هبة حداد

70

هبة حدادهبة حداد

70

شعرتُ مرة بالغيرة جدًا، وشعرت أن ديني لا يفي بما عندي من قدرات، كان ذلك في المرحلة الإعدادية، حينما عدنا من إجازة الصيف والتحقنا بالصف الأول الثانوي، كان من بين زميلاتنا فتاة مسيحية، كلُ واحدة فينا بدأت بسرد حكايات ما فعلت في الصيف، فكانت حقًا تافهة، ما بين تليفزيون ومجلات وقصص ونوم… وتكلمت هي آخر واحدة فقالت، قضيت شهرًا في الدير، فانتبهنا جميعًا، كلنا كنا مسلمات، والفضول أخذنا مأخذًا غرائبيًا وكأن عالمًا ممتعًا من الحكايات سيُفتح الآن ونستمتع بخفايا «بنادورا بوكس»، فجعلنا نستحثها على الحكي.

«دير؟ دير إيه وليه؟» قالت: نذرت خدمة الدير شهر في الصيف لو الرب وفقني في الإعدادية، ها، ها، (صوتنا – وخصوصًا أنا – في كورال جماعي) ماذا كنت تفعلين؟ قولي قولي. كان يبدو على ملامحها الضجر، بالرغم من فضولنا الطفولي المفرط من وجوهنا، قالت: «نصحى بدري، ننظف البراح، نجمع الندور، وننظف الشمعدانات، بعدها الفطور، حاجة خفيفة، بعدها حصص إنجيل، بعدها استراحة خفيفة وغدا خفيف، وفيه بنات بتساعد في مطبخ الدير، وفي بنات مخصصة للنظافة، وقبل المغرب ندور على الأبواب والشبابيك، ننضف ونقفل ونقرا صلاة، وبعض النشاطات، لعبنا بنج بونج، وكان فيه كمان حصص موسيقى وإنشاد.. وننام بدري»!

نذرتْ الخدمة للدير! معسكر كامل ليس فيه إلا فتيات، يعلمهن بجوار الانضباط حصصًا مفيدة وشيقة كما بدا لي، كنت قبلها بأعوام قليلة قد توقفت عن الذهاب إلى كتّاب المسجد في حصص أسبوعية سريعة، لم أحفظ خلالها إلا جزئين! انفضت جلسة الحكي بيننا، ومكثت أنا، وفي عقلي فكرة طفولية: مفيش دير للمسلمات؟!

الشاهد، أن المجتمع المسيحي – للحقيقة – وخصوصًا في الصعيد يشكل مجتمعًا تكافليًا بشكل يفوق التخيل! إذ يمثل لهم كلُّ من الدير أو الكنيسة مقر ات اجتماعية معتبرة، لصنوف شتى من الخدمات التكافلية كتعليم الأبناء بالصيف في صفوف تقوية لكافة مناهج المدارس وتدريب الفتيات على الحِرّف المنزلية، والتكافل على إعطاء الدروس الخصوصية لغير المقتدرين من أبناء الطائفة، بل توظيف الشباب غير القادر في الشركات والمشروعات الخاصة التي يمتلكها مسيحيون، وتدبير المصاريف الشهرية التي يجمعوها للأرامل منهن، فلا تكاد تشقى أبدًا لا هي وأولادها، بل مساعدة أولادها في الحصول على منح دراسية معتبرة بالخارج ككندا وأمريكا تحت إشراف الكنيسة (يتعذر علينا نحن المسلمين الحصول عليها إلا بشق الأنفس)، بل توجد حركة واسعة لتعريف أبناء الطائفة بعضهم ببعض تحت إشراف كهنوتي للزواج (كما يُعرف بالرؤية الشرعية) …. ومن النادر أن تجد مسيحيًا (من الصعيد) غير متدين (أي لا يحافظ على الصلاة في الكنيسة وحضور القدّاس وأخذ البركة من قس الطائفة) ذلك بسبب دائرة المصالح والمعارف القوية والمفيدة له دنيويًا ثم دينيًا داخل مجتمع الكنيسة المعتبر من سيدات مجتمع ورجال أعمال وأساتذة جامعة وغيرهم!

لا شك أنّ تفكيري الطفولي قد تغير لمزيد في الثقة من أني لو نذرت نفسي للدير؛ فسأقفز هربًا من فوق سوره ثاني يوم فجرًا! لكن تظل فكرة وجود مجتمع تكافلي لا مَنّ فيه ولا بهرجة إحسان وإذلال لابد وأن يكون أولًا بيننا نحن، نحن المسلمين!

المهم، بعدها بشهور احتاج مسجد المدرسة للتنظيفِ في دورته السنوية، شعرتُ وقتها بالكسل الشديد، وتطوعتُ فحسب في نقلِ سطلات الماء التي غسلوا بها السجاجيد (بعدما سكبت نصفها على الأرض، وعدتُ إلى المنزل أبكي بسبب إرهاقي الشديد في ذلك العمل النّذري)، لكن لا بأس، ها قد نذرتْ نفسي يومًا لسطلات مياه تنظيف سجاجيد المسجد!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

تعليقات الفيسبوك