كثيرًا ما أجد من المسلمين المصريين من يفتخرون بصوم الأقباط في رمضان، فهذا يبشر بصوم صديقه المسيحي، وتلك تنبئ بصوم زميلتها المسيحية، كأنهما وصلا إلى نتيجة إسلامية نادرة ربما يعتبرونها دليلا على انتشار الإسلام وتوغله في نفوس المسيحيين على غير الحقيقة، إلا أنني على أي حال لا أجد صوم الأقباط في شهر رمضان موضعًا للفخر، خاصة وأن صومهم لا يرجع إلى الإيمان بالإسلام أو حتى التأثر به إنما يرجع لدوافع أخرى دعونا نعرضها بصراحة متناهية:

1- الدافع الشائع لدى غالبية الأقباط لصوم رمضان هو الخوف من الفرز والتمييز، فإذا كان كثير من المسلمين يضعون أنفسهم حكامًا على بعضهم البعض في كل صغيرة وكبيرة فما هو حال المسيحيين إذن عندهم، ما إن يحاول شخص أن يشرب أو يأكل في رمضان حتى تتجه إليه الأنظار المشمئزة والمحتقرة كأنه اقترف جرمًا، حينها تتعالى الأصوات المعلنة: اللهم إني صائم، هذا الضغط النفسي والمجتمعي خلقته القبلية التي نعيش فيها في مصر، وهو ليس ضغطا على المسيحيين فقط بل على المسلمين أيضًا، إنها وصاية لا تنم عن صوم هادف لعلاقة بين الله والإنسان إنما يهدف بالدرجة الأولى إلى علاقة الإنسان بالمجتمع مما يفرغه من محتواه الروحي، فما هي فائدة الصوم عندما يتحقق بالإجبار؟

الصائم في هذه الحالة لا يتقرب إلى الله بأي شكل من الأشكال، وأين الإشكال عندما أصوم ويفطر آخرون؟ هل نصبني الله ديانا للناس لكي ألاحقهم وأراقبهم في حياتهم الخاصة، أم أنني ضعيف دينيًا لدرجة أنني أتأثر بطعام أو شراب الآخرين؟! يبدو أن الكثيرين في مصر لا يدركون المعنى الحقيقي للصوم الذي نتعبد به لله لا للناس.

2- أتذكر في شهر رمضان من العام الماضي هذا الشاب الذي رأيته جالسا على المقعد المجاور لي في أحد أتوبيسات النقل العام، يختلس القضمات من قطعة بسكويت يخبئها بيده، كان يخشى افتضاح سره، يقضم قضمة من البسكويت وهو منبطح ثم يعتدل على كرسيه ليمضغها في هدوء وبين المضغة والأخرى فترة من الصمت يراقب فيها نظرات الناس، حينها تسائلت ما هذا الإرهاب الذي صنعه المجتمع بالناس؟ هل يرضى الله به؟

إن هذا الأسلوب في فرض المناهج الدينية بالتأكيد لن يمنع انتفاءها في الخفاء، وأعتقد أنه غير صالح لنهضة دينية حقيقية بمجتمع نامٍ، وبالتالي لا يصلح لنهضة من أي نوع آخر لأن الدين هو مصدر للسلوك الإنساني فعندما يكون هذا السلوك مشوهًا فلا تنتظر أي خير أو نجاح من ذلك الإنسان.

3- الحفاظ على مشاعر الأصدقاء والجيران من الأسباب التي تدفع الأقباط أيضًا إلى الامتناع عن المأكل والمشرب، غير أن المسلمين لا يمتنعون عن الأطعمة والمشروبات طوال أصوام الأقباط، بل إنهم في الغالب لا يعرفون مواعيدها من الأصل، وعندما يحل صوم رمضان باعتباره الصوم الإسلامي الوحيد غالبا ما تكون النظرة الإسلامية الغالبة أن المسلمين وحدهم يصومون أو أن الصوم استحداث إسلامي لم تقره أديان أخرى، مع العلم أن حجم صوم الأقباط يزيد على 7 أشهر في السنة الميلادية الواحدة، يتخلله فترات من الانقطاع عن الطعام بعكس ما هو شائع عن الأصوام المسيحية أنها تلتزم بالأطعمة النباتية فقط.

5- الدافع الثالث لصوم الأقباط خلال شهر رمضان هذا العام بشكل استثنائي هو صوم الرسل الذي يبلغ 41 يومًا، هذا الصوم قد بدأ قبل صوم رمضان في الأول من يونيو الماضي ويستمر حتى يوم 11 من شهر يوليو الجاري، فلا تتعجب من امتناع صديقك المسيحي عن الطعام خلال فترة صومك، ولا تحاول بأي شكل من الأشكال أن تسأله عن صومه لأنه من المفترض أن يحاول على قدر استطاعته إخفاء صومه والاحتفاظ به في قلبه بينه وبين الله لكي يتحقق بالشكل الصحيح دون أن يتعرض إلى أي شبهة من البطلان بحسب وصية السيد المسيح الواردة بإنجيل متى “أحد الحواريين” الإصحاح السادس: وأما أنت فمتى صمت فادهن رأسك واغسل وجهك، لكي لا تظهر للناس صائمًا بل لأبيك الذي في الخفاء، فأبوك الذي يرى في الخفاء يجازيك علانية.

 

أتمنى صومًا نقيًا هادفًا لكل المصريين في هذه الفترة من العام بصومي رمضان والرسل، لعل هذا الصوم المصري الجماعي يهيئنا ويهيئ بلادنا للتقدم والازدهار في المستقبل القريب بإذن الله، ولا يكون مجرد عادة تراثية خاوية من المشاعر والإنجازات الروحية والأخلاقية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد