اعترض صديقي اليمني المقيم في السعودية عندما رأى قصتي في «إنستجرام» بهذا العنوان: كيف يصير كريسماس وفي مكة هم؟

للوهلة يبدو أن تساؤله مشروع، كيف جمع العمري حفل عيد الرأس السنة الميلادية في مكة المكرمة، بل ربما ستقول: كيف استطاع أن يكسر هذا الخط الأحمر بهذه السهولة؟

لقد كان العنوان ذكيًّا وجاذبًا، ولم يكن تسويقيًّا فقط، بل كان يتناغم مع ما ورد من أحداث وأفكار في ثنايا الرواية.

في «كريسماس في مكة» ستعرف أن العمري أراد أن ينهي الجدل الحاصل في تهنئة المسيحيين بعيد رأس السنة الميلادية، حتى أن سعدًا عندما يتحدث عن جارتهم،«شلون أشوف جارتي المسيحية وما أقول لها كل عام وأنتم بخير»، بل استطاع أن يخرجها من حيز الخلاف العقدي، ليجعلها قضية اجتماعية، وهو ما أراه أن التهنئة من القضايا الاجتماعية لا علاقة لها بالعقيدة والدين.

استطاع العمري أن يحمل شجرة الكريسماس من الشوارع العامة في باريس ولندن، ليجعلها في فندق مجاور لبيت الله الحرام، لا أدري ما مضامين ما يريد إيصاله، لكني، والذي أراه، أنه يحاول أن يقول لك إن الاسلام وفي مهده الأساسي، يتقبل التعامل مع الأديان بوصفها واقع حال، وليس إقرارًا وقبولًا لعقائدهم وطقوسهم، لا تشريعًا لها، فلكم دينكم ولي دين.

سيأخذك العمري إلى بغداد في عز تدهورها وانتشار الجثث والرؤوس المقطوعة والأعين المقلوعة، بغداد التي لم يستطع أن يعرفها أحمد المستنصر بالله، ولم يعرفها أحمد عبد الرحمن آغا فيما بعد، بغداد التي أخذت عمر السني من أهله، مثلما أخذت ميثم الشيعي من أهله، بغداد التي جاءت على كل سكانها فأقامت لهم مأتمًا جماعيًّا، عزاء في كل شارع، وموت يطل برأسه من كل مكان، فيأخذ للأسف على الهوية، فهذا يقتل باسم آل البيت عليهم السلام، وذاك يقتل باسم الشريعة ونصرة النبي، صلى الله عليه وسلم، وكلاهما من هذا براء، لكنما نفعل، لقد قتل عمر وترك ميادة ومريم لحالهما، ومن قبله مثيم التي فجعت به أمه.

العمري لم يكتفِ بهذا، بل أوضح لك صورة المجتمع البغدادي، عمر السني، صديق مثيم الشيعي، ثم فيما بعد عمر السني زوج ميادة الشيعة غير المحجبة، المجتمع المتحضر الذي لا يتعامل على أساس الهوية أو الطائفية، رغم أنه أشار فيما بعد إلى أن العراقيين متفقين على قضيتين، واحدة منهما أنه مجتمع شيعة وسنة ومتعايشين، لكن «من وين جت هالطائفية، كانت تأكل تشرب معهم، لكنها من دون قتل» كما قالت ميادة، لكنها موجودة من دون دماء.

ستسير مع العمري وأنت تلتهم الأوراق بكل شوق لترى ما يحدث في الصفحة القادمة من أحداث، فمثلما شجرة الكريسماس في مكة، انتحار في صحن الحرم المكي، لرجل فقد ولديه ومر بأزمة نفسية، نصح بالذهاب إلى المراقد والأئمة وبعدها إلى المرقي، ثم اكتشف أن المشكلة في قلة إيمانه، كانت الختامية الرجل منتحر في أطهر بقاع الأرض، ليقول لك العمري: أحيانًا الدكتور النفسي أهم من رحلة إيمانية بشكلها الخاطئ، أحيانًا الإيمان في غير موضعه مضر، مثل دكتور يصلي نافلة ومريضه بأمس الحاجة له.

وأنت تقلب الصفحات ستكتشف شخصية سعد، سعد المهندس المعماري، الذي كان ينقنق على كل شيء ويعترض، وعلاقته بوالده غير جيدة، كما يرى هو، والذي كانت تتجنبه ميادة لفظاظة طبعه وسوء منطقه، سعد الذي مرَّ بتحولات قوية، من إنسان متعجرف إلى إنسان هادئ وبسيط، بعد أن تركته سوسن التي كان يحبها كثيرًا في منتصف الطريق، لتتزوج من رجل فلسطيني في بلاد المهجر، سعد الذي لم يستطع أن ينجب، لكنه كان حريصًا على رعاية والده حج أحمد عبد الرحمن أغا، رعاية خاصة لا تقصير فيها، رغم أنه نسي أن سعدًا ابنه أصلًا، ولكن هذا الوفاء الذي قل نظيره، لكنه يحدث لأن الخير باق.

لن تستطيع وانت تقرأ أن تنسى ميادة، ميادة التي مر عليها سبعة أيام، كان يعبر عليها اليوم بسنة وهي تبحث عن بصيص أمل عن زوجها عمر، ولكن بعد مدة وجدته في ثلاجات الطب العدلي في بغداد وقد قلعت عينيه ثم قتل، عن تحولاتها في الحياة، عن الكلمة التي قالتها لسعد أنت فاشل وعقيم، التي أخذت تأكل وتشرب معها لمدة 12 عامًا، لتقدم له اعتذارًا في مكة، عن رعايتها وحرصها على مريم، عن تقديم نصائحها لأخيها حيدر بخصوص ابنته سارة، عن علاقتها مع أمها مديرة المدرسة التي تمتلك عددًا من مجموعة «واتساب» ربما كانت سلمى الدباغ على ما أذكر، عن رحلتها إلى بريطانيا، أشياء كثيرة أوردها العمري في ثنايا روايته.

بالتأكيد ستتوقف مع شخصية حيدر الذي لم يحضر وفاة أبيه، حيدر الذي فضل أن يكون ولد سارة من السفاح من صديقها لوك الأسود لو كان أبيض، لقد وقف كثيرًا عند لون صديقها ولم يتوقف عند إنجابها بطريقة غير شرعية، حيدر الذي لم يؤدِ ما عليه تجاه سارة ليحصل على النتيجة النهائية التي وصلت لها سارة، التي لم تكن تقتنع بمؤسسة الزواج من الأساس، لكنها تبقى ابنته، ولذلك تلقائيًّا بدأ يتقبل استشارة ميادة في التعامل معها.

وأنت تقرأ هذه الرواية ستعشق عيني مريم لا محالة، سيخيل لك أن عينيها زرقاء وربما خضراء، لا محالة ستفتن بشخصية مريم التي تبحث عن معنى حقيقي للإيمان، ليس الإيمان التقليدي الذي نسمعه من الوعاظ، كلام لا أثر له في سلوكنا، إيمان محرك للحياة، إيمان يمتنع عن المال الحرام، لكنه ينبهر بالجمال، إيمان يلامس النفس فينعكس على الواقع.

مريم التي ستقول لك إن هناك عمارة خارجية متجسدة في البنيان وعمارة داخلية متجسدة في نفس الإنسان، ولا بد من العمل على إعمارهما، والتقصير في واحدة سينعكس على الثانية لا محالة، وأن تقصيرنا في عمارة البنيان تركه إثم لا يقل عن عمارة النفوس والقلوب.

ستعشق مريم فيما لو كانت محجبة أو من دون حجاب، لكنها رأت نفسها ترتديه احترامًا للمكان، مريم التي لا تؤمن بالروحانية كثيرًا، لكن أحدثت فيها مكة الكثير، تنظر إلى الكعبة بغير العين التي ننظر بها، نظرة متذوقة مع غوص في معانيها المنعكسة على الإنسان.

كانت مريم حدثًا بارزًا في الرواية، لقد وجدت العمري أكثر رقة في الرواية مما هو عليه في الواقع رغم أني لم التقِ به لكنني هكذا شعرت، كانتِ اللمسة الرومانسية حاضرة بقوة، وكانت عينا مريم حاضرتان، لقد استطاع العمري من خلال عيني مريم أن يجبرني على المرور بعيون الجميلات التي مررت بهن في عوجات الموصل القديمة، وأزقة إسطنبول العتيقة، إلى آخر عينين جميلتين رأيتهما عند الصيدلية، كانت تبحث عن علاج، ونسيت أن علاجي وعلاج الناس في عينيها، هذا استطراد لا علاقة له بالرواية، بل له علاقة في حياتي.

وكأن العمري لحظة كتابته عن عيون مريم، كان يردد كل ما جاء عن جمال العيون في التراث العربي والشعبي، من «والغمد في السيف لا تخشى مضاربه وسيف عينيكِ في الحالين بتارُ » إلى «هي من فنجانها شاربة وأنا أشرب من أجفانها»، بل ربما كان يسمع أغنية شعبية «يا أم عيون حراقه قولي شوقت نتلاقى فدوى رحت لعيونج خايف لا يحسدونج» وهكذا مضى العمري في روايته بهذه الطريقة الجميلة، ولا شك للحديث بقية هذا جزء من مقال مطول جدًّا عن الرواية.

أعجبني في الرواية هذا المزج بين بغداد التي عمها البلاء على زمن هولاكو، وبغداد التي عمها البلاء في زمن الطائفية، أحداث مفصلية مرت بها هذه المدينة، المواءمة كانت جميلة بين الماضي والحاضر، بين أحمد المستنصر بالله الناجي من بني العباس من يد التتار، الشخصية الحقيقية التي وردت في الرواية، وقد أورد عنه العمري في الرواية، وبين شخصية أحمد عبد الرحمن أغا الخيالية، استطاع العمري مزج حدثين تاريخيين، ومزج شخصيتين واحدة حقيقية وثانية خيالية، لن تستطيع أن تنسى شخصية شمس الدين الكوفي الذي رافق الخليفةأحمد المستنصر بالله، كان الاثنان يبحثان عن بغداد موجودة في مخيلتهما، مثلما نبحث نحن جميعًا عن بغداد التي في مخيلتنا، بغداد «عيون المها بين الرصافة والجسر… جلبن الهوى من حيث أدري ولا أدري».

لا أدري كيف استطاع العمري أن يكتب بهذه الصورة الجميلة، التي تجعلك تلتهم الصفحات كما تلتهم معاون الباچة عند الفجر، لقد أدهشني العمري على عادته كما كان فعل من قبل في أعماله الأخرى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد