هل يستطيع أي منا أن يزعم أنه يعلم كل شيء عن حياة أصدقائه وأسرارهم معرفة وثيقة؟ هذا هو السؤال الذى يطرحه الفيلم الإيطالي الحاصل على جوائز عديدة «غرباء تمامًا» للمخرج باولو جينوفيز. إنه كوميديا سوداء تعكس الخوف من اكتشاف أسرارنا، وحقيقة كل منا، وذلك من خلال سبعة أصدقاء يجتمعون معًا لتناول العشاء، وهم: إيفا الطبيبة النفسية، وروكو جراح التجميل، أصحاب دعوة العشاء في منزلهم، الزوجان اللذان يبذلان قصارى جهدهم للحفاظ على زواجهما معًا، وعلى خلاف على سلوك ابنتهما المراهقة، بيانكا الطبيبة البيطرية المتزوجة حديثًا من كوزيمو السائق بإحدى شركات الأجرة، كارولتا المتزوجة من ليلى، الذي يعمل في القسم القانونى بإحدى الشركات، وتعانى من إقامة والدته معهم، وتدخلها في حياتهم، بيبى المدرس العاطل عن العمل.

حضروا جميعًا لحرصهم على مقابلة صديقة جديدة لبيبي، ويشعرون بخيبة أمل، عندما يأتى بيبى وحيدًا، ويخبرهم أن صديقته تعتذر عن الحضور بسبب مرضها، ويظل مقعدها خاليًا.

يدور بينهم حديث عن ذكريات وأحداث مرت بهم، ويبدو من خلال الحوار وكأنهم يعرفون كل شيء عن بعضهم البعض بالتفصيل، ويبدو وكأنهم أزواج سعداء. ثم يدور حديث عن الهاتف المحمول، وتشير ايفا إلى أنه أصبح بمثابة الصندوق الأسود لحياة كل منا، فماذا يحدث لو أن كل الأزواج قاموا بالاطلاع على هواتف بعضهم البعض؟ ثم تقترح إيفا فكرة لعبة مجنونة، وهي أن يضع الجميع هواتفهم المحمولة فوق المائدة، وقراءة الرسائل التي تصل، ووضع المكالمات على مكبر الصوت، بحيث يمكن للجميع سماع المكالمة. يتعجب الجميع فى البداية من الفكرة، ولكنهم يوافقون، وكل منهم يتحدث بثقة، وكأنه ليس فى حياته سر يخفيه. وتبدأ اللعبة؛ فتتكشف لكل واحد منهم حقائق وأسرار صادمة؛ إذ كانوا يعتقدون أنهم يعرفون كل شيء عن بعضهم البعض. يبدو الفيلم وكأنه عشاء الخطايا السبع.

تبدأ اللعبة بشكل كوميدى في البداية؛ حيث يتلقى كوزيمو أول رسالة مكتوب بها: أريد جسدك، ثم يتضح أن الراسل هو روكو؛ كنوع من الدعابة، وتتوالى المكالمات العادية.

تتلقى أيفا أول مكالمة جادة في اللعبة من والدها، ويدور الحديث بينهما حول حجز مكان بالمستشفى لإجراء عملية تكبير الصدر. يتعجب الأصدقاء من تلك المكالمة؛ حيث يرون أن تلك الجراحة تتنافى مع عملها كطبيبة نفسية تحاول إقناع المرضى بالتكيف مع واقعهم، في حين أنها لا ترضى بواقعها، ولكن إيفا تدافع عن موقفها؛ لأن من حقها تغيير شكلها.

يدور الحديث بعد ذلك عن روكو، وتؤكد إيفا أنه ضد العلاج النفسي، في حين إن المشاهد يفهم من خلال نظرات الأصدقاء أن روكو يذهب للعلاج لدى طبيب نفسي، ثم نفهم ذلك واضحًا عندما تخبر كارولتا إيفا أن روكو بالفعل يتابع مع طبيب نفسي، وأنهم جميعًا يعرفون ذلك، ومن هنا يظهر أن إيفا لا تعلم بعض الأشياء عن زوجها التي تظن أنها تعرفه جيدًا.

تصل مكالمة إلى روكو من ابنته، تتحدث فيها عن علاقتها بصديقها، وعن أول لقاء في العلاقة الحميمية قد يجمعهما، وكيف تتغلب على قلقها من تلك العلاقة، ونجده يرد ويتفاهم معها كأب مثالي، في حين أن الابنة تتحدث عن أمها بطريقة سيئة، وتنتقدها بشدة؛ لأنها تنتقد تصرفاتها دائمًا. مع أن الطبيبة النفسية من المفترض أنها تعطى الحلول المثالية في الحياة.

تصل رسالة صوتية إلى كارولتا من دار مسنين يخبرها بوجود مكان شاغر في يونيو (حزيران)، ويعرض عليها خصم 25%، فيفهم الجميع أنها تخطط لتضع والدة ليلى في دار مسنين حتى ترتاح من إقامتها في منزلهم؛ مما أزعج الأمر ليلى، ويجادل كارولتا؛ لأنها تريد التخلص من والدته.

ينفرد ليلى مع بيبي، ويطلب منه تبادل هاتفيهما اللذين يشبهان بعضهما، وذلك لخوفه أن المرأة التي على علاقة بها سترسل له صورة مثيرة، ولكن بيبى يرفض بشدة، ثم تصله رسالة على الهاتف؛ ليقوم بعمل التدريبات اليومية للتخسيس؛ فينتهز ليلى الفرصة، ويستبدل الهاتفين معًا، ثم تصل رسالة على هاتف ليلى، الذى يحمله بيبى به صورة مثيرة لامرأة يعتقدون جميعًا على الفور أنها صديقة بيبي، ويبدأ كل واحد بالتعليق عليها ما بين سخرية وإعجاب.

ولكن كذب ليلى يضعه في أحرج مواقف حياته، عندما تصل رسالة على هاتف بيبي من لوشيو صديق بيبي، ونفهم منها أنه يواعد شخصًا لوطيًا؛ فيعتقد الجميع أن ليلى لوطي؛ لأنه يحمل هاتف بيبى. ويدور جدال بينه وبين زوجته عن كونه لوطيًا ولم يخبرها، يفضل ليلى اتهام نفسه باللوطية على أن تكتشف زوجته أن هاتفه مع بيبي، وصورة المرأة تخصه هو. إن الإنسان يعتقد أن الكذب هو المنجي في حين أنه قد يضعنا في مواجهة اتهامات أفظع من التي قد نكون فيها إذا قلنا الصدق.

تصل رسالة لكوزيمو من ماريكا مديرته في شركة سيارات، والتي تبلغه دائمًا بمواعيد العملاء الذين يحتاجون للتوصيل. وتقول في الرسالة: اتصل بي الأمر عاجل. ويرفض كوزيمو الرد على الرسالة؛ وذلك خوفًا من أن تخبره بموعد يضطره لمغادرة العشاء معهم.

تقترح بيانكا أن ينتقلوا جميعًا للشرفة لمشاهدة خسوف القمر، الذي يجعله المخرج انعكاسًا لخسوف الحقيقة، وأثناء التقاط كوزيمو صورة جماعية لهم من خلال هاتف بيانكا تصل عليه رسالة من صديقها السابق إيفانو: أشعر بالرغبة في إقامة علاقة؛ فيشك كوزيمو أنها لازالت على علاقة به، ولكنها تنكر ذلك، وتؤكد أنه يقصد من الرسالة علاقته بصديقة أخرى، ويصر كوزيمو على أن تتصل بإيفانو ووضع الهاتف على مكبر الصوت، ويتأكد من المكالمة أن إيفانو يتحدث بالفعل عن صديقة أخرى. قد نضع أنفسنا في موقف شك لا حاجة له، ولكننا نعتقد أننا بذلك نحافظ على أحبائنا.

يتصل ماوريتسيو صديق كوزيمو ويسأله: هل أعجبها الخاتم والأقراط، وتندهش بيانكا، وتسأله عن المرأة التي اشترى لها الأقراط، فيجيب أنها لها، ولكنها تخبره أنه يعلم أنها لا ترتدي أبدًا أقراطًا. ثم تصل رسالة أخرى من ماريكا تخبر كوزيمو بالاتصال لأمر هام، وتصر بيانكا على الاتصال بها، وتنتزع الهاتف من يد كوزيمو لتضع المكالمة على مكبر الصوت، ويتضح أن ماريكا أجرت اختبار حمل، وأنها حامل من كوزيمو، تصطدم بيانكا وتدخل الحمام وتغلق عليها الباب لفترة طويلة. إنه يرتدي قناع الصدق، ويحاسب بيانكا على مكالمة صديق سابق في حين إنه يخونها بالفعل.

تصل رسالة لكارولتا يبدو منها أنها على علاقة برجل آخر يسألها عن ملابسها الداخلية، فيجادلها ليلى: لماذا تعرف رجلًا آخر، فتخبره أنه مجرد كلام مع رجل من خلال أحد مواقع التواصل الاجتماعي، دون أن يراها. يصر ليلى على أنها تتصل بهذا الرجل، ويتضح أنه يغازلها، ولكنه يتمنى أن يراها ولم يفعل بعد. ويتجادل الزوجان، وتقول كارولتا لأصدقائها: ليس الهاتف المحمول فقط الذي يكشف الأسرار، ولكن الاعتراف يكشف السر، ثم تعترف أنها هي التى كانت تقود السيارة، وصدمت شخصًا وهي ثملة، وليلى يعلم ذلك، ولهذا هي مضطربة نفسيًا. إنها تخشى من زوجها الخيانة في حين أنها تخونه حتى ولو بمجرد الكلام مع شخص آخر.

شجاعة كارولتا بالاعتراف تجعل بيبي يعترف للجميع أنه هو اللوطي، وليس ليلي، وأنهم فصلوه من العمل لهذا السبب، وتركته لذلك زوجته السابقة، وأنه ليس له أصلًا صديقة لتأتي معه، ولكنه صديق لوطي، ولم يحضره معه خوفًا عليه من تجريحه بنظرات الحاضرين. المثير في الفيلم أن المخرج ترك مقعدًا خاليًا على نفس المائدة المفترض جلوس صديقة بيبي عليه كوسيلة لإدراجنا داخل العمل، وكأنك تعيش مع أبطال الفيلم، ولكنه مقعد كاذب لشخصية وهمية من المفترض أنهم ينتظرون امرأة تجلس عليه، ولكن رفيقه رجل.

ونعيش مع السؤال الكبير للفيلم: هل من الأفضل معرفة الحقيقة أو العيش في جهل ساذج؟ إن الفيلم يأتي كصدمة تجعلنا نشك في أن كل ما حولنا كذب وخداع، ولكن تأتي الإجابة عندما ينتهي الفيلم، ونرى أن الأصدقاء لم يقوموا أصلًا بخوض التجربة، وذلك لأنه كما قال ركو لإيفا: كلنا قابلون للكسر.

النهاية العجيبة عندما يذهب الجميع لطرق باب الحمام للاطمئنان على بيانكا، ولكن تخرج علينا بيانكا في كامل زينتها وكأن شيئًا لم يحدث، ويفهم المشاهد من الحوار والمشهد التالي أنهم لم يقوموا أصلًا بممارسة لعبة الهاتف المحمول، وحتى المشاهد كان يعيش في كذبة طوال الفيلم.

إن الأفلام التي تدور أحداثها في مكان واحد تكون مملة في بعض الأحيان، ولكننا لا نجد ذلك في هذا الفيلم أبدًا، وذلك بفضل الشخصيات المتمكنة من أدائها، وكذلك الحوار والقصص المتتابعة، حيث يشعر المشاهد وأنه يعيش داخل الأحداث ويندمج معها.

يبدأ الفيلم مع خسوف القمر وغياب الحقائق وينتهي مع ضوء القمر، وهو بدر يظهر معه كل شيء واضحًا كما نتمنى.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينمائى, فيلم, نقد
عرض التعليقات
تحميل المزيد