقات الشافعية» (ج8، ص224) قول الإمام العز بن عبد السلام في ‏‏»مُلحة الاعتقاد» «‏﴿مَا يَأْتِيهِم مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِم مُّحْدَثٍ‏‏﴾‏‏ [الأنبياء:2]، جعل الآتي محدثًا، فمن زعم ‏أنه قديم فقد رد على الله سبحانه وتعالى، وإنما هذا الحادث دليل على القديم، كما أنّا إذا كتبنا اسم ‏الله تعالى في ورقة لم يكن الرب القديم حالًا في تلك الورقة، فكذلك إذا كُتب الوصف القديم في ‏شىء لم يحل الوصف المكتوب حيث حلت الكتابة»أهـ. ‏

وربما كان صلب الإشكالية المسيحية التي تسببت في التباس اعتقادهم في المسيح عليه السلام أنهم لم يميّزوا بين المدلول القديم الأزلي لكلام الله والدلالات عليه المخلوقة المحدثة.

فاعتقاد أهل السُنة من المسلمين في أزلية كلام الله يتفق مع الاعتقاد المسيحي، لأن أمره تعالى قبل خلقه، وكل الأجرام السماوية وكل الأنواع الحية خُلقت في البدء بالكلمة «كُن»، ثم استمر كل نوع بفعل قوانين أوجدها الله تعالى تعمل عليه.

ولكن يدور الاختلاف حول نقطتين رئيستين

  • كلام الله القديم الأزلي وفقًا لاعتقاد أهل السُنة من المسلمين قائم بذاته تعالى، وهذا الكلام الأزلي لا يفارق الذات الإلهية، ولكنه ليس عين ذاته كما توحي بذلك النصوص المسيحية التي جعلت المسيح هو الله لأنه كلمة الله.
  • كلام الله تعالى مدلوله قديم، بحيث قضى تعالى في الأزل أن يُخلق المسيح كما قضى أن يُخلق آدم، وكذا سائر المخلوقات والأنواع، ولكن الدلالات عليه حادثة، فـ «كُن» صدرت منذ الأزل، ولكن «يكون» تأتي عندما يحين موعدها. والفاء بينهما دلالة استجابة ولا علاقة لها بالزمن لأن دائرة الزمن لا تشمله تعالى.

عنده أم الكتاب

إذًا كتاب الخلق موجود أزلًا وفقًا لعقيدة المسلمين، ولكن حالنا أشبه بمن يقرأ صفحاته، فتظهر تباعًا، ولا يعني هذا أن صفحة (5) قد كُتبت بعد أن انتهينا من قراءة صفحة (4)، فالصفحات كلها مكتوبة، ولكن الدلالات تظهر أمامنا تباعًا.

﴿وَعِندَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إِلَّا هُوَ ۚ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ ۚ وَمَا تَسْقُطُ مِن وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ [الأنعام: 59]

والله يخبرنا في كتابه أن هناك قضاءً مبرمًا لا يُبدَّل ولا يتغير وقضاء مُعلَّقًا قد يتغير. ﴿يَمْحُو اللَّهُ مَا يَشَاءُ وَيُثْبِتُ ۖ وَعِندَهُ أُمُّ الْكِتَابِ﴾ [الرعد: 39]

روى القرطبي في تفسير الآية «وسئل ابن عباس عن أم الكتاب فقال: علم الله ما هو خالق، وما خلقه عاملون؛ فقال لعلمه: كن كتابًا، ولا تبديل في علم الله. قال كعب الأحبار: أم الكتاب علم الله تعالى بما خلق وبما هو خالق».

﴿وَاللَّهُ خَلَقَكُم مِّن تُرَابٍ ثُمَّ مِن نُّطْفَةٍ ثُمَّ جَعَلَكُمْ أَزْوَاجًا ۚ وَمَا تَحْمِلُ مِنْ أُنثَىٰ وَلَا تَضَعُ إِلَّا بِعِلْمِهِ ۚ وَمَا يُعَمَّرُ مِن مُّعَمَّرٍ وَلَا يُنقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ [فاطر: 11]

وفي كتب الصحاح عشرات الأحاديث التي تشير على المسلمين بالدعاء ليتغير ما كُتب لهم إن كان شرًا، ولتزيد أرزاقهم ولتطول أعمارهم بصلة الأرحام، وغيرها.

جاء في سنن الترمذي (2139) قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا يرد القضاء إلا الدعاء، ولا يزيد العمر إلا البر».

بل إن التعبيرين يمحو ويثبت ذاتهما دلالةً على أن شيئًا جديدًا لم يُكتب.

قد يفرح بهذا الكلام الجبريون، أصحاب نظرية أن كل شيء مكتوب مقسوم سلفًا، ولا دخل لنا بما يحدث، ولا قدرة لنا على تغييره. هذا غير صحيح بنص كتاب الله الذي يؤكد أن الله تعالى استخلف الإنسان في الأرض بعد أن أعطاه الحرية أن يؤمن أو يكفر، كما أعطاه العقل الذي يهتدي به ويسترشد سبيله. يقول تعالى: ﴿أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ* وَلِسَاناً وَشَفَتَيْنِ* وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ﴾ [البلد: 8-10]

الخلق الذي أُعطي الأمر بكينونته بالكلمة القديمة ظهر بالتتابع ‏

كي نفهم حقيقة معنى أم الكتاب أو كتاب الخلق، وكيف يختار الإنسان مع وجود هذا الكتاب، نعود إلى القرآن الكريم. ورد اسم الخلّاق في القرآن الكريم مرتين: ‏

‏﴿وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا إِلَّا بِالْحَقِّ ۗ وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ ۖ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ ‏‏«85» إِنَّ رَبَّكَ هُوَ الْخَلاَّقُ الْعَلِيمُ «86»﴾ [الحجر: 85-86]‏

‏﴿أَوَلَيْسَ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ بِقَادِرٍ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُم ۚ بَلَىٰ وَهُوَ الْخَلَّاقُ الْعَلِيمُ ‏‏«81» إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ «82» فَسُبْحَانَ الَّذِي بِيَدِهِ مَلَكُوتُ كُلِّ ‏شَيْءٍ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ «83»﴾ [يس: 81-83]‏

في كلا الآيتين نجد اقترانًا لطيفًا بين اسميّ الخلّاق والعليم، وأنهما وردا معًا في معرض ذكر ‏الأمر الأول بخلق الكون، والتذكير في نفس اللحظة بختامه، وكأنه مشهد واحد مجمل.‏

في البداية، كان الله ولا شيء معه، وفي البدء كانت الكلمة (كُن)، فكان الخلق الأول بالكلمة ‏القديمة، ‏ولكن ذلك الخلق الذي أُعطي الأمر بكينونته، ظهر بالتتابع وليس فجأة. التتابع ليس ‏فقط هو الستة أيام، بل وحتى نهاية العالم يمكن أن تظهر أنواع حية جديدة –أنواع وليس أفراد- قدّر الله أن توجد في الأزل ولكن ظهر أول أفرادها عندما حان وقت ظهورها. سبق أن ناقشنا نظرية الخلق في مقال «الله الخلّاق».

وذلك العالم ‏الذي يذكرنا الله تعالى باسميه الخلّاق ‏العليم عند ذكر خلقه إجمالًا من بدئه إلى ختامه، كل ما سيظهر فيه هو من خلقه، وغير ‏غائب عن علمه.‏ وعلم الله كما نعلم واحد، يتعلق بجميع المعلومات، المستحيل والجائز والواجب، والموجود والمعدوم، ويتفرع ‏عن ذلك العلم بالمعدوم الغيبي أن كلام الله قديم حتى ولو دلّ على ما حدث ‏بعد بدء الخلق بآلاف السنين.

هذا التصور الديني الإسلامي للخلق والإيجاد الكلي يتفق مع مفهوم نسبية الزمن لأينشتاين. وفقًا للنظرية ‏النسبية، فإن الزمن لا يتدفق كما كنا نتوهم، الماضي والحاضر والمستقبل كله موجود، فلا ‏الماضي ذهب، ولا حوادث المستقبل تنتظر أن تُوجد، بل هي خيارات أمامنا سنختار أحدها، ‏ونمضي، وما نختاره لا سبيل للرجوع لاختيار بديل له، وإدراكنا هو ما يحدد لنا ما نسميه ‏الزمن.‏

أما في العقيدة المسيحية فالمسيحيون مقتنعون بأن الكتاب المقدس لم يثبت أن الله خلق أي شيء بعد الأسبوع الأول لخلق العالم، وأن الإنسان قد خلقه الله قرب نهاية هذا الأسبوع، ثم وَلد الإنسان الإنسان. وكذا فكل الأنواع حيوانات ونباتات خلقها الله في الأسبوع الأول بالكلمة «لتنبت الأرض عشبًا وبقلًا»، ثم هي تتناسل إلى يومنا هذا بقوانين أودعها الله في الكون لتحفظ نظامه. هذا في حد ذاته يعني أن المسيحية لا تقبل فكرة خلق الله لأنواع أخرى –وليس أفراد- من الكائنات الحية بعد أسبوع الخلق الأول، وليس هذا موضوع حديثنا الآن على كل حال.

وبما أن المسيح كلمة الله، وكلمة الله قديمة، فمن هنا جاءتهم فكرة الإله المتجسد. لكن المسيح عليه السلام وفقًا لعقيدة جميع المسلمين كان معجزة توقفت عندها القوانين التي سرت منذ الخلق الأول، لم يُخلق من أب وأم مثل ‏باقي البشر، لذا فهو كلمة الله القديمة، خُلق خلقًا مباشرًا من الله تعالى دون قوانين، وكان الأمر الإلهي بخلقه بالكلمة القديمة ‏‏»كُن» مثل آدم، وتحققت الدلالة عندما حان وقت إشراقه على الدنيا. مدلول قديم ودلالة مُحدَثة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد