تحظى أفلام المخرج الشهير كريستوفر نولان بشعبية كبيرة لدى الكثير، سواء كانوا من عشاق السينما أو من الهواة – أمثالي – لما لها من الأثر الكبير الذي تتركه في نفس المشاهد أثناء المشاهدة، وللأسئلة التي تثير الذهن منذ اللحظة الأولى وحتى نهاية الفيلم، مما يترك المشاهد في حالة من الدهشة تجلعه يتساءل، أَنتهى الفيلم حقًا؟!

مثلًا في فيلمه الشهير Inception يتوقف الزمن مع المشهد الأخير للحظات، يجعلك في تساؤل مستمر، تسترجع شريط أحداث ومشاهد الفيلم مشهدًا مشهدًا بحثًا عن الإجابة، ولكن لا تجدها، انتهى الفيلم في الواقع، ولكن لم ينتهِ بعد في عقلك.

هل سألت نفسك في مثل هذه الحالات هل أنت حينها في الحاضر أم في الماضي؟!

لنترك هذا السؤال قليلًا ونبدأ بالحديث عن الأزمنة الثلاثة، ولكن قبل البدء، ما سأذكره هنا هو فقط محاولة لإثارة التساؤلات أكثر منها بحثًا عن الأجوبة، فلا يهم أن نصل للإجابة الصحيحة بقدر ما أن نصل للسؤال الصحيح.


سأبدأ حديثى عن الحاضر لأنه هو ما تشاهده بعينيك الآن، وما تشعر به حواسك، ما تفعله بيديك وما تفكّر فيه بعقلك، فأنت الآن عند قراءتك لهذه الكلمة تعيش في الحاضر، ولكن بعد دقائق؟ هل سيكون هذا المقال جزءًا من الماضي؟ أم بعد دقائق هناك شيء آخر مجهول لي ولك؟

أين كنت قبل دقائق من الآن، فيمَ كنت تفكّر، هل تذكر مثلًا وقت رؤيتك لعنوان هذا المقال واتخاذك قرار القراءة؟

القرار الذي تتخذه في الحاضر حتمًا سيؤثر على حالك في المستقبل، فلو لم تتخذ قرار القراءة لكنت في الوقت الحالي تفعل شيئًا آخر، تعيش تجربة أخرى.

لكن ألم تلاحظ شيئًا في الفقرات السابقة؟ ألم تلاحظ أن كلمة «الآن» عبرت تارةً عن الحاضر، وتارةً عن المستقبل، وفي تارةٍ أخرى عن الماضي! هل هذا يعني أننا الآن لسنا الآن؟!

دعنا من هذه الأسئلة قليلًا ولنعد مرة أخرى لكريستوفر نولان ومشهد الافتتاحية لفيلم The Dark Knight.


.I Believe Whatever Doesn’t Kill You Simply Makes You … STRANGER

بغض النظر عن فلسفة الجوكر فلربما نفرد لها حديثًا آخر في المستقبل إن شاء الله، ولكن هذه الجملة تستحق منّا قليلًا من التفكير.

الأشياء التي لم تقتلك تلك كانت جزءًا من الماضي، أو دعنا نطلق عليها تجارب الماضي، فكل تجربة من تجارب الماضي مررت بها ولم تقتلك ستساهم بقدر كبير في تشكيل شخصيتك في الحاضر، الذي هو المستقبل بالنسبة للماضي.

فلتفترض مثلًا أنّ هناك طالبًا مجتهدًا طيلة مراحل دراسته المختلفة، حلمه منذ الصغر أن يلتحق بكلية الطب ويصبح جراحًا كبيرًا، ولكن عند الوصول للمرحلة الثانوية لم يجتهد بالقدر الكافي للحصول على المجموع الذي يؤهله للالتحاق بها، أين هو الآن؟

حسنًا، لا يهم أين هو الآن، لكن المهم أنه لم يعد الآن نفس الشخص الذي كان عليه، وبالطبع لن يكون الشخص الذي أراد أن يكون. ببساطة صار شخصًا غريبًا عمّا كان من قبل، وعمّا كان يطمح أن يكون.

لعلنا الآن قد وصلنا لربط بسيط بين الماضي والحاضر نوجزه في جملة واحدة:

حاضرك الآن هو نتيجة لمجموع اختيارات الماضي، هل تتفق معي في هذا؟

تحدثنا الآن عن الحاضر والماضي ولكن يبقى شيء واحد هو الحديث عن المستقبل، أظن أن المستقبل هو الأبسط في الفهم، على الرغم من أنه يمكن تصنيفه بأنه المجهول الوحيد في هذه المعادلة، ولكن هذا ما يجعله سهلًا!

يمكن أن نقول إن المستقبل هو ما سيأتي، هذا بالتعريف البسيط، لكن إن أردنا التعمق قليلًا بنفس المنطق الذي اتبعناه في الجملة السابقة يمكننا القول إن المستقبل هو نتيجة لمجموع اختياراتك في الحاضر والماضي.

إذًا يمكننا القول إنّه للوصول للمستقبل الذي تريد عليك اختيار مجموعة من الاختيارات في الحاضر هي ما سيقرر إن كنت ستصل أم لا.

نعود مرة أخيرة لكريستوفر نولان وفيلمه Interstellar ومع هذا المشهد الذي قد يلخص ما أريد الوصول إليه في هذا المقال:

.To move forward, we have to leave something behind

إذا أردت أن تصل إلى مكان ما في المستقبل، عليك أن تبذل ما يوصلك إلى هذا المكان.

في النهاية لماذا كتبت هذا المقال؟

لا أخفيك سرًا، فقد أردت أن أثير بعض التساؤلات في ذهنك أثناء القراءة، فإن التفكير هو ما يوصلنا إلى الإدراك الذي قد نصل به إلى الحقيقة، يومًا ما.

ولكن إلى جانب هذا ما أردت إيصاله هو هذه الرسالة:

إذا كان المستقبل هو نتيجة لاختياراتنا في الحاضر والماضي، والماضي خارج نطاق تأثيرك الآن. إذن لكي تصل للمستقبل الذي تريد عليك أن تفعل ما يتوجب فعله في الحاضر؛ فالحاضر هو فقط ما تستطيع التأثير فيه الآن.

البعض منّا يبكي على ماضيه، أو الأسوأ يعيش في ماضيه، يظل يندب حظه ويقول لو لم يحدث كذا لكنت كذا وكذا، فيضيع عليه فرصة استغلال الحاضر، ويظل في هذه الحلقة المفرغة من البكاء على الأطلال.

والبعض الآخر لا يعيش إلّا في المستقبل، يتخيل نفسه بعد سنوات كيف سيكون، السيارة الفارهة، والوظيفة التي يحلم بها الجميع، يظل يفكر ويفكر إلى أن تنسيه نوشة التفكير حاضره، ثم يفاجأ بعد مرور السنوات بأنه لم يصل لشيء، محلك سر!

لكن الصواب، وهو ما أريد أن أصل إليه في النهاية، هو أن ننظر للماضي نظرة المتأمل الذي يتعلم ويأخذ العبر، ويتخيل المستقبل كي يحدد وجهته، ويستفيد من دروس الماضي ورؤية المستقبل في العمل في الحاضر.


في الختام، لا تنسَ يا صديقي أن هذه الحياة الدنيا دار ابتلاءٍ «ليبلوكم أيّكم أحسن عملًا».


هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد