لا شك أن للسينما تأثيرًا قويًّا وحاضرًا في ثقافة الشعوب، فهي قادرة على تغيير مفاهيم كثيرة لدى البعض، ومن قوة تأثيرها يتخذها البعض حجة لإثبات براهين ونظريات.

وفي عالمنا العربي، كانت لمصر المكانة الأولى في تلك الصناعة، إذ يراها بعضهم هوليود الشرق، وفي الفترة ما بين عامي 1950 و1960 كانت تعد ثالث أهم سينما بالعالم، ولكن يؤكد الجميع أنها تمر بمحنه كبرى حاليًا.

عدد كبير من المهتمين بصناعة السينما في العالم العربي لا يرى أن هناك صناعة حقيقة في منطقتنا، إذ إن الأمر لا يخرج عن كونه إنتاجًا بسيطًا لبعض الأفلام، إنما مفهوم الصناعة يتركز في كل من الهند، والولايات المتحدة الأمريكية.

وفي الإمارات العربية المتحدة، يرى بعضهم أن السينما ما زالت تحبو هنا بشكل بطيء، رغم توافر الإمكانات الإنتاجية المادية.

هل هناك مشاكل؟ أو ما سبب ذلك البطء؟ وما الإمكانات التي تحتاجها السينما في الإمارات للنهوض بها؟ وما الرد فيمن يتهم صناعة السينما والدراما في منطقه الخليج بشكل عام بأنها لا تخرج عن مناقشة مواضيع معينة وثابتة، وتتكرر في معظم الأعمال، سألنا عددًا من القائمين على صناعة السينما في الإمارات عن تلك الأسباب.

إذ يرى المخرج والكاتب إبراهيم المرزوقي، وقد كتب فيلم مزرعة يدو، وكتب وأخرج فيلم هجولة، أن تأثير السينما في الإمارات ما يزال محدودًا، نظرًا لتواضع الإنتاج السينمائي، وأنه لا يستطيع تقييم وضع السينما الآن في الإمارات، فهو يرى أننا في عام 2019، ومن الصعب الحكم أو التقييم، نحتاج لغزارة في الأعمال وتنوعها حتى نستطيع تقييم الصناعة تقييمًا أكثر إنصافًا.

وعن الإمكانات التي تحتاجها السينما في الإمارات للنهوض بها قال: «صناعة السينما في الإمارات تحتاج إلى الدراسة الأكاديمية والتخصصات السينمائية المختلفة مهمة جدًّا لصناع الأفلام، ونحتاج إلى توفر مدن ومواقع خاصه لتصوير الأعمال السينمائية».

وعن رأيه فيمن يتهم الأعمال الفنية في الخليج بشكل عام أنها ذات نمط ثابت في مناقشه المواضيع يقول: «أنا أختلف معهم، هناك أعمال خرجت عن المألوف، وأصبح هناك تنوع، فالمواضيع بالرغم من قلتها مثل أفلام، زنزانة، شباب وشايب، العم ناجي في الإمارات، هجولة، مزرعة يدو.

الكاتب المتميز فيصل البلوشي، وهو كاتب كويتي له العشرات من الأعمال، ما بين مسلسلات، وبرامج، وإعلانات، لعل من أبرزها المسلسل الكارتوني بو قتادة وبو نبيل، ومسلسل آخر شتا، وآخر اثنين، والمسلسل الكارتوني دكان بو نواف ويعرض له حاليًا في رمضان المسلسل الناجح ماذا لو.

يرى البلوشي أنه لا يوجد تأثير للسينما بدون دعم حكومي وإعلامي في أي دولة في العالم، وأن الإمارات قادرة على استثمار سمعة مهرجان دبي العالمية والتي تستقطب نجومًا من جميع أنحاء العالم، وأن مدينه دبي صارت وجهة فنية مفضلة لكثير من مخرجي هوليود، من أجل تصوير أفلامهم، فبإمكان الجهات الرسمية استغلال ذلك من خلال فرض قانون أن يكون 10% من فريق العمل من فنيين وفنانين من الإمارات؛ من أجل أن يكتسبوا خبرة منهم ويطوروا من مستواهم.

وعن تقييمه لصناعة السينما في الإمارات يقول: «الصناعة السينمائية في الخليج عامة غير ناضجة، حتى في الكويت، مع أن الكويت سباقة فهي تنتج من الستينات أفلامًا سينمائية، لكن لا توجد تجربة حقيقية كلها أفلام تجارية تصور وتنفذ بعقلية تلفزيونية، نحن في حاجة إلى صناع سينما متخصصين، لا أشخاص يعملون بالتليفزيون وينتقلون للسينما بنمط التفكير والتنفيذ نفسه، كنت أتمنى من المنتجين الإمارتيين بدلًا من إنتاج أعمال متفرقة، الإجماع على فيلم واحد بميزانية كبيرة وجودة عالمية، أفضل من إنتاج أعمال بميزانيات متواضعة وجودة سيئة.

ويرى البلوشي أن مشكلة السينما في الخليج بشكل عام، والإمارات بشكل خاص، هي اللهجة، في مصر مثلًا بإمكانهم تسويق أفلامهم في جميع الدول العربية، لكن الأعمال الخليجية لا تسوق إلا في الخليج؛ لأن الجمهور العربي لا يفهم اللهجة الخليجية؛ فالسوق بالنسبة لنا محدود، يجب التغلب على مشكلة اللهجة أولاً، وثانيًا نتخلص من الرقابة المسبقة على الأعمال الفنية، وتكون الرقابة لاحقة، بمعنى أن الرقابة تشاهد العمل بعد تنفيذه وتضع ملاحظتها؛ لأن الرقابة المسبقة تحد من إبداع الكاتب وما يقدر يتكلم إلا في مواضيع محددة، والنتيجة أن الأفلام كلها متشابهة.

الفنان آدم ستون، وهو ممثل ومخرج ومنتج مصري مقيم بدولة الإمارات العربية المتحدة، وشارك في عدد من الأفلام العالمية منها «Kung Fu Yoga- War Machine- Deliver Us From Evil- The Misfits»،  قال: «إن السينما العالمية مؤثرة بشكل كبير في الإمارات وخصوصًا أفلام الخيال العلمي، والتي أصبحت تنبه العالم لعدد من المشاكل المستقبلية، منها ندرة المياه، والاحتباس الحراري، والنظر إلى مصادر الطاقة المتجددة، نرى أن الإمارات قد تأثرت بتلك النظرة المستقبلية، وأنها أصبحت تبحث عن حلول لتلك المشاكل التي ناقشتها السينما، وبالفعل العام الماضي تم إنشاء مشروع الطاقة المتجددة من الطاقة الشمسية، وأنه كان لي الشرف الوجود في ذلك الافتتاح».

وأكمل ستون بأن صناع السينما في العالم بدأوا يتوافدون على الإمارات لتصوير أعمالهم فيها بشكل متطور، ولكن يتأسف لندرة الإنتاج الداخلي، ويرجع ذلك لعدم إعطاء الفرص الكافية لصناع الأفلام، سواء الوافدين أو المحليين، وأنه مؤخرًا اجتمعوا في إحدى الشركات المهتمة بصناعة السينما العربية لطرح فكرة عمل مسلسل عالمي عن شخصية تاريخية، ليكون مسلسلًا ضخمًا بحجم المسلسل الأمريكي الشهير جيم أوف ثرونز، وأنه أثناء الاجتماع كان يوجد طاقة إيجابية قوية لإنتاج العمل، ولكن بعد ذلك تلاشت الفكرة نهائيًّا، ولم يكن هناك تواصل مع أصحاب الفكرة لاستمرارها، ويرى ذلك بسبب عدم احترافية القائمين على العمل السينمائي في الإمارات.

ويرى ستون أنه يجب أن يكون هناك دعم مالي من الدولة للصناعة، من حيث توافر استوديوهات التصوير؛ فهناك الكثير من السيناريوهات المتوقفة فقط من أجل الإنتاج المادي.

ويؤكد ستون نظريه أن الفن بشكل عام في الخليج لا يخرج عن النمط الثابت في مناقشة المواضيع، وهذا راجع إلى أن القائمين على العمل السينمائي مبتدئون، فيمشون على النمط القديم نفسه.

المخرج العراقي الشاب نذير ياسين، وقد أخرج عددًا من الأفلام الوثائقية القصيرة بدولة الإمارات العربية المتحدة، يرى أن السينما في الإمارات لها مستقبل صاعد، ولكن تحتاج إلى الوقت الكافي، خصوصًا بوجود عدد من المنافسين من السينمات الأخرى الغربية، والآسيوية، والعربية.

ويكمل نذير بأنه يعد السينما رسالة فنيه مهمة، ولها تأثير واسع على شريحة من الجيل الشباب والكبار في رواية الحكايات من زمن الناشئة لكثير من الحضور، باستذكار عدد من أفلام الماضي.

وعن الإمكانات التي تحتاجها صناعة السينما في الإمارات يقول: «تحتاج السينما في الإمارات إلى زيادة الوعي الفني لدى الممثلين والممثلات لفهم أكبر ماذا تعني سينما، وكيفية التأقلم مع النجومية، وعدم الاندفاع في فكرة الشهرة، إذ تغلب على فكرة الفن وجوهره.

وعن رده فيمن يتهم صناعة الفن في دول الخليج أنه لا يخرج عن نمط مناقشة مواضيع ثابته يقول: «قد يكون الرأي مصيبًا في بعض النقاط، ولكن ليس السبب من المتلقي للمواضيع، وإنما بمن يطرح، أي إنه هناك حاجة ضرورية لتوفر عدد أكبر من الكُتاب لكي يدخلوا في مجالات جديدة في الطرح والخروج عن المستهلك من الأفكار الدرامية التي طرحت في السينما الخليجية.

بشكل عام مفهوم صناعة سينما في دولة ما ليس بالأمر الهين، وليس لهذا علاقة بمدى قوة اقتصاد دولة أو ضعفها، إنما أعتقد أنه يعتمد على جودة وتفهم السينمائيين وما يريدون الوصول إليه، الإمارات العربية المتحدة لم تعد دولة مهمة على الصعيد العربي فقط، بل أصبحت تمثل دوله لها سمعتها الكبيرة في استقطاب عدد كبير من السياح، توافد مخرجي العالم للتصوير في الدولة يجب أن تستغله الجهات المعنية بشكل أكثر احترافية في التعامل مع صناعة السينما والاستفادة من تلك التجارب.

على الجهات المعنية استقطاب أكبر عدد من المبدعين في مجال صناعة السينما لتشكيل نواة من المحترفين في خلق تلك الصناعة في البلاد.

يجب الاهتمام بشكل كبير بالدراسات الأكاديمية للسينما بشتى أنواعها، وإنشاء المعاهد والأكاديميات المتخصصة في ذلك.

تستطيع مدن كدبي وأبوظبي استغلال سمعتها العالمية من أجل الترويج للسينما الإماراتية، أعتقد أنه قد حان الوقت على القائمين بالأمر في دبي أن تدخل الدولة بشكل رسمي في عمليات الإنتاج السينمائي، وأن تختار من النصوص والمحترفين للعمل بها من أجل إظهارها بالشكل الأفضل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد