أن أنتخب هو أن أبحث عن الطرف الأقوى الذي يُشترط فيه أن يُلبي لي نداءاتي وكامل طلباتي. ولا عجب أن نرى سواد المصوِّتين في الانتخابات المصرية هم من المنتمين للديانة المسيحية طالما تتفق احتياجاتهم ويُلبيها لهم المأمول فيه، ألا وهو عبد الفتاح السيسي.

لكن لِمَ انتخب المسيحيون السيسي وهم على مثل ما نحن عليه يُشاركوننا الفقر وسوء التعليم وانعدام الرعاية الصحية وسوء إدارة الدولة والجهل الفكري والبطالة وكثير من مشكلات أخرى ظهرت بعد يناير. لم يُقرر المسيحيون المشاركة في انتخابات هم في غنى عنها إلا لأهداف سعوا إليها ويبحثوا عن إتمامها؛ فهم لم يشاركوا دعمًا لبرنامج أهدافه مضمونة التحقق إن وُجد أصلًا، ولا لشخص معروف بالعدل، بل صوتوا لشخص قضى مُسبقًا على فكرة أسلمة الدولة، قضى على فكرة أن تكون مصر دولة دستورها الشريعة الإسلامية.

لكن هل أنا مفكر عاقل إذ أختار الظلم وديانتي على أن أختار العدل والإسلام.

الناس على ما هم عليه من فصائل وأفكار لا نستطيع حصرها، لكن كل فئة تنتمي لأسمى ما وُجد (الدين)، ولا عجب أن يعيش الإنسان فقرًا فيه أمر دينه مسموع أو أقله غير مضطهد. ما معناه؟ إن بسطنا أمرنا وأوضحنا المسألة لسألنا أنفسنا عن موقف المسيحيين في دولة نظامها إسلامي؛ سنجد أن المسيحيين لهم الحق في الحريات والعمل وممارسة شعائر دينهم. هذه أمثلة لحق المسيحي في أرض دستورها إسلامي، ومثل ما لهم من حقوق فُرضت عليهم واجبات. نحن بشر وإن أخذ حقي لا يكفيني، بل أميل إلى ما يزيدني، وها هو قد أتى الشخص، أو عُدنا للنظام الذي سيُزيدهم. هم لا يريدون أن ينحصروا فيما أتاحت لهم الشريعة الإسلامية؛ لتكبرهم عن أن ينزلوا بأمرهم لحكم الإسلام فيهم بأن لهم الأمان والمواطنة وغيرها.

أما السيسي، وغيره من هذه الأنظمة، فلا يعرف الانتماء الديني، وكلٌ عنده سواء. وبمجرد تساوي الطرفين عند الحاكم زادت كفة المسيحيين وحصلوا على أكثر الحقوق، وبهذا تزيد حقوق المسيحيين عما قررته الشريعة الإسلامية.
إن أكثر من ذلك هو أنه كلما زاد سوادهم زاد قربهم من الحاكم فيدعمونه بأصواتهم التي من شأنها أن تُرجح كفة على الأخرى فيدعمونه ويُرقيهم عنده فيصير لهم أمر السلطان في بلد ينُص دستوره، ويتحدث تراثها عن أن دينها هو الإسلام وحكمها به وسوادها معتنقه ورئيسها ينبغي أن يكون معتزًا بأمر دينه.

ما أُجرم عليهم فعلتهم من الدافع الديني فالناس على أمرين؛ إما باحث عن رفعة الدين على حساب الوطن، أو باحث عن رفعة الوطن على حساب الدين. وفي بلد ليس فيها إلا ديانة واحدة سيكون الصنف الثاني أمرًا في صالح الدولة، أما في بلد مثل مصر ستكثر الصراعات، ولن يتخلى فريق عن دينه.

أُنكر على من يقول إننا لابد وأن نُقنعهم برأفة الإسلام وإعطائهم الحرية وما هو عليه من سماحة وعدل لكل البشر لا أهله فقط لأن صاحب الدين مُدافع عنه مهما حدث وبكافة السبل الممكنة. ستجدهم رافضين فكرة وجود حاكم مسلم مُتدين، فضلًا عن أن يكون صاحب توجه إسلامي.

لديهم كامل الحق في انتخاب كائن من كان، وما هم بمخطئين؛ لأن دافعهم الدين، لكن كما لم أجرم فعلتهم لدافعهم الديني، فإني أُجرَم الأمر من النظرة الوطنية، ففضلوا ظلم بعض شركاء الوطن على العدل والفقر للطبقة الكادحة عن التوسط في الدخول والديكتاتورية والتفرد بالرأي عن الديمقراطية والتشارك.

تحدثت أمام بعض من نزل مُصوتًا من المسيحيين، ما أنكروا علىَّ حجتي، وما منعوا قالتي، وما خالفوني الرأي، وكنا على تناغم في الرأي لا الفعل بنسبة تكاد تتطابق، لكن لمجرد أن هُيئ لهم أن أمرهم منته إن وصلت لحاكم إسلامي، وأن أمر دينهم في خطر، وأن عليهم أن يضحوا بحالهم مقابل دينهم، أوصلهم لاختيار ما اختاروه من النزول على ما سبق ذكره.

العدل يعُم الجميع والظلم يطالنا كلنا، وللظلم أشكال، السجن منها، وغيرها كثير. إن غاب الظلم عني اليوم، فهو طارق بيتي غدًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد