«عاش سنوات حياته مؤرّخًا لفلسطين وقضيّتها، متصديًا للرواية الصهيونية/ التوراتية عن تاريخ فلسطين القديم والحديث، فضلًا عن قضايا عربية، تناولها جميعًا بمنتهى الجديّة والعمق».

بهذه الكلمات نعت لمى سخنيني والدها الراحل في منشور تضيق كلماته بوصف عصام سخنيني، الذي يترجل عن خيل التأريخ، لكنه لا يغادر التاريخ، فالوطن الذي نسجه عصام ونسجَ عصام نفسه، هو حالة من الديمومة والدهريّة استقرت في رفوف المكتبات، وقاعات المحاضرات، ومراكز الأبحاث، وعقول القراء كمخطوطة قديمة يجهد الباحث في فكّ رموزها واستقراء أبجديتها، وكنص ديني لا تجادل في صحته ولا تضعه موطئ الجدل.

ولد المؤرّخ والباحث الفلسطيني الأردني عصام سخنيني قبل عقدٍ من نكبة الفلسطينيين، لكنه أحيا كل يومٍ نكبة الصهاينة بتصديه لأكاذيبهم ورواياتهم، من أبسطها حتى أعقدها وبمنهج علمي متسلسل يثبت فيه الحق العربي بالأرض المحتلة، وشكلت حياته الممتدة على طول المأساة الفلسطينية والمحرومة من استنشاق هواء أرضه التي دافع عنها، حافزًا أفنى من أجله حياته.

خلال قرابة القرن، ألّف سخنيني عشرات الأبحاث والكتب التي شكّلت سدًّا منيعًا في وجه المغالطات التاريخية، وفي وجه الصهيونية والمزاعم التوراتية، وجعلت من رحيله خسارة للإرث الوطني والقومي التي ستزداد عمقًا، وستخلّف ألمًا اكبر إن لم تكن عقلية سخنيني وكتابته موادًا تدرّس.

ولجانب شخصية المؤرخ التي برزت في عمله نائبًا لمدير مركز الأبحاث الفلسطينية في بيروت، مارس سخنيني التدريس لسنوات في جامعة البترا بالأردن، حمل فيها بجانب رسالة التعليم، رسالة أكثر ثقلًا، الوطن، الذي قدمه للطلبة كما قدمه للقرّاء، أكبر من حدود وخرائط، وأعظم من أن تتم المساومة عليه.

وشكل مركز الأبحاث الفلسطيني المؤسَس في بيروت 1965 بحضور سخنيني مرجعًا لوثائق الصراع العربي الصهيوني، وللدراسات والأبحاث ذات الصلة بالقضية الفلسطينية، وللأوراق التي تعمّق المعرفة بالعدو الصهيوني وخطره الذي يهدد الوطن العربي ككل.

وفي ظل شح المؤلفات المتعلقة بتفنيد الروايات المضللة والمرتبطة بالأحداث التاريخية، لم تكن مؤلفات سخنيني مادة توعوية وتثقيفية فقط، أو تأريخًا مسرودًا بإسهاب، بل مرجعًا يعتمد عليه المؤرخون القدامى والمعاصرون، ويستشهدون بأدلته وكلماته، بدءًا من أول الخلق حتى تاريخ القدس القديم والحديث وتأسيس الكيان.

وتناول سخنيني في كتاب «القدس: تاريخٌ مُختَطَف وآثار مُزوّرة» أربعة فصول فضحت الرواية الصهيونية القائمة على الأساطير بعد الاعتماد على ما تقدمه علوم الآثار والأنثروبولوجيا، وبعد البحث في الروايات العبرانية وعقليات حكماء الصهيانة، التي سعت لتهويد المدينة، ولطمس الهوية العربية فيها.

أما كتابه الأكثر شهرة «الجريمة المقدسة: الإبادة الجماعية من أيديولوجيا الكتاب العبري إلى المشروع الصهيوني» قدم الفكر الاستيطاني القائم على النظام العنصري والإبادة الجماعية الممنهجة ببطء، أو الضاربة مرة واحدة لتفتيت الأراضي الفلسطينية وتشتيت شعبها ومخرجاته، في محاولة لجعل الادعاء «أرض بلا شعب، لشعب بلا أرض» أكثر شرعية. كما ويأتي الكتاب بتحليل ديني في عمق العقيدة اليهودية التي تبرر بل تشجع «التطهير العرقي» والخطاب الصهيوني الاستعماري حتى قبل ال1948.

وعن المسيحيين، كتب سخنيني «مقاتل المسيحيين ـــ نجران 523 م والقدس 614 م»، شارحًا اثنتين من أكبر مجازر اليهود؛ مجزرتي نجران والقدس، اللتين قوبلتا بالتغييب المعرفي والإعلامي، ويثبتن أن الكراهية اليهودية الصهيونية غير موجهة ضد الخطاب الإسلامي فقط، بل قائمة وبشكل أساسي على كراهية المسيحيين.

وكتب سخنيني أيضًا كتاب «الإسرائيليات: مكونات أسطورية في المعرفة التاريخية العربية»، وعن بلدته كتاب «طبرية: تاريخ موسوعي من إنسانها سنة 20م إلى نهاية الانتداب البريطاني سنة 1948م»، وعن الأحداث المؤثرة كتاب «صراع المصالح النفطية وتأثيره في نشوء القضية الفلسطينية في بدايات القرن العشرين»، وعن التاريخ العربي «كتاب العباسيون في سنوات التأسيس»،  وكتاب «بحوث في التاريخ العربي الإسلامي» رؤية معاصرة للتاريخ، وكتاب مملكة هرمز: أسطورة الخليج التجارية.

كما أصدر سخنيني كتاب «الحركة الوطنية الفلسطينية: من النضال المسلح إلى دولة منزوعة السلاح»، وكتاب «فلسطين والفلسطينيون: صيرور تكوين الاسم والوطن والشعب والهوية، وكتاب «عهد ايلياء والشروط العمرية/ نموذج تطبيقي لاستخدام ادوات التفكيك في تصحيح التاريخ الاسلامي»، وكتاب «فلسطين الدولة: جذور المسألة في التاريخ الفلسطيني».

وتعود حساسية المادة التاريخية إلى مساهمتها الكبيرة في بناء الأحداث وصناعتها كما ارتكزت الصهيونية على نصوصها القديمة أو المؤلّفة التي تبرر إنشاء الوطن القومي، وإلى ضرورة رفد النظام السياسي المتكامل بالمكوّن المعلوماتي الذي يكاد يكون أكثر أهمية من المكون العسكري، وإلى قدرة المعلومات الموثقة والمدروسة بعناية على المساعدة بخصوص تحليل وفهم المواقف السابقة، وبالتالي قراءة الأحداث القادمة قراءةً تُظهر ما خلف الأسطر وتمكّن من تجنب الأخطاء لمواجهة مستعمر الأرض والفكر والتاريخ والثقافة.

قاوم سخنيني ضد الاحتلال الصهيوني المتجبر في بلدته الساحلية طبريا مانعًا إياه من زيارة بحرها، وما زال يقاوم بكل سطر تجري قراءته أو كتابته عن الأحقية الفلسطينينية في طبريا وكل المدن الفلسطينية، وعن الزيف التوراتي الذي لم يره أبدًا نصًّا مقدسًا بل مثل “تاريخ مشتهى كتبه رجال الدين اليهود وتمنوا أن يكون لهم تاريخ كهذا، أو نصوص من اللاهوت تم إلباسها لباس التاريخ لمنحها شبئًا من المصداقية».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد