أوشكت فترة رئاسته الأولى على نهايتها، وبين (تهويل وتهوين) عاش الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي تلك الفترة الممتدة منذ ثورة الثلاثون من يونيو عام 2013، فمن المصريين من يرى كل ما يقوم به الرئيس من أعمال أمرًا عظيمًا يستحق الإشادة ومنهم من لا يرى له أي إنجاز أو عمل يذكر، بل على العكس يرى كل ما يقوم به من مشروعات أمرًا وهميًا ولم تجن منه البلاد إلا تراجعًا على جميع المستويات.

وما بين الاثنين تضيع الحقيقة، وفي اعتقادي أننا لم نجد صوتًا واحدًا يتحدث بحيادية أو واقعية عما حدث في مصر في تلك الفترة وسوف تكتب تلك الفترة في كتب التاريخ مشوشة، لن يجد أبناؤنا فيها الحقيقة حتى بعد عقود وعقود من الآن، لم أعتبر نفسي اليوم محايدًا إلى درجة منزهة مائة بالمائة، ولكن هي محاولة مني بقدر المستطاع أن أرصد تلك الفترة بواقعية في هذا المقال.

لم تكن تلك فترة الإنجازات الفارقة في تاريخ الأمة المصرية كما يعتقد البعض، ولم تكن أيضًا خالية تمامًا من أي بريق أمل أو من أي إنجاز يذكر كما يعتقد ويروج البعض الآخر.

فما زلنا نعيش في تلك الفترة تراجعًا لا يمكن أن يوصف إلا (بالمرعب) في مستوى الحريات الشخصية بحجة محاربة الإرهاب، والتي اقترفت بحجتها الكثير من الجرائم في مصر وعلى مستوى العالم، حتى الولايات المتحدة التي نصبت نفسها ولي أمر الحريات اقترفت بحق تلك الحريات الكثير من الجرائم بحجة محاربة الإرهاب، كما أن ملف «الإرهاب» والذي اعتبر الرئيس نفسه وصيًا وقادرًا على مجابهته لم يحقق فيه المرجو منه، فما زلنا نسمع يوميًا عن عمليات إرهابية في سيناء وفي غير سيناء كان آخرها حادث تفجير الكنائس في طنطا والإسكندرية، ونسمع عن قتلى وجرحى في صفوف المدنيين ورجال الجيش والشرطة، تلك الشرطة التي تراجعت في علاقتها بالشعب وتعاملها معه إلى ما قبل يناير 2011، كما تراجعت عن عبارة (الشرطة في خدمة الشعب) كما تراجعت عنها قبل الخامس والعشرين من يناير أيضًا، لم تنكمش أيضًا مؤسسة الفساد بل تشعبت وتضخمت وأصبحت أكبر من ذي قبل، وكل الجهود المنشودة لمكافحة ذلك الوحش لا تتعدى الواحد ليس بالمائة بل بالمليون، من تلك المؤسسة التي تضرب بجذورها في كل أركان الدولة، بالإضافة إلى تقاعس الدولة غير المبرر عن ملف تطوير التعليم، فما زال ذلك الملف يتم التعامل معه بتفاهات أفكار مسؤلي الماضي القريب وما زال الفساد يضرب بجذوره في المؤسسات التعليمية وخصوصًا الجامعات، والتي من المفترض أنها مصنع لجيل المثقفين في هذا الوطن.

لم يسلم أيضًا المواطن الفقير في بحثه عن لقمة العيش من مفرمة برنامج الإصلاح الاقتصادي، الذي رفع معدلات التضخم إلى مستويات غير معهودة وغير مسبوقة من ارتفاع للأسعار تخطى الأضعاف في أسعار الغذاء والملبس والدواء.

إحقاقًا للحق لم تكن تلك الفترة مظلمة ذلك الظلام الدامس، فلم تكن التفريعة «ترعة السويس» كما ادعى معارضوه وبالطبع لم تكن كذلك «قناة السويس الجديدة»كما ادعى مؤيدوه، حقيقة الأمر أن ما تم في قناة السويس من أعمال وحتى توضع في نصابها الحقيقي هي تفريعة من أكبر تفريعات تلك القناة.

لم يتوقف الأمر عند ذلك بالنسبة لما حققه الرئيس من عمل، في الحقيقة هناك أعمال ضخمة وغير مسبوقة على مستوى البنى التحتية لهذه البلاد سواء كانت في قطاع الكهرباء، والتي تم إنجاز الكثير من محطات الكهرباء الضخمة في وقت قليل وتم القضاء على أزمة انقطاع الكهرباء.

وعلى مستوى قطاع الصرف الصحي والغاز الطبيعي فقد قطعت الدولة شوطًا في خلال تلك الفترة لم تقطعه في عشر سنوات سبقت تلك الفترة.

أما الطرق فقد أوشكت الدولة على الانتهاء من عدة طرق جديدة على سبيل المثال طريق (الوحات أسيوط الجديد) بالإضافة إلى تطوير الطرق القديمة، في الحقيقة هذا التطوير تم بطريقة غير مسبوقة من حيث السرعة والجودة.

أما بالنسبة لملف المليون مسكن فقد أنجز وبشكل قياسي عشرات الآلاف من الوحدات السكنية لمحدودي ومتوسطي الدخل في العديد من المحافظات والمراكز والقرى، وتم تسليم آلاف منها وما زالت الآلاف تحت الإنشاء.

يتبقى موضوع ملف الإصلاح الاقتصادي، فعلى الرغم من التبعات المخيفة لذلك الإصلاح على حياة الفقراء من حيث الارتفاع الجنوني للأسعار، والفشل في تطبيق برنامج تكافل وكرامة التطبيق الصحيح الذي يصل به إلى كافة مستحقيه، إلا أن تطبيق ذلك البرنامج يعد إنجازًا من حيث الجرأة في تطبيق برنامج لم يجرؤ أحد على أن يطبقه في مصر من قبل، على الرغم من أنه برنامج ثبت نجاحه في البرازيل وغيرها من الدول التي سبقتنا في تطبيقه.

لا يمكن أن تتخيل أن يتم نقد تلك المرحلة المليئة بزخم الأحداث في مقال واحد، ولكن هي محاولة لوضع الأمور في نصابها الحقيقي في ظل ذلك الوضع بين (التهويل والتهوين) المتبع من وسائل لايمكن أن نطلق عليها «إعلام» بل هي وسائل إعلان للنظام أو للمعارضة على حد سواء، فالحيادية لا بد أن تكون بين «ترعة» و«قناة السويس».

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد