«night club يا عبد الواحد؟ سهرة برجوازية أوي».

«انتي الحوار معاكي غير مجدي. باين عليكي ولية برجوازية ملعونة».

قتلتني هذه الجمل وغيرها ضحكًا في فيلم (فوزية البرجوازية) الذي يتحدث عن فترة تحول المجتمع من الاشتراكية اليسارية إلى الرأسمالية الانفتاحية وتصارع المثقفين وطبقات المجتمع. والحقيقة أنا من عشاق فترات التحول، ففيها تظهر تحولات الناس وتتجلى طبقات المثقفين الذين يصارعون أنفسهم ما بين الثبات على الموقف القديم أو الاندماج في الحركة الجديدة والتضحية بالمبادئ ليحصلوا على نصيبهم من الكعكة. فما زلت أذكر محمد عمارة المفكر الإسلامي الكبير حاليًا والاشتراكي اليساري حتى النخاع سابقًا، وشتان بين الاثنين فكأنه قد انقسم وأصبح شخصين لا شخصًا واحدًا.

ولا عيب في ذلك أبدًا فكلنا نتحول بلا توقف. ومقولة إن الرسول كان أول اشتراكي في التاريخ، وأن الإسلام دين اشتراكي في المقام الأول. وكذلك عاطف صدقي الذي كتب كتابًا كان يؤكد فيه على أن الاشتراكية هي الحل على غرار الإسلام هو الحل، وحينما تولى رئاسة الوزراء في عهد مبارك والرأسمالية قال «محدش ودانا في داهية غير الاشتراكية».

كم أعشق هذا التناقض البشري، فهو يجعلك أكثر تسامحًا، فحينما تجد شخصًا قد تغيرت مواقفه فلا تتهمه بالنفاق، فربما قد تغيرت لديه المعطيات وأصبح يرى الصورة بشكل أوضح، أو ربما يحفظ مصالحه. رفقًا بالبشر، فهم متغيرون بالفطرة. لا تتعصب لرأيك فربما يأتي اليوم الذي تغير فيه هذا الرأي، فقط اجلس معي في هذا السيرك المسمى بالحياة وشاهد الناس وهم يؤدون العروض وأعدك أنك لن تمل أبدًا، بل ستصبح مدمنًا مثلي على هذه العروض التي ستقتلك ضحكًا وكآبة، وستعرف أنهم يتشاجرون على لا شيء، فكل إنسان يفكر حسب بيئته ونشأته وجيناته والمواقف التي تعرض لها.

لا يوجد شخص حيادي حتى وإن ادعى ذلك، فكل شيء نسبي والألوان كلها رمادية. أنت لست حر الإرادة كما تعتقد فكل ما حولك يساهم في أن تكون هذا الشخص الذي تلبس عباءته. أنت لم تختر شيئًا أبدًا. لا أريد أن أتفلسف كثيرًا وليست عادتي ولكني أتكلم بين نفسي وعلى الورق، فلن أدخل في هذا النقاش على أرض الواقع بل على العكس سأحاول أن أتهرب منك إن أردت الحديث، أو أدعي الجهل فأنا أكره أن يفهمني الناس على غير مرادي، وأكره أكثر أن يطبقوا عليّ معاييرهم. وأنا على يقين بأن هناك من جلس مثلي وقال نفس الكلام فيما مضى ولم يتغير شيء. فهو نفس الصراع الدائم بين البشر. لا شيء جديد.

حسنًا، فلنعد يا صديقي إلى الفيلم. تظهر لنا في هذا الفيلم صورة المثقف الاشتراكي المعتادة وليست الصائبة في أغلب الأحيان (عبد الواحد)، فهو هذا الشخص المعدم الذي يعيش في برجه العاجي ويحلم باليوتوبيا التي تتساوى فيها جميع طبقات الشعب وتختفي الملكية الخاصة، ومع ذلك فهو ينظر للعامة على أنهم حشرات ورعاع ولا يستحقون التضحية التي يقوم بها من أجلهم، وصراعه مع مثقفي الرأسمالية بل والعامة البرجوازيين الذين لا يهتمون إلا بالخبز ورفاهية الحياة، فهو المثقف الذي يصدع رأس الجماهير، ولذلك فهي لا تحبه فهي لا تريد من يصدع لها رؤوسها.

يظهر عبد الواحد أيضًا في صورة القاص الفاشل الذي لم يكتب إلا القليل من القصص ولا يمل من تكرارها على القهوة بين من على شاكلته برغم عدم اهتمام أحد به أو بأدبه، وصعوبة هذا الأدب ورمزيته المغرقة في دلالة على أنه منعزل عن الجماهير ولا يستطيع التواصل معهم.

صورة أخرى هي للمثقف الثائر دائمًا الذي لا يفعل شيئًا غير الجلوس على المقاهي وتحميس روادها بخطابات ماركسية ستالينية ماوية لينينية واحتساء أقداح البيرة في مقاهي وسط البلد ثم يتسلل مغادرًا القهوة دون أن يدفع ثمن ما شرب، ويرى أن الشعب لا يحتاج إلى الثقافة بل يحتاج إلى من يقوده، وبالطبع هو المؤهل لهذه القيادة التي ستنتهي بالجماهير إلى الثورة التي ستحرر الشعوب من براثن الرأسمالية الطفيلية، ومع ذلك فهو مستعد للتنازل عن مبادئه من أجل وجبة غداء فاخرة أو حتى وضيعة. هذا المثقف الآخر يقوم بدوره (سناء الشافعي) في صورة الانتهازي الذي يؤجج الصراع بين أبناء الحارة البسطاء ويوهمهم بأنه يحس بآلامهم ثم إذا به يجلس مع الأغنياء ليسب الفقراء ويترجى الأغنياء أن يتركوا  الفتات للمعدمين خوفًا من حسدهم.

«أنا لا يميني ولا يساري أنا ابن بلد وهعيش وأموت ابن بلد» جملة قالها الأسطى بدار دون أن يدري عبقريتها لتدل على حال الطبقة البسيطة في المجتمع التي دومًا ما تدهس أحلامها تحت حذاء السلطة والمثقف المتلون اللذين يدعيان دائمًا حب الشعوب ودائمًا هي الضحية (وكل يدعي وصلًا بليلى وليلى لا تقر لهم بذاك).

الفيلم عبقري إلى أقصى درجة وربما تتجلى هذه العبقرية والسخرية في أن الصراع الدائر في الفيلم ينشأ بسبب هذه الكلمة (البرجوازية) بالرغم من أن فوزية ظلت إلى آخر الفيلم لا تفهم لهذه الكلمة معنى. في دلالة على أن العامة يسهل قيادتهم والسيطرة عليهم بأي فكرة حتى ولو لم يفهموها وهو شيء مرعب. الفيلم مليء بالرمزية والرسائل الخفية والكوميديا السوداء وغير السوداء ويستحق المشاهدة والمناقشة. أنصح به في زمن أصبحنا لا نجد سينما مصرية حقيقية تستطيع تشكيل الوعي العام وأصبح العمل الجيد عملة نادرة وبضاعة غير مستساغة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد