المتابع للسينما الغربية اليوم، سيلاحظ تغيرًا كبيرًا في الأفكار التي هي بصدد غرسها ونشرها عند المشاهد، فبعدما كانت السينما عنصر إمتاع وتثقيف بالنسبة للمشاهدين، أصبحت اليوم عنصرًا هامًا في تغيير عقليات الشعوب، والتحكم في أيديولوجياتها وأفكارها. بمعنى آخر، لقد تم «حوسلتها» (استغلالها وسيلة) كما يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري لصالح العلمانية العالمية.

تكلم المرحوم الدكتور «عبد الوهاب المسيري» في أحد مقالاته عن الفيديو كليب وعن كيفية «حوسلته» لصالح الجنس، فأصبح الواحد منا لا يهتم لا بالموسيقى ولا بالكلمات بقدر ما يهتم بالمرأة العارية التي ترقص عموديا وأفقيا داخل الفيديو كليب، فأصبح بذلك مجرد أداة هدفها نشر الرذيلة والعهر وتطبيعه مع عادات المجتمع، مع العلم بأن هذه الظاهرة لا تمت لهذه المجتمعات بأية صلة.

في مقالنا هذا لن نتكلم عن الجنس كمرجعية نهائية للسينما، لكننا بصدد التمحيص في موضوع آخر أصبح منتشرا في أيامنا هذه، ألا وهو الإلحاد، وعن حوسلة السينما ( استعمالها وسيلةً) لتطبيع هذه الظاهرة.

-لطالما كان الذكاء يسيل لعاب الشعوب، فالذكي منا يعتبر بالنسبة للآخرين بمثابة الرجل المثالي الذي يجب علينا تقليده واقتفاء آثاره وتتبعها قصد الانتساب إلى ما ينتهجه من أفكار ومذاهب وديانات بحجة الذكاء الذي يحمله.

– السينما، وبغرض نشر العلمانية الشاملة، والتي يعنى بها التوجه نحو عبادة العقل دون الله سبحانه وتعالى، استغلت صفة الذكاء وقامت بربطها بالإلحاد، فالكثير منا -ولا أظنني الوحيد الذي لاحظ ذلك- يجد أنه في جل الأفلام والمسلسلات التي تروي قصصا وأحداثا عن أشخاص أذكياء، دائما ما تربط ذلك بإلحادهم، فنجد أنه في معظم المسلسلات والأفلام التي يكون فيها البطل ذكيا إلا ويكون ملحدا ولا يؤمن بالخرافات الدينية ‑ على حد زعمهم ‑.

وبمثال على ذلك، في المسلسل الطبي المشهور « هاوس»، نجد أن هذا الطبيب الذكي الذي يجد الحلول كل مرة رجلا ذكيا لا يؤمن بوجود الإله، بل ويحاول كاتب سيناريو هذا المسلسل في عديد المرات أن يسرد حوارات لاهوتية تتنافى مع طبيعة المسلسل الطبي، وجل هذه الحوارات تنتهي بسؤال مشابه: من الذي شافاك، أنا أم الله؟ والمشاهد لهذا المسلسل سيلاحظ أن بطل هذا المسلسل غارق في الرذيلة والآفات وانعدام الأخلاقية وسيطرة المادية على شخصيته البراغماتية فنجده، ملحدا، سكيرا، مدمنا للمخدرات، محبا للعاهرات وغيرها.

هناك عدة مسلسلات وأفلام تحكي نفس الشيء وتشير لنفس المرجعية النهائية، فمثلا في مسلسل «سكوربيون، والذي نجد أنه يتمثل في مجموعة من الأذكياء، يتم استدعاؤهم لحل بعض المشاكل التي تواجه العالم، والتي تستعصي على الآخرين من العامة، فنجد أن جل العباقرة في هذا المسلسل ملحدون ولا يؤمنون بوجود خالق لهذا الكون، بينما في الجانب الآخر، خلق كاتب هذا السيناريو شخصيتين منفصلتين تتمثلان أولا في «بايج دينين» نادلة قليلة الذكاء تنضم إلى هذه المجموعة قصد التحسين من مهاراتهم الاجتماعية وتعاملاتهم، لكنها في نفس ذات الوقت مؤمنة بوجود الله، بينما في الجانب الأخر شخصية أخرى تتمثل في: «كايب غالو»، ضابط في الأمن القومي، قليل الذكاء، مؤمن بوجود الله، ويؤمن أيضا بالمعجزات. ولا يخلو هذا المسلسل من بعض الحوارات اللاهوتية الدينية التي تسعى إلى نشر الالحاد، وفكرة عباد العقل عند المشاهدين، فكأنما يقول كاتبو هذه المسلسلات أن الايمان بالله، هو من صفات الأغبياء قليلي الذكاء، بينما في الجانب الأخر يكون الالحاد ميزة خاصة يمتاز بها الأذكياء والعباقرة.

ونجد هذا غالبا في المسلسلات البوليسية، فمثلا مسلسل «The true detective»، نجد أن بطل القصة «روستيل كوهيل»، الرجل العبقري الذي يحل القضايا بذكاء ملحد لا يؤمن بوجود بالله. مسلسل The mentalist أو الوسيط الروحي وبطله: باتريك جاين، قوي الملاحظة، سريع البديهة، الرجل الذي يحل القضايا بذكاء أيضا، لكنه في نفس الوقت ملحد لا يصدق بوجود الله.

يحاول الكاتبون بهذه الفكرة، حوسلة السينما لصالح العلمانية العالمية، قصد نشر الدين الذي يدعو إلى عبادة العقل من غير الله سبحانه وتعالى، والقصد من ذلك إفراغ الإنسان من إنسانيته ومركباته التراثية والثقافية والاجتماعية، وفصل ثنائية الإنسان والطبيعة/المادة وما ينجم عنهما من ثراء وتركيب وتعددية، والعودة إلى المادية الجامدة المفرغة من كل مركباتها والتي لن تكون قادرة على تفسير ظاهرة الإنسان إلا بالعودة إلى نماذج غير مادية تتمثل في الرؤية الإيمانية والانسانية المشتركة.

الكتب، الموسيقيى، الفيديو كليب، السينما وحتى النكت، تم «حوسلتهم» اليوم لإثبات خرافة الذكاء عند الملحدين، فأصبحنا اليوم نجد كتبا تتغنى بالإلحاد وتدعو إليه تحت غطاء العلم، ونجد اليوم بعض النكت تمجد الملحدين، وتعبر عن ذكائهم، وتستهزئ بالمؤمنين بوجود الله.

لكن يبقى الإيمان بالله صامدًا في وجه كل هذه المهاترات التي تدعو إلى إنكاره فبسقوط فكرة وجود الله، سيسقط حتما وجود الإنسان، لأن جوهر وجود الإنسان يكمن في وجود الله. والمقتبس من نيتشه مقولته: لقد مات الإله، يتناسى عمدا تكملة المقولة التي تقول: «ونحن من قتلناه»، فبقتلنا لله والمقصود هنا «الإنسان»، سيطرت المادية العلمانية على الوجود وأصبح مبدأ القوة هو المبدأ الذي يسود العالم.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد