تمهيد

صدق من قال «تبدأ الحرية عندما ينتهي الجهل، لأن منح الحرية لجاهل كإعطاء السلاح لمجنون» فيكتور هوغو. فساد التعليم يفضي إلى نهاية المجتمع، ونهاية المجتمع تؤدي إلى زوال الحياة، فزوال الحياة تقتضي نهاية أرواح الضمائر والمشاعر تلك نتيجة كاملة.

بوابة التفكك في التعليم الصومالي

بعد أن مكثت الحكومة العسكرية في الصومال أكثر من عشرين عامًا في حكم البلاد، وجعلت موازنة التعليم موثقة بكل مراحلها، وأنشأت مؤسسات تعليمية هائلة، وصممت نظمًا تعليمية قائمة بذاتها، وانبثقت فلسفة التعليم بأطراف المجتمع كله، إلا أن سقوطها أدى إلى هبوط في كل مستويات التعليم التي أفضت إلى ضعف المناهج التعليمية وعدم ارتفاع مستوى تدريب المعلمين، فظهر ضعف التوازن التعليمي بكل مراحله، كما تم هدم جميع مباني المدارس على أيدي الجبهات القبلية المسلحة التي سيطرت على البلاد، فظلت الأمية في أوساط المجتمع الصومالي معقدة ومركبة بعد الإهمال الواضح في الاهتمام بالتعليم قبل السن المدرسي، وتدني مستوى تدريب المعلمين، لأن التعليم في الصومال – بالنسبة للعالم – تقليدي النظام، ولذلك لا يمكن أن نقول «التعليم الصومالي (الحالي) من نوع التعليم الذي يدور حول المعلم» فكل هذه العقبات تعاني افتقار هوية الأجيال الصومالية الناشئة، وخضوع مستقبل الصومال.

مزمنة التعليم من أجل النزاعات الصومالية 1991

لقد علمت بأن التفكير السائد لدى الجبهات المسلحة من قبل ملكية المقاصد لمؤسسات التعليمية تعود إلى الحكومة وليست مستفادة إلى الشعب الصومالي؛ تلك فكرة الفصائل! حيث دفعت عجلة الهدم والنحر بكل ما تركته الحكومة العسكرية من غير تفكير مستقبلي! ولم يبق بحر وبر ولا جدار إلا زفت وسقطت جذورها، فالكينونة المستهدفة هي إسقاط الحكومة، ولم تكن الأهداف تدمير الأدوات العامة التى أسست وبنيت أموال الشعب! ولكن مع الأسف الشديد لم يعلم الحقيقة بفوات الأوان، تلك فكرة تطرف الهواس. ألم يكن من الممكن أن يفكروا بترك الهدن إلى المدارس! حقًا قال إبرهام لنكولن: «العقول الفارغة تحكم دائمًا على المظاهر»! فهناك شكوك قوية تحوم حول دور النزاعات المسلحة الصومالية بوقوفها عقبة ضد تعليم البلاد، فانضم بعض الطلاب إلى الفصائل بين المتحاربين، تلك التى أدت إلى فقدان الجيل الناشئ الصومالي.

بناءً على ما سبق أرجو من القارئ الصومالي أن يعود بذاكرته ما يقارب 27 عامًا إلى الوراء عندما شنت المعارضة الصومالية فصائلها تهاجم كل المباني العامة للحكومة انتقامًا من نظام الحكم العسكري القادح الذي أفسد الوطن، وآلت المؤسسات التربوية من تلك الهجمات الغاشمة، فتغلقت أبواب المدارس ونوافذها، وأقلعت إبادة الجدران والسقوف، فتزيفت تلفيق والتوثيق الوثائق العلمية، أضف إلى ذلك أصبحت معظم المدارس الصومالية مغلقة، فتحولت المؤسسات التعليمية والإداراة التربوية إلى ملاجئ للنازحين ومخيمات للاجئين! فكان مصيرهم مجهورًا ومجهولًا!

لذا سوف أستأذن القارئ بهذا المقال أن يصحبني في رحلة قصيرة نحاول فيها أن نتخيل ما يمكن أن يدور بذهن طالب صومالي بعمق النزاعات المسلحة، لقد تحدث بعض من المسؤولين حاليًّا في مدينة هرجيسا عن خبر النزاعات التعليمية المسلحة تواجه التلاميذ عند التحاقهم بالمدارس، فقد أخبر عمي (رشيد أو محمد) أنه لما تخرج في مدرسة ثانوية التي سميت فبما بعد بمدرسة عمر بن خطاب في العام الدراسي 1989 بدرجة 82.72% وجد منحة دراسية في جامعة الأمة الصومالية (Jaamacadda Umadda Soomaaliyed) ولكن مع الأسف الشديد قامت الحروب التي شنت الحكومة العسكرية في أرض الصومال (صوماليلاند) بمدينة هرجيسا، وفي نفس الوقت لم يجد فرصة لإتمام دراسته، وبعد قليل سقطت الحكومة المركزية، فذهب إلى البادية حيث فرَّ من فتنة الحروب، وذات يوم من الأيام يرى رشيد وهو يرعى الغنم من البادية فوقف ونظر في الجهات وفكر ثم فكر في حياته السابقة وهمته العالية، لأنه غير اتجاهه إلى وجهة غير مرغوب فيها، وانكسر قلبه. وها هو واحد من الناس يشعر هذه الأزمة التي يعيشها دائمًا في القلق والانهدام المعنوي والمادي! ومع ذلك فلا بد أن نلاحظ في كثير من أولياء الأمور بأنهم أميون، كما أن ذاتيتهم لم يتلقوا أي معلومة أو خبرة في الثقافة التربوية، مع أن البيوت هي المحاضن الأساسية للتربية!

التنكيل الإداري التعليمي ما بعد انهيار الحكومة المركزية

يمثل حال تعليم الصومال حالة فريدة من نوعها في العالم، حيث تسير مأساة حقيقية بكل المقاييس، فالحرب الأهلية والنزاعات الصومالية تفتك بها منذ أكثر من ربع قرن، بعد إطاحة نظام سياد برى عام 1991م فيعيش البلاد واقعيًّا بلا حكومة مركزية تحكمها، فلا يوجد أركان الدولة، كما لا توجد مؤسسات تعليمية لتنمية أجيال الناشئة، فدخلت البلاد مرحلة جديدة التي لم تكن هناك إدارة تدير شؤون التعليم في البلاد، إلا أن شمال الصومال (جمهورية صوماليلاند) أعلنت انفصالها عن بقية الصومال عام 1991 وشكلت حكومة مستقلة بذاتها، فأسست كيانًا تعليميًّا وإدارة أكاديمية خاصة وفق القوانين واللوائح التي وضعتها بنفسها. فعلى الصعيد الآخر (جنوب الصومال) استطاع نخبة من الخيرة المثقفين التربويين تأسيس إدارة تربوية قائمة بذاتها، وذلك عام 1999 حيث قامت بإدارة بعض المدارس الأهلية في الصومال، حيث بذلوا مزيدًا من الجهودات العلمية لتوحيد تعليم البلاد، إثر هذه الجهودات، فقد تأسست مظلة تعليمية على يد هؤلاء المثقفين مظلة فسمَّوها «رابطة التعليم الأهلي في الصومال FPNS» فهذه الإدارة أصبحت مسؤولة عن تعليم البلاد خاصة في جنوب الصومال،فتوصل الأمر إلى ما وصل، حتى انتهت فترة الحكومة الانتقالية الصومالية 2012 وبداية مرحلة الفدرالية الجديدة حيث حملت وزارة التربية والتعليم وظيفتها، ولكن من المؤسف لم تؤد الوزارة رسالتها على الصورة المطلوبة، كثيرًا ما نرى أنها لم تنفذ رغم محدودية إمكانياتها في الظروف التي تواجهها في الداخل والخارج.

فالناظر إلي المناهج التعليمية والمؤسسات التربوية في الصومال يجد أنها تنسجم قطعًا مع طبيعة وخصوصية الدارس الصومالي ولا تتجاوب مع مجتمعه ولا مع الاحتياجات الأساسية للبلد وتخلو من تحقيق أي أهداف صومالية عامة والمجتمع على الخصوص، نعم، فإن الأجيال الناشئة الصومالية معظمهم درسوا مناهج أجنبية، مع أنهم صوماليون جسديًّا وأجنبيون فلسفة! تلك التي تسبب عدم التوافق الفكري والحضاري في أجيالنا، والحق أن يقال: «يمكن أن تكون التربية والتعليم وسيلتين لممارسة الحرية، ويمكن أيضًا أن يكون انسجام التعليم بأهداف المجتمع تقبل القهر والرضا والظلم وتعود الاستكانة»!

التطورات الراهنة التي تعوق التعليم

إنّ التطورات الراهنة التي تعوق مراحل الزمان بسير التعليم الصومالي ما بعد انهيار الحكومة المركزية لها جوانب إيجابية التى لا تقاس بأي أمر آخر؛ لأن حركة التعليم لم تتوقف على الإطلاق رغم استمرار مقاومات الفصائل وعدم الاستقرار بالأمن في البلاد، فظروف الحالات هي التي تحكم تطور التحريك المستقبلي، فما زالت تعمل المدارس والمؤسسات التعليمية بأماكن مؤجرة بشقق مدمرة وهي غير مهيأة لتكون فصولًا تؤخذ فيها الحصص! أضف إلى ذلك إن المناهج التعليمية في ظل النزاعات المسلحة كانت وما زالت عبارة عن مواد (مقررات) دراسية مستوردة من الدول الأجنبية مثل السودان والسعودية وغيرها، فتعددية المناهج الأجنبية قضت إلى ضعف جودة التعليم الوطني، لأن هذه المشكلة تؤدي إلى ظهور أجيال لا يعلمون كثيرًا من ثقافتهم وعاداتهم وتقاليدهم وكثيرًا من أمور وطنهم! وعلى الرغم مما تلاقي من ظروف جمة فإنها تظهر بجلاء تمتد إلى مستجدات التجرع العلمي واتساع رقعة التعليم بابتكار أفكار التربية والتعليم، لأن الأعمال التنموية لا تخلو من عقبات وتحديات.

أخيرًا أقول لمن يهتم بهذا الأمر: إن تطور الأجيال الناشئة الصومالية نحو التقدم فهي تتصل جذريًّا باستراتيجية التعليم في الصومال وذلك من عدة جهات أهمها بناء ومراجعة مناهجها الدراسية وتطويرها والارتقاء بها إلى الأحسن، فالصومال تحتاج في هذا الوقت إلى بناء وتصميم وتخطيط المنهج الجديد الذي يستند إلى استراتيجية البلاد ووفق سياسة تعليم البلاد، فهذه العملية تبدأ من الصفر وإلغاء كل المناهج الأجنبية، لأن بناء منهج جديد في الصومال أصبح الآن أمرًا ضروريًّا، لأنه يرتبط بعملية التقدم والنهضة في الأجيال الناشئة في كل المجالات (الاقتصادي والصناعي، والزراعي، والتطور العلمي، والتقني…) والفرق بين دولة وأخرى في التقدم يرجع إلى بناء وتطوير الدولة في مجالها التعليمي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد