نظر ولدي الصغير بدهشةٍ شديدة إلى (عُقب سيجارة) مُلقًى في دواسة السيارة ثم سألني بتعجبٍ: أبي، ما الذي أتى بهذا في سيارتنا؟! كنتُ مشغولًا فلم أرد عليه. ثم بعد حين عاد إلى السؤال نفسه مرة أخرى وكأنه يصر على تلقي تفسيرٍ لهذا الذي يراه لأول مرة في سيارتي! لما رأيتُ إصراره الذي لا يخلو من اتهام الأطفال؛ قلتُ: لا أدري، لكنْ لعله التصق بحذاء أحدنا خارج السيارة! ثم سألتُه: لِنفترض أن هذا (العُقب) لي وأني أدخن فهل كنتَ ستحاسبني؟!

سكت الولدُ قليلًا، كأنه يفكر، ثم قال: لكنَّ التدخين شيءٌ سيئ!
قلتُ: أعلم أنه سيئ؛ فهل كنتَ تحاسبني لو أنني أدخن؟!
قال: ما كنتُ لأحاسبك؛ فأنت أبي، لكنني أنصحك.
قلت: هكذا!

وهنا يا ولدي درسٌ جديد؛ فالولد لا يحاسب أباه، لكنه ينصحه بكل أدبٍ ولُطفٍ وتواضع مهما كان خطأه ثم سألتُه: أي الذنب والخطأ أعظم؟ فقال: الكفر والشرك بالله.
قلت: لقد كان أبو نبي الله إبراهيم كافرًا عابدًا للأصنام من دون الله، ومع ذلك حين دعاه ولده إبراهيم، عليه السلام، إلى الله لم يُشعِرْه أبدًا بأنه يحاسبه على كفره، بل كان ينصحه بكل أدبٍ وتلطف مستخدمًا أرقَّ الكلمات والعبارات:

﴿يَا أَبَتِ لَا تَعْبُدِ الشَّيْطَانَ ۖ إِنَّ الشَّيْطَانَ كَانَ لِلرَّحْمَٰنِ عَصِيًّا (44) يَا أَبَتِ إِنِّي أَخَافُ أَن يَمَسَّكَ عَذَابٌ مِّنَ الرَّحْمَٰنِ فَتَكُونَ لِلشَّيْطَانِ وَلِيًّا (45)﴾ لم يُعَنِّفْ أباه ولم يرفع صوتَه عليه ولم يُسْمِعْه ما يُقِل من هيبته واحترامه حتى حين ثار عليه أبوه وهدده بالرجم والنفي قائلًا: ﴿… لَئِن لم تنتهِ لَأَرْجُمَنَّكَ واهجُرني مليًّا﴾ رد عليه إبراهيم بكل هدوءٍ وأدب قال:﴿قَالَ سَلَامٌ عَلَيْكَ ۖ سَأَسْتَغْفِرُ لَكَ رَبِّي ۖ إِنَّهُ كَانَ بِي حَفِيًّا (47)﴾

كل الذنوب التي يمكن أن يرتكبها الأبُ المسلم هي لا شك دون الكفر؛ إذْ ليس بعد الكفر ذنب؛ وربما هناك ما هو أكبر من الكفر وهو أن يحاول الأب، بعد كفره، بالقوة أن يسحب أولاده إلى مربع الكفر! حتى لو فعل الأب ذلك فإنه لا يدفع الولدَ إلى معاملة أبيه بالقسوة، بل يعامله بالمعروف! قال الله، عز وجل: ﴿وَإِن جَاهَدَاكَ عَلَىٰ أَن تُشْرِكَ بِي مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ فَلَا تُطِعْهُمَا ۖ وَصَاحِبْهُمَا فِي الدُّنْيَا مَعْرُوفًا﴾
فإذا كان هكذا الحال مع الآباء ذوي الذنوب العظيمة والخطايا الجسيمة؛ فكيف يكون حالُك يا بني مع أبيك المسلم، الرحيمِ بك المشفقِ عليك الساعي على طعامك وشرابك وتعليمك، الساهرِ على راحتك، حين يُخطئ، أيًّا كان خطأُه؟!

وقد أمر الله عز وجل بالإحسان إلى الوالدين مطلَقًا من كل قيد، بغض النظر عن الدين أو الجنس أو الطاعة أو المعصية أو الإيمان أو الكفر، فقط لأنهما والدان؛ فقال: ﴿وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَاناً﴾ لم يقل وبالوالدين المسلمَيْن أو وبالوالدين الطائعين… فهل بقيَ بعد ذلك لِعاقٍّ والديه مبررٌ لعقوقه؟! وهل يُدرِكُ الأبناء أنَّ بِرَّهم آباءَهم اليوم إنما هو ضمانةٌ لاستجلاب بِرِّ أبناءهم غدًا؟ إنَّ ما تزرعه اليوم لا شك تجنيه غدًا؛ فَمَنْ يزرعُ الشَّوكَ يجني الجراح! فانصح والديك ولا تحاسبهما، وإذا نصحتَ فَتَلَطَّفْ وتأدبْ. وصاحبهما في الدنيا معروفًا.

وأنت أيها الأب، كنْ قدوةً لولدك ولا تكنْ عَونًا للشيطان عليه حين تجعل ولدَك يراك على خليقةٍ ما كان يظن أن يراك عليها، ومهما تكُنْ عند امرئ مِن خليقةٍ وإنْ خالها تخفى على الناسِ تُعلَمِ! هذا هو إسلامنا الذي يُخوفوننا من التزامِه ويُشيعون بين الناس كَذِبًا وزورًا أنه دينُ عنفٍ وداعيةُ فُرقة ومفرَخَةُ إرهاب، بينما هو في الحقيقة دينُ تسامح وداعيةُ تآلُف وطائرُ سلام!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد