في ظهيرة يوم حار، أواخر أغسطس (آب) 2020، أجلس في صالة عرض سينمائي وحيدًا، بانتظار أحد لم يدخل. أحاول سحب الهواء بقوة من خلف الكمامة، مرتديًا بدلة رسمية وقفازات سوداء، كأنني عميل في فيلم أمريكي بميزانية ضخمة.

أُغلقَ باب الصالة، وبدأت الإعلانات بالظهور على شاشة عملاقة جدًّا، فزعت عندما أضاءت القاعة. لكنه لم يكن سوى إعلان وحيد عن كحول يدمر الفيروسات لشركة مشروبات كحولية، مقرها في المريخ! انتهت الإعلانات، ولم يدخل أحد سواي إلى الصالة.

بعد أول لقطة من الفيلم، انطفأت الكهرباء! وبدأت أنفاسي تضيق. تَحركتُ نحو الباب لأستفهمَ عن هذه البداية السيئة، وجدتني لا أستطيع الخروج؛ فامتلأ رأسي المرهق بالعتمة.

حركْتُ مقبض الباب المقفل ولا أدرى لماذا أفعل هذا، لا أدرى إن كان الماء الذي بدأ يتدفق تحت أقدامي سريعًا شيئًا حقيقيًّا أم هي مخيلتي الزائفة. في هذه الأثناء شعرت بشعلة الضوء خلف رأسي، فاستدرتُ كالبرق نحو ذلك السطوع. لم يكن قطارًا سريعًا، بل كانت كفًّا عملاقة طائرة، تتوارى بقفاز أبيض، اقتربت أكثر موجهة مصباحها العملاق نحوي. ثم نادى في أذني مباشرةً، صوت أجش، سمعته بنظام Dolby: ماذا تفعل هنا؟

استفقت مباشرةً بعد هذا السؤال. هل أنا أحلم بذلك فعلًا؟ هل هنالك أحد غيري؟ مشاهدة فيلم في زمن الفيروس؟ قبل هذه الأسئلة؛ هل المشكلة بدأت قبل عام 2020؟ عندما بدأ رواد صالات السينما يتناقصون أكثر فأكثر، وحينها نوقشت كثيرًا قضية القلة الموجودة في السينمات.

هؤلاء القلة الحالمون، كانت مشاهدة الأفلام في الصالات تشكل حيزًا مهمًّا في أنماط حياتهم، حتى بعد التكيُّف مع فكرة الـ Home Theater ومنصات العرض الرقمي، وحتى أجهزة الهاتف النقال مؤخرًا.

رغم كل هذا التسارع بالزمن ظلت السينما للعديد منا مكانَ هجرة مؤقتًا من الشقاء اليومي. لمدة ساعتين أو أقل رحلة إلى عالم آخر، وإلى أفكار أخرى عن الإنسان، وعن الواقع، وعمَّا لا ندركه حتى الآن. ثم زاد هذا الشقاء بعد انتشار عدوى كورونا المستجد، لنجد أبواب الصالات مغلقة، وتأجلت تلك الهجرة المؤقتة.

كيف يمكن مشاهدة فيلم بحذر؟

بعد أن أصبح البيت مملًّا للعديد منا. نشتاق أحيانًا لممارسة أنشطة عديدة قد عادت بظروف مختلفة، كما هو حال السينما، مترقبين ألا يؤجل افتتاح صالاتها مرة أخرى. لكن حتى هذا الافتتاح سيكون مرهونًا بالحذر الصحي ومشروطًا بزمن العدوى.

سؤال قد يتبادر إلى الذهن، كيف يمكن مشاهدة فيلم بحذر؟ بالنسبة لي، بصفتي مخرجًا، فالاسترخاء المطلوب في مشاهدة فيلم يشبه الاسترخاء عند سماع الموسيقى أو الجلوس قبالة البحر، أو حتى التدليك. كلها في النهاية ممارسات تستدعي الاسترخاء الذهني التام، والتحرر مما يعرفه العقل تمامًا. الآن، وبعد افتتاح السينما، هل علينا أن نكون حذرين مثل حذرنا في الذهاب إلى السوق أو أي وجهة أخرى.

إن فكرة الذهاب إلى السينما، فكرة تتصارع مع الغول الرقمي. والآن تتوفر مبررات لمشاهدة أي شيء وكل شيء من على سريرك، أو في مترو الأنفاق، دون أهمية لمقاييس عرض هذا المنتج، بل حتى لروح الفيلم.

كذلك إعادة افتتاح السينمات حالة يحتضنها كل الصخب الذي يرافق العالم؛ إذ إن الحياة عمومًا أصبحت مرهونةً بتغيير أنماط عيشها لدواع صحية وقبلها أمنية، وكما تعودنا اقتصادية واجتماعية أيضًا. خصوصًا نحن، سكان العالم العربي والشرق الأوسط، تتوفر حولنا عوامل الحذر وخدمات الإنترنت، والمبررات الاقتصادية، والانحسار الاجتماعي، لتصبح معاودة الذهاب إلى السينما لحظة شاعرية، ولكثير منا بدافع الإخلاص لعقلية التلقي الحقيقية أحيانًا، ولشغف هذه اللعبة في أحيان أخرى.

رهانٌ مبني على الزمن

تذكرة مشاهدة فيلم أو عرض فني بشكل عام، لا تشبه تذكرة ملاهي الألعاب أو ما شابه. تذكرة ينطوي تحتها رهان لطيف، فيه لذة جميلة لاكتشاف جديد، وأي توصية أو قائمة مقترحات لما نريد مشاهدته تزيد الرهان صعوبة. ولطالما كان الرهان على ما نراه، فيمكن لنا الاعتماد على حدسنا في تجربة كهذه.

بالنسبة لي، في زمن الفيروس، سأشتري تذكرة فيلم كريستوفر نولن «TENET». الذي يعدنا بمشاهدة تحبس الأنفاس، بمعالجة ملحمية جوهرها الزمن. ويعلم معظم المهتمين بأعمال نولن أنه موهبة متفردة في رؤية زوايا الزمن ومفاهيمه، وتجسيد سحره الرهيب.

كريستوفر من المخرجين القلائل الذين جسَّدوا مفهوم المخرج الشاعر «أندريه تاركوفسكي»، صاحب فكرة «الفيلم موزاييك مصنوع من الزمن». وبالفعل هذا ما يفعله نولن، ينحت الزمن جوهرًا أو محورًا للحدث الدرامي في أفلامه، أو الابتكار في مفاهيم الزمن، وهذا واضح في اشتغاله على تقنية سرد الحدث الدرامي وأسلوبه.

وبصفتي مراهنًا على مشاهدة فيلم بعد الافتتاح، وحذرًا من العدوى؛ سأختار رقم الزمن، وأفلام كريستوفر موزاييك من رؤاه عن الزمن. في الفضاء الخارجي ونسبية الزمن «Interstellar»، ولعبة توقيت الزمن في الأحلام «Inception»، ومغامرة الجوكر المبنية على الزمن «The Dark Knight Rises»، والسرد العكسي وانتهاء زمن الذاكرة «Memento».

هذه المرة يعدنا المخرج والكاتب والمنتج برحلة ملحمية عن نفاد الوقت في إطار مخابراتي، مسلح بكلمة واحدة فقط وهي عنوان الفيلم: «Tenet». بطل الفيلم يقاتل من أجل بقاء العالم، ويسافر عبر شفق عالم التجسس الدولي في مهمة تَتَكشف شيئًا فشيئًا لنكتشف أنها تتجاوز الزمن الحقيقي. الفيلم يستحق المخاطرة أو المقامرة،  تمامًا مثل مخرجه كريستوفر نولن.

الفيلم الجديد TENET

حسب المنشورات الترويجية والأخبار، فيلم «Tenet» سيعرض في سبعين دولة بدءًا من 26 أغسطس 2020، بعد إصرار كبير من مخرج الفيلم بمواجهة سلسلة تأجيلات إعادة الافتتاح أثناء الجائحة.

عَمِلَ نولن على مدار خمس سنوات في كتابة النص، لكنه استغرق عشرين عامًا من التفكير به، وبلغت ميزانية إنتاجه 250 مليون دولار، ويُعرض في سينمات IMAX.

أبطال الفيلم هم: الممثل John David Washington، والممثل Robert Pattinson، والممثلة Elizabeth Debicki

وعن بعض اللمحات من كواليس صناعته؛ فأحد مشاهده صُوِّرَ على سطح دار الأوبرا في أوسلو، وجرى شراء طائرة بوينغ 747 وحرقها في مشهد آخر. لكن ما يثير الانتباه أكثر هو أن طاقم الفيلم أنقذ إنسانًا حقيقيًّا من الانتحار في مدينة بومباي أثناء تصويرهم أحد المشاهد عند بوابة الهند الشهيرة «تاج محل».

كذلك فإن كريستوفر نولان مارس جهدًا واعيًا لكي لا يتأثر بنمط «أفلام الجاسوسية» واعتمد على ذاكرته فقط مرجعيةً فنيةً.

ماذا تفعل هنا؟

لربما يتحول مشوار مشاهدة فيلم إلى تقليد كلاسيكي في المستقبل؛ لكن طالما اللحظة ما زالت بين أيدينا فهنالك فرصة للشعور بالدهشة عبر شاشة عملاقة، وقاعة معتمة يسودها الهدوء. لاستراحة من الزمن الحقيقي المتسارع، والاستسلام لصورة عن زمن آخر مُفترض.

انظروا كيف تبدل بنا الزمن وأمامنا فرصة للدهشة على طريقة الوقاية خير من العلاج! ولا بأس أن نكون مستفيدين في الوقت ذاته من وفرة التقنيات ومنصات العروض الإلكترونية، التي أخذت هي الأخرى حيزًا كبيرًا من أنماط عيشنا.

الأحلام تحدث في العتمة. مسرح أوسع لرؤية ما نراهن عليه ونتمنى الرحيل معه. حتى إننا صرنا جزءًا من تلك الأحلام، أو نشترك في إتمامها. إلى حدِّ أن هذه الأحلام قد تتحول إلى أحد كوابيس 2020، وحدِّ أن تتحول إلى كفٍّ عملاقة طائرة، مرتدية قفازًا أبيض تقترب موجهة ضوء مصباحها الساطع نحو الرأس، وصوتٍ أجشٍّ ينادي: ماذا تفعل هنا؟

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد