أفكر في عنوان مُهم وكبير لعام 2014، لا أجد في ذهني شيئًا بقدر أن ريتشارد لينكلاتر أنهى رحلة 12 عامًا في صُنع فيلم، وأن هذا الفيلم خرج للنور وهو يحمل بداخله كل هذا الزمن الذي استغرقه تنفيذه، وأنه أهم حدث سينمائي خلال العام دون جدال. للدرجة التي أسميت فيها نُسخة من هذا المقال “الزمن الذي يحفظه لينكلاتر”، كأن ذلك هو ما سيبقى من 2014 فعلاً.

العام لم يُظْهِر كل ما لديه بعد، عادةً ينتهي العام السينمائي في فبراير وليس مع نهاية ديسمبر، وقتها تكون كل الأفلام قد صارت مُتاحة، نكتشف أفلامًا مهمة ومخفية، سواء لأنها من دول غير أمريكا، أو لأنها مستقلة عن الأستوديوهات الكبرى، لذلك فهذا المقال ليس عرضًا تفصيليًا بأي صورة للعام، ولا عن أفلامه المهمة، بقدر ما هو هوامش ذاتية عما رأيته منه حتى الآن.

س5

– ريتشارد لينكلاتر هو مخرجي المفضل من بين كل العاملين في السينما حاليًا. خلال العامين الأخيرين كنت أفكر في ذلك كثيرًا؛ كل فيلم له هو تجربة يحاول فيها اقتناص الزَّمن، Before Midnight كان أفضل فيلم شاهدته في العامِ الماضي، شيء مُدْهش عن معرفته بالبشر وتغيراتهم، وتتبع شديد العُمق والرقَّة لسنينهم وهي تمر، ثلاثية Before عن ذلك تحديدًا، ولهذا السبب كنت أترقب منذ وقت طويل فيلمه الذي يصوره في 12 عامًا ويتتبع فيه طفلًا صغيرًا منذ أن كان في السادسة حتى الثامنة عشرة. الفيلم الذي سُمّي بعد ذلك Boyhood.

كنت فرِحًا جدًا بالفيلم وبالتقدير الذي يناله منذ عرضه في مهرجان برلين، قبل أن يصبح أهم أفلام العام والأكثر حصدًا للجوائز رغم مُخالفته لأي صورة نمطية عن الأفلام في هوليوود، في مشاريع بهذا الحجم هناك سؤال مُلِح عن استحقاق الفيلم للزمن الذي استغرقه والمجهود الذي بُذِل فيه. الإجابة كانت واضحة للينكلاتر مع كل هذا التقدير الجماهيري والنقدي الذي ناله فيلمه.

أثناء مشاهدة الفيلم كنت أفكر أنه سيكبر معي على مدار السنين، لم يَفْتِنّي خلال المرة الأولى، لينكلاتر بنضج شديد لا يحاول خلق دراما كبرى بقدر ما يحاول –كما يفعل دائمًا- اقتناص اللحظات المُقدَّسَة العادية، وهي لحظات تَكبر بالذكرى والتراكم، أنت تعرف مايسون، وأخته، وأبويه، ستتذكرهم ومع مرور السنين ستشعر بالألفة، «كأنهم أصدقاء قدامى»، عائلة حقيقية عرفتها جيدًا في وقتٍ ما، ومع كل مشاهدة للفيلم خلال السنوات المقبلة ستشعر بالألفة، كأنَّكَ تشاهد شريطًا مصورًا قديًما لذكرياتك مع تلك العائلة، هذا إنجاز كبير ومهم، أكثر ما سيبقى من سينما 2014.

س6

– في المُقابل، أكثر فيلم قدرته من ناحية سينمائية بحتة كان Gone Girl لديفيد فينشر.

قبل سنوات، لم أكن أحب فينشر، لم أكن أقدر ما يفعله بشأن التلاعب في سرد الحكايات التي يملكها، والشيء الأهم الذي غيَّر شعوري به لم يكن هو نفسه، بقدر ما كان قراءة كتاب الحوار بين«هيتشكوك/تروفو»، أهم كتاب سينمائي قرأته في حياتي، عن سينما «هيتش»، فيلم فيلم، ومناقشة طريقة تطورها وأسلوبها، جعلني الأمر أنظر لفينشر من ناحية مختلفة تمامًا.

Gone Girl هو أكثر أفلامه هيتشكوكية، وأعلم تماماً أنني لم أكن سأقدره بهذا الشكل دون قراءة الكتاب، هيتشكوك كان يتحدث دائمًا عن وعيه بالمشاهد، تفكيره في رد فعله مع كل مشهد، وهو يحاول ملاحقته والسيطرة عليه وصولًا لاقتناصه في لحظةٍ ما، فيلمه الأعظم بشأن ذلك كان Psycho، القائم تمامًا على ألاعيب رجل عجوز بجموعِ المتفرجين، فينشر يفعل الأمر نفسه هذا العام في Gone Girl، لُعبة ضخمة مع المشاهد، كلما يظن الأخير أنه أدرك شيئًا تُقلب الطاولة كلها، تغير المَنظور والبطل والحدث، سيطرة كاملة على المُتفرج طوال ساعتين ونصف.

إنجاز عظيم في السَّرد والإيقاع، لعبة شطرنج طويلة بين المُخرج والمتلقي، وفيشنر يتحكَّم في كل القطع.

– Two Days, One Night للأخوين داردان له مكانة خاصة.

الكثير من التفاصيل المخفيَّة وسط عادية ما يحدث، التقاط عظيم لأتوان الحياة اليومية.

س7

في نوڤمبر الماضي كان هناك عرضٌ للفيلم في سينما «زاوية» بطنطا، طُلِبَ منّي الذهاب للحديث عن الفيلم بعد انتهائه، اعتمادًا على المقالة التحليلية التي نُشِرَت في المصري اليوم. أثناء العرض كُنت مُدركًا أن الناس لا يعجبهم الفيلم، هناك بعض الملل وشعور بأن لا شيء يَحْدُث فعلاً. بعد تحليل الفيلم والمناقشة حوله تغيَّر الأمر تمامًا؛ الناس أنفسهم كانوا يتذكرون تفصيلات عابرة جدًا ومُهمة جدًا في سياق الحكاية والفيلم، والتعليق الغالب في نهاية اليوم أنهم يرغبون في مشاهدته مرة أخرى.

الأمر هنا عن قدرة الداردانز على صنع قشرة خارجية شديدة العادية تحمل بداخلها كل هذ القدر من عُمق المشاعر والتفاصيل. في القاعة كنت الشخص الذي يطلب من الناس النظر بشكل أقرب لما رأوه وحدث أمامهم. بعدها من السهل أن يكتشفوا هم مدى حميمية وقرب وجمال الحكاية التي سُرِدَت بكل تلك العادية. كنت أقرب لدور من يكشف خدعة الساحر. ولكن السحر كله للداردانز أنفسهم، أحد أعظم مخرجي السينما على الإطلاق.

– Under the Skin كان مفاجأة مُدهشة هذا العام، لوقتٍ طويل لم أتحمس لمشاهدته، حتى مع استقباله النقدي الجيد، وحين شاهدته كان واحدًا من أغرب التجارب السينمائية التي شاهدتها منذ فترة، ولم يترك فيلم فيّ هذا الأثر –الغرابة التي لا تبارح عقلك لأيام بعد مشاهدة العمل- منذ فيلم Holy Motors عام 2012.

القصة غير مهمة في الحقيقة، خليط من الغموض والغرابة وتقليدية الحكاية نفسها، ولكن المهم فعلاً هو الـ«موود» الذي يخلقه الفيلم، الطريقة “السينمائية” جدًا التي “نَرى” بها ما يحدث دون أن نفهم في الكثير من الأحيان ولكننا نظل منجذبين إلى الشاشة طوال الوقت، ليس رغبة في الفهم ولكن لأن ما نراه مثير للاهتمام في ذاته، ليس الحكاية، ليس الـ«تويست» أو التفسير، ليس الشخصية أو الحبكة. الشيء الجاذب هنا هو السينما نفسها، تناغم الصور المتتابعة مع شريط الصوت العظيم جدًا ليصنع شيئًا “يُرى” ومن الصعب جدًا جدًا أن يُحْكَى.

– المفاجأة الأخرى المُدهشة خلال العام كانت فيلم Nightcrawler لـ”دان جيلروي”، أفضل عمل أول شاهدته في 2014 حتى الآن. قصة مجرم سابق يحاول إيجاد عمل جديد، وبالصدفة يقرر أن يصبح صحفيَ جرائم في لوس أنجلوس، يصل لموقع الجريمة قبل الشرطة ويصور لقطات يبيعها للقنوات التلفزيونية.

س8

يمكن النظر للفيلم باعتباره هجائية عنيفة للإعلام، مقدار الأخلاقية في عرض الصور أو تصدير القضايا بصورة معينة. اللعب على هواجس الناس ومخاوفهم من أجل تحقيق أكبر قدر من العائد والمشاهدات، وفي عامٍ تحدث فيه الجميع عن جنون الـ”ترافيك” والـ”توك شوز” يبدو الفيلم مناسبًا جدًا. لا يمكن عدم تذكر كلاسيكية سيدني لوميت في Network مثلاً أثناء مشاهدة الفيلم، أو أن شخصية “نينا” التي تقوم بدورها “ريني روسو” هنا هي امتداد لشخصية “ديانا” هناك، حتى على صعيد التشابه الشكلي.

ولكن النقطة الأعمق من ذلك ربما هو كون العمل “فيلم شخصية” من الدرجة الأولى، أعمق في تعامله مع بطله مما يبدو، خصوصًا مع أداء مُدهش ومفاجئ من “جيك جيلينهال”. فيلم كبير عن بطل قبيح في عالم شديد القُبح.

– أحببت فيلم ويس أندرسون The Grand Budapest Hotel، لكنه ربما أقل الأفلام التي أحببتها له.

هناك ميزة مُهمَّة في أفلام “ويس” وهي الشخصيات الثرية جدًا، هو يقدم نفس الفيلم في كل مرة، باليتة الألوان وشريط الصوت والسيمترية الشديدة، مع الوقت لا يصبح ذلك مبهرًا بأي صورة، والثقل الحقيقي هو تخديم ذلك على شخصيات ثرية أصلاً بدورها. أو تجارب مختلفة ومدهشة تخوضها تلك الشخصيات.

في فندق «بودابست» يعتمد “أندرسون” على الحبكة أكثر من أي شيء، دون أن تحمل الشخصيات نفس العُمق والامتلاء الذي تحمله أفلام مثل The Royal Tenenbaums وRushmore، أو تحمل الرحلة والتجربة نفس غرابة وخصوصية Moonrise Kingdom مثلاً، لذلك فهو فيلم جميل ممتع ذكي وسهل المُشاهدة، ولكنه أقل فيلم أحببته لويس.

– أول أفلام المخرج الكوري الجنوبي “بونج جون هو” في هوليوود Snowpiercer كان مختلفًا أيضًا ويستحق المشاهدة.

“بونج” قدم عددًا من صفوة الأفلام الكورية خلال العقد الأخير، ما يميزها أنها أفلام “تجارية” –جريمة/رعب/إثارة، تبعاً لتصنيفات Memories of Murder وThe Host وMother مثلاً- ولكنها تملك قدرًا عاليًا جدًا من الفنية والاختلاف.

الأمر نفسه ينطبق على عمله في “هوليوود”، الذي يبدأ كنسخة مبتكرة مستقبلية من 1984، تصبح الأرض كاملة عبارة عن جليد مميت وما تبقى من البشر موجود على متن قطار معزول، بداخل القطار هناك الصفوة والأغنياء في المقدمة، والفقراء في العربات الخلفية. يستمر الوضع كذلك لـ17 عامًا حتى تبدأ الثورة التي نتابعها خلال أحداثه.

الخيال في الفيلم رائع جدًا، مختلف تمامًا، وبنكهة آسيوية خالصة. مشكلته الوحيدة بالنسبة لي كان أن تقدُّم الرحلة يتناسب عكسياً مع قيمة الفيلم، وعند الوصول لآخر عربة قطار، ومقابلة “ويلتورد”، “الأخ الأكبر” في تلك النسخة السينمائية، لا يملك الحوار أو الحدث الجودة المنتظرة. على العكس، بدا كل شيء مُفتعلًا جدًا كي يصل للنهاية التي أرادها “بونج”.

لكنه رغم ذلك واحد من أجود أفلام الحركة التي قدمتها هوليوود مؤخرًا، جزء من الجودة هو مقدار الاختلاف الذي يضيفه مخرج آسيوي بقيمة “بونج”.

– في مُقابل كل هذا هناك أفلام مهمة، جماهيريًا أو نقديًا، ولم تعجبني مطلقًا.

س9

أهمها Interstellar، أكثر أفلام العام إثارة للجدل. أتذكر قبل 5 سنوات حين كنت منبهرًا بتجربة كريستوفر نولان، الطريقة التي عَلَّم نفسه بها السينما، والطريقة التي صنع بها فيلمه الأول The Following عام 1998، التصوير لمدة عام لأنه مُلزم بساعة أو ساعتين فقط أسبوعيًا بسبب ارتباط الممثلين بدوام كامل طوال الأسبوع، وذلك لأنهم ليسوا ممثلين من الأصل، فهم عمه وعدد من أصدقائه.

كيف طوَّر ذلك لسرد سينمائي مُختلف في Memento، كيف غير في مفهوم الأبطال الخارقين إلى الأبد من خلال ثنائية “باتمان” الأولى تحديد اً Batman Beginsثم The Dark Knight. أتذكر ثم أقارن كل هذا بـ Interstellar، وأدرك أن مشكلتي الحقيقية بعيدًا عن أي شيء آخر هو رغبة “نولان” المستمرة في التعقيد. البحث عن فكرة “مبهرة” و”معقدة”، مشاهد الشرح الطويلة جدًا كي يبسط تلك “الفكرة” للمشاهد، مع اعتماد مبالغ فيه على الموسيقى لتصدير ملحمة غير موجودة أصلاً، قبل أن يصل لـ”تويست” ختامي شديد الافتعال والتعقيد بدوره. حدث ذلك في Inception وتكرر بصورة أسوأ في Interstellar.

على ناحيةٍ أخرى، قدرت فيWinter Sleep، صاحب السعفة لهذا العام، قدرة “نوري بيلجي جيلان” على تقديم فيلم بهذا الطول والاعتماد على حوارات طويلة جدًا دون أن أشعر بالملل، ولم أقدر كل ما هو غير ذلك. في مشهد مُعيَّن –رَمي الأموال في المدفأة- شعرت أنني أشاهد مسلسلًا تركيًا ميلودراميًا متكلّفًا جدًا. مختلف حتى عن أفلام “جيلان” السابقة. الأكثر تجريدية وهدوءًا. كان أقل فيلم “سعفة” أشاهده خلال العقدين الأخيرين تقريبًا.

فيلم The Babadook مقدر جدًا جدًا هذا العام من قبل النقاد. ولأنني في الحقيقة أحب أفلام الرعب وأنتظر أن يأتي فيلم جيد منها كل عدة سنوات فقد تحمست له بشدة، ولكنه لم يأتِ بأي جديد، هناك بعض المزايا السينمائية. المونتاج وشريط الصوت جيدان جدًا، الأداءات رائعة من الأم “إيسي ديفز” والطفل “نواه ويسمان”، هناك بنية جيدة طوال النصف الأول للشخصيات، ولكن كل هذا يقل جدًا في النصف ساعة الأخيرة لأن النص لا يستفيد بها في شيء، ويتحرك نحو نهاية وتطورات تقليدية لدرجة الكليشية، ويتعامل مع كل ما بناه باعتباره فائضًا. سأفضل فيلمَ رعبٍ مصنوعًا بكلاسيكية مُفرطة كـ The Conjuring في العام الماضي عن Babadook، يحاول الاختلاف في البداية ولا يصمد أي شيء بعد ذلك.

– وختامًا، شاهدتُ Boyhood ثانيةً، بين بداية كتابة المقال واختتامه، فتنني في تلك المشاهدة، وأبقيت ذلك كي أختم به هنا.كان فاتنًا لأنه “سينضج مع الزمن”، وتصبح المشاهد أشبة بالذكريات المستعادة، “فيلم لا تشاهد مثله في حياتك كلها” كما وصفه أحد النقاد.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

أفلام, سينما
عرض التعليقات
تحميل المزيد