نتناول في مقالتنا هجرة المسيحيين ونحاول أن نبرز عوامل هجرة المسيحيين من العراق أو بقائهم على أرضهم، وفي الوقت ذاته عبر بطريرك الكنيسة الكلدانية الكاردينال لويس رفائيل الاول ساكو عن قلقه من وضع المسيحيين ومستقبلهم والأوضاع الراهنة التي تمر بها البلاد.

المسيحيون في العراق هم الاُصلاء وأهل هذه الأرض، لم يأتوا إليه كجالية هاجرت من كوكب آخر أو من بلاد أخرى، وتعود جذورهم الدينية إلى القرن الأول الميلادي، والجذور العرقية (كلدان، سريان، أشوريون، وحتى عرب) وهذه الجذور تعود إلى آلاف السنين، ولقد قدم المسيحيون خلال هذا التاريخ الطويل خدمات ذات أهمية كبيرة اقتصادية واجتماعية وثقافية وحتى سياسية.

وسنذكر أسباب وعوامل عديدة أدت إلى هجرة المسيحيين خارج العراق:

تعرضوا لضغوط اجتماعية وسياسة والتعامل معهم كأقلية دينية واعتبروه أمرًا موجعًا، وما تعرضوا له بعد سقوط النظام عام 2003 من إخفاق الحكومات المتعاقبة في إرساء أسس الدولة الوطنية، وترسيخ مبدأ المواطنة والمساواة، بدلًا عن المحاصصة الطائفية، وتصاعد موجة الخطاب المتشدد.

تفاقم الوضع الأمني، وخصوصًا خلال 13 سنة الماضية، وما تعرضوا له من خطف ودفع فدية مقابل الإفراج عن مختطفيهم، والقتل والتفجير والاستيلاء على بيوتهم وممتلكاتهم في مناطق عديدة من البلاد، كل هذه الامور أدّت إلى اهتزاز ثقة المسيحيين.

سيطرة «تنظيم الدولة الدولة الإسلامية (داعش)» على مدينة الموصل وبلدات سهل نينوى في عام 2014، حيث تم إفراغها من المسيحيين، وذلك بتخييرهم بين اعتناق الإسلام، دفع الجزية، القتل، وخيار رابع لم يكن بالحسبان، وهو التهجير وبأثرها غادر المسيحيين مدينة الموصل وبلدات سهل نينوى قاصدين مناطق آمنة مثل محافظات كردستان العراق والعاصمة بغداد والبعض غادر البلاد بشكل مباشر.

وقام تنظيم (داعش) الإرهابي بطمس المعالم المسيحية القديمة والحديثة في مدينة الموصل وبلدات سهل نينوى، حيث فجروا وحرقوا ودنسوا حوالي 58 كنيسة.

وقام أيضًا التنظيم الإرهابي بالاستيلاء على دور المسيحيين وسرقتها وحرقها في مدينة الموصل وبلدات سهل نينوى.

وكما أن أطرافًا سياسية بعد سقوط النظام تصارعت على بلدات سهل نينوى ذات الغالبية المسيحية وسميت بالمناطق المتنازع عليها.

وقتل الكثير من المسيحيين خلال 13 سنة الماضية في حوادث عنف متعددة في عموم العراق، قتل على الهوية، ومنهم رجال دين، وطلاب مدارس وجامعات، وآخرون… هذا عدا ما قام به تنظيم الدولة الإسلامية (داعش) من قتل وتهجير وحرق وتدنيس الكنائس.

كان المسيحيون يمثلون نحو 5% من سكان العراق، وكان يقدر عددهم قبل سقوط النظام حوالي مليون ونصف مليون ونصف المليون.

كل هذه العوامل جعلت المسيحيين يشعرون بالخوف والمستقبل المجهول وكرامتهم المهدورة وثقتهم المكسورة، ووجودهم المهدد في تاريخهم وهويتهم ومعتقدهم ولغتهم.

وبسبب هذه العوامل هاجر ما يقارب مليون مسيحي من البلاد من أصل 1.5 مليون، بتشجيع من المنظمات الدولية حيث قدمت التسهيلات لهم، وما زالت هجرتهم مستمرة إلى يومنا هذا.

عوامل تشجع المسيحيين على البقاء

يحتاج المسيحيون إلى تطمينات للبقاء والتواصل مع تاريخهم وهويتهم وحضارتهم ومواطنيهم، يجب أن تنظر إليهم الحكومة كما تنظر إلى الآخرين، وتشعرهم أنهم مواطنون متساوون في الحقوق والواجبات، والدولة الوطنية لا تقوم على أساس الدين والمذهب، بل على قواسم مشتركة وأهمها الإنسانية.

كما يحتاجون إلى احترام خصوصيتهم واحترام وحماية مناطقهم، ويحتاجون إلى إعادة بناء الثقة بينهم وبين جيرانهم من مختلف الديانات والقوميات في المناطق المحررة من تنظيم (داعش) الإرهابي.

تعويض الضحايا، استعادة أملاكهم التي استولى عليها تنظيم (داعش) الإرهابي، ورفع الإلغام من حقولهم والمناطق القريبة من منازلهم، وإعادة إعمار ما خربه (داعش) الإرهابي ليعودوا إلى بيوتهم ومناطقهم.

في هذا الظروف وبعد دحر أشرس تنظيم إرهابي مر على العراق والمنطقة وفعل ما فعل من قتل وتفجير وتهجير وسبي وخطف وكل الوسائل الهمجية التي قام بها يجب تحقيق العدالة الاجتماعية وتكافؤ الفرص.

ويحتاج الوضع أيضًا إلى التوعية والتنوير وثقافة قبول الآخر، والاحترام المتبادل بين أهل الديانات والقوميات المختلفة، ورفض أي إساءة إلى أي مواطن بسبب دينه أو معتقده أو مذهبه أو جنسه.

الدين لله والوطن للجميع والكل أخوة في هذا الوطن وإخوة في الإنسانية أيضًا.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد