ستانلي كيوبريك السابق عصره المثير للجدل، الفنان العبقري بشهادة أكبر وأهم صناع السينما، الذي يرسم لنا في كل فيلم له موناليزا جديدة على الشاشة الفضية.

منذ الدقيقة الأولى لأول كادر في أي فيلم له، سيسحبك بقوة ونعومة لعالمه الداخلي المليء بالنفوس المضطربة ولمحات الجنون واليأس وما يبدو كأحلام منسحقة تحت وطأة سر ما أو قوة أشد وأعلى. حتى وإن كنت مشاهدا للسينما الترفيهية الهوليوودية المبهرة الشيقة؛ كيوبريك لن يتركك خائب الظن أيضا. كيوبريك سيعد لك وجبة دسمة من الإبهار كإطار لمفهوم وبعد حقيقي لما يريد توصيله لك.

كيوبريك سيعد لك ديكا روميا كاملا في شطيرة، ويتركك أنت وهضمك واحتياجاتك، ومفهومك!

من هو ستانلي كيوبريك؟

ستانلي كيوبريك هو مخرج أمريكي ولد في مانهاتن – نيويورك بالولايات المتحدة عام 1928 وعلى الرغم من أنه لم يكن نابغا في دراسته كصبي وحصده لدرجات ضعيفة، إلا أنه أبدى اهتمامًا غير عادي بالاطلاع والشطرنج الذي علمه إياه والده في سن 12.

بعدها كان مفتاح تغير شخصيته وأفكاره عندما أهداه والده كاميرا فوتوغرافية في سن 13 عاما.

فبدأ شغفه بالفن المرئي وبدأ في ممارسة التصوير الفوتوغرافي الحر, بعد ذلك درس اللغة الإنجليزية في كلية القواعد بواشنطون وانضم لنادي الفوتوغرافيا، وبعد تخرجه في منتصف الأربعينيات بدرجات بالكاد مقبولة برغم شغفه بالأدب, وعاد إلى برونكس بنيويورك حاملا أحلامه وأفكاره ورؤياه العميقة ليحترف التصوير الفوتوغرافي بعدة مجلات متخصصة.

وبدأ في مطلع الخمسينات مجال العمل السينمائي بعدة أفلام قصيرة وأخرى وثائقية من أهمها: “الخوف والرغبة 1953″ و”الأب الطائر 1953″ و”يوم القتال 1951” والتي لم تلقَ الرواج المأمول. ولكن في العام 1955 أخرج كيوبريك فيلم “قُبلة القاتل” والذي يحكي قصة شخص غامض في محطة قطار يروي للمشاهد قصتة مع أحلامه ورغباته وقصته المعقدة مع حبيبته في إطار درامي مشوق بين ماهية الخطيئة وشبح جريمة غير مكتملة.

وقد جذب هذا الفيلم شريحة صغيرة من المهتمين بعالم السينما ولكنه لم يكن بالنجاح المدوي. بعدها أخرج فيلم “القتل 1965” وهو فيلم جريمة مأخوذ عن واقعة حقيقية والذي نال إعجاب النقاد بقوة، ولكنه ظل برغم هذا بعيدًا عن طوابير شبابيك التذاكر. وفي العام 1957 أخرج رائعته “طرق المجد” بطولة النجم كيرك دوجلاس ومن إنتاجه، والذي يصور فيه معاناة فصيلة من الجنود في الحرب العالمية الأولى لم تذعن لأوامر قائدها، وحصد الفيلم نجاحًا جماهيريًا وماديًا لا بأس به ورشح لجائزة الأكاديمية البريطانية للفيلم والفنون التليفيزيونية وكان وقتها عمره 29 عامًا فقط.

قائمة أعمال كيوبريك

1- سبارتاكوس (محرر العبيد) 1960 – Spartacus

نال عنه أول جوائزه كفيلم روائي من أكاديمية الفيلم البريطانية كأحسن فيلم, ويحكي قصة شخصية سبارتاكوس المصارع الروماني الذي حارب من أجل حريته وحرية العبيد المحاربين. وهو من أقوى محطاته الإبداعية وصار رمزًا شهيرا لمفهوم التحرر في العالم وقتها ونال شهرة واسعة ليس فقط في الولايات المتحدة ولكن في العالم أجمع – وهنا في مصر أيضا – ولن تجد ستة من كل عشرة مثقفين في العالم لا يعرف الفيلم أو شاهده عدة مرات.

2- لوليتا 1962 – Lolita

هو أول طريق إثارة الجدل في تاريخ كيوبريك, وقد انتقل إلى بريطانيا خصيصا لإخراج هذا الفيلم؛ والذي يحكي عن أزمة منتصف العمر لأستاذ جامعي تستحوذ على اهتمامه فتاة قاصر مهووسة جنسيا تبلغ من العمر أربعة عشر عاما فقط! وقد صنع موجة عاتية من الجدل وقتها ورشح لجائزتي أوسكار أحسن نص مقتبس وأحسن مخرج.

3 – دكتور سترنـچلوف: كيف توقفت عن القلق وأحببت القنبلة – 1964 Dr.strangelove

من علامات الكوميديا السوداء وعالم الضغط النفسي والإثارة جاءت تلك الأيقونة تحكي عن جدل رهيب بين جنرال مهووس وعدد من صناع القرار والساسة في غرفة مغلقة، بصدد قرار إسقاط قنبلة نووية. وترشح لسبع جوائز دفعة واحدة، نال منها ثلاثًا بجدارة. جائزتان منهم من أكاديمية الفيلم البريطاني عن أحسن فيلم وأحسن فيلم من أي مصدر وجائزة دائرة النقاد لأحسن مخرج بمهرجان فيلم نيويورك.

4 – 2001: أوديسا الفضاء 1968 – 2001 : space odyssey

هنا بالطبع لابد وأن نتوقف قليلا، ونتحدث عن وصول كيوبريك للقمة. الفيلم ليس مجرد قطعة فنية مبهرة وقتها – وحتى الآن! الفيلم اقتحم عالم الفضاء والخيال العلمي باحترافية تسبق عصرها بسنوات، وبتأمل الفيلم كمشاهد قد تحتار حتى في تصنيف الفيلم. الفيلم فلسفي في مضمونه يحمل معانيَ كثيرة في إطار الإبهار البصري.

تبدأ بالإنسان وتنتهي بالإنسان، مرورًا بأعلى مراحل تطور الفكر البشري حتى وصوله لغزو الفضاء، ثم تصعد من غوصك في قلب الإبهار لتطل برأسك على قصة الخيال العلمي التقليدية والحاسوب المتقدم هـ.أ.ل 9000 وتحولاته على خلفية سيمفونية فخيمة للعبقري شتراوس صارت من أهم ثيمات الفيلم، بل ومن أهم ثيمات الإبهار بشكل عام.

وقد رشح الفيلم لأربع جوائز، فاز منها بأوسكار أحسن مؤثرات بصرية, ناهيك عن النجاح الجماهيري الذي لم يتناقص حتى يومنا هذا برغم ظهور جيل جديد من المؤثرات البصرية الجرافيكية. لا يزال أوديسا الفضاء هو نقطة تحول في الإبهار البصري في هوليوود.

5 – البرتقالة الآلية 1971 clockwork orange

عودة لإثارة الجدل في إطار غير مألوف كعادة كيوبريك مع البرتقالة الآلية؛ الذي يحكي بفلسفة شديدة الوطء عن ديستوبيا مستقبلية مليئة بالعنف والجنس والدموية مع فرد عصابة شرير سادي يعشق موسيقى بيتهوفن! ورحلته بعد القبض عليه ووضعه في برنامج تجارب أبحاث حكومي سري قاسٍ يهدف لنزع غرائزه الطبيعية المتحكمة في ارتكابه للجريمة، وانتهاؤه بتحوله لشخص ضعيف خانع ومن ثم خضوعه لقسوة وشر السلطة نفسها.

والفيلم نفسه جريء مليء بعنف دموي وجنسي مما أدى لمنعه من العرض التجاري في بعض الدول، ولكن على الرغم من هذا فقد ضرب هذا الفيلم رقمًا قياسيا في مشوار كيوبريك كأكثر أفلامه ترشيحا للجوائز بتسعة ترشيحات، ما بين الأوسكار ومهرجان فيلم نيويورك وجائزة أكاديمية الفيلم البريطاني وفي عدة فئات، حصد منها اثنتين من مهرجان فيلم نيويورك كأحسن فيلم وأحسن مخرج.

6 – باري ليندون 1975 Barry Lyndon

الفيلم الذي قال عنه البعض أن كيوبريك أخرجه بدافع الملل! وقال آخرون أن باري ليندون هو وجه آخر من وجوه كيوبريك نفسه وجزء من أحلامه وأفكاره. الفيلم يحكي باستفاضة عن الأيرلندي باري ليندون وقصة طموحاته ورحلته من أيرلندا إلى انجلترا، مرورًا بأسكتلندا وسبع سنوات من الحرب إلى الحب والثروة وشهوة السلطة، وصعود السلم الأرستقراطي في المجتمع البريطاني. ولكن بالطبع الفيلم وجد مكانه في قوائم الترشيحات لسبع جوائز فاز منها بجائزة أحسن مخرج من أكاديمية الفيلم البريطاني.

7 – التألق 1980 The shining

محطة أخرى وباب سري يفتح على عقل كيوبريك وهواجسه وأفكاره وأسراره أيضا! في فيلم التألق يقتحم عالم الرعب في نقطة تحول أثارت العديد من التساؤلات وعاصفة من الغموض، بعد اختفاء دام خمس سنوات بعد إخراجه لباري ليندون. لماذا الرعب بالتحديد؟ ولماذا اختار رواية الكاتب ستيفن كينج الصاعد بقوة في أدب الرعب وقتها؟

أمر فسره البعض برغبة كيوبريك في غزو شباك التذاكر باحترافية. وكان للبعض آراء أخرى مثل أبعاد شخصية البطل الكاتب الذي يتحول لمضطرب نفسيا ثم يجن ويبدأ في ترويع أسرته الصغيرة على خلفية إقامته في فندق ملعون بلا مقيمين سواهم، وبين “قدرات” ابنه الطفل في رؤيته للشر والرعب ومن ثم ملاحقته لسر اللعنة التي تسكن المكان.

وحصد الفيلم نقدا إيجابيا رائعا ونجاحًا تجاريًا قويًا، ولكنه خرج من قوائم المهرجانات المرموقة، بل إنه ترشح في مهرجان رازي لأسوأ مخرج!

ولكن مع مرور الوقت كان الفيلم يزداد شهرة ونجاحًا. بل إن الفيلم نفسه عاد لنوع آخر من إثارة الجدل مؤخرا وتحديدا في آخر عشر سنوات من قبل المهتمين بتاريخ كيوبريك، وربطه بمؤامرات وصفقات سرية مع الحكومة الأمريكية لتزييف فيلم الهبوط على القمر ورحلة المكوك أبوللو 13 بل وأيضا انتشرت العديد من الأفلام الوثائقية على الإنترنت حول هذا الفيلم تحديدا، كان من أشهرهم فيلم (الغرفة 237)، يغوض فيها في أبعاد خفية وإشارات ضمنية.

رسائل خفية برع كيوبريك في زرعها في الكادرات البصرية وفي إطار قصة الفيلم التي – على حد قول وتحليل صناع الفيلم – تم تغييرها عن مضمون رواية كينج الأصلية عن قصد ليخبر العالم بحقيقة تورطه مع الإدارة الأمريكية في صنع خدعة هبوط القمر، بل في عدة مضامين أيضا أراد كيوبريك توصيلها للمشاهد المتأمل الواعي.

8 – سترة معدنية كاملة 1987 Full metal jacket

يتأخر كيوبريك على محبيه سبعة أعوام كاملة، ويعود بالسترة المعدنية. الفيلم الذي يصور أعقد نواحي النفس البشرية عندما يأتي الأمر للحروب والحياة العسكرية؛ وبخاصة ندبة فيتنام على الجبهة الأمريكية. يسرد الفيلم قصة مجموعة من الجنود في إطار تدريبات قاسية وعنيفة إبان حرب فيتنام، وينتقل بين شخصيات الفرقة وقائدها ليبرز هواجس النفس البشرية بين العنف والقتل والاقتراب من الهوس والجنون, ورشح الفيلم لجائزة أفضل سيناريو مقتبس ولكنه لم يفز بها.

ولكن الفيلم صار علامة هامة في عوالم نبذ الحروب وقسوتها مُبارِيًا بقوة فيلمًا لعبقري آخر وهو فرانسيس كوبولا “أبوكاليبس الآن 1979”.

– عيون مغلقة على اتساعها 1999 Eyes wide shut

آخر محطاته، في رأيي أقواها وأقربها لوجه كيوبريك الخفي وهاجسه الذي أرقه طيلة حياته. وفي رأي آخرين محاولة تقليدية لصنع فيلم معاصر بنكهة كيوبريك.

الفيلم يتوغل مع قصة طبيب ملتزم وزوجته ولمحات من حياتهما الروتينية التي تبدأ في التشقق مع اعتراف بإقدام زوجته على خيانته من قبل وتراجعها، فتبدأ بارانويا الشك في مطاردته وصولا لحدث غامض يقوده لجماعة أرستقراطية سرية غامضة، تتبنى حفلات طقسية من المجون والجنس الجماعي فتشعل فضول قاتل بداخله؛ فيطاردهم مصارعا مخاوفه وشكوكه وفضوله حتى تنتهي مخاوفه بحقيقة ذات وجهين ونهاية مفتوحة غير تقليدية.

وقد علق الكثير من المحللين السينمائيين عما قد يحمله الفيلم من معانٍ، كما عودهم كيوبريك أن تحمل أفلامه مضامين أعمق من الترفيه السينمائي.

وكان أفضل تحليل اتفق عليه الأغلبية هو أن عيون مغلقة على اتساعها لهو اعتراف كيوبريك الخفي برجلة هوسه ومطاردته الحثيثة بمن خلف صناعة السينما بهوليوود ومن المتحكم بها كقطب أوحد، وسعيه مدى حياته بأن يكون واحدًا منهم، فيصطدم ببشاعة وفساد وشر القائمين على هوليوود على اختلاف وصفهم إن كانو أثرياء الصهيونية أو مجتمع الأللوميناتي السري أو غيرها من أشباه الحقائق، أو ما يطلق عليه نظرية المؤامرة التي تتكرر بشدة حول سيرة كيوبريك؛ منذ أطروحة تزييف الهبوط على القمر ومرورًا بمشروعات غسيل العقول في الميديا الهوليوودية.

مشروع شهير لم يكتمل

من المعروف لمتابعي سينما كيوبريك أن فيلم الذكاء الصناعي 2001 A.I: artificial intelligence والذي تولاه من بعده المخرج الشهير ستيفن سبيلبرج ثم أهداه له؛ كان آخر مشروعاته التي لم تكتمل وكان قد عزم الأمر على إخراجه، وكان قد أخذ حقوق تحويله للسينما من مؤلفه برايان ألديس، ولكن وافته المنية في السابع من مارس في العام 1999 في هرتفوردشاير بإنجلترا.
وهكذا رحل العبقري الغامض وترك لنا تركة دسمة من أفلامه التي بحق يوصف كل واحد منهم على أنه إما تحفة سينمائية خالصة، أو بالغوص في طبقاته قد يتبدى لك أكثر من سينما للترفيه.

كل كادر ومشهد وزاوية تصوير وتوظيف الموسيقى التصويرية والإضاءة والألوان هي رسالة ضمنية ذات قيمة لمن يريد أن يراها.

ليس هذا رأيي الخاص كمتابع سينما فقط، ولكنه رأي الملايين من محبيه، والعديد من زملاء مهنته وأقرانه في هوليوود كأحد أهم مخرجي السينما الأمريكية وهو ستيفن سبيلبرج الذي قال:

لا تتوقع من مخرج أن يفاجئك في غموض أحداث أفلامه مثل كيوبيرك الذي كان كالحرباء ويتلون على حسب ما يصنعه، لا يصنع صورة مرتين. ومع ذلك لا يكفيك أن تشاهد أفلامه مرة واحدة، بل خمس عشرة مرة!

وفي كل مرة تترك نفسك تنساق مع الفيلم على الرغم من توقعك لما سيحدث في المشهد التالي، لكنك تتفاجأ.

وبالفعل، قد يبدو لك المقال مبالغا في حب الرجل، لكنني أوصي بشدة برحلة غوص في عقل كيوبريك والقراءة حول أعماله وسيرته، لربما تلتقط طرف خيط في لفافة خيوط معقدة يلقي بها الرجل في حجرك طالبا منك أن تفرد الخيوط كلها بمفردك؛ وكأنه يشركك في دوامة حياته وخيالاته وأوهامه ونظرياته غير المقيدة محاولا حثك على الخروج من قوقعة رتابة تفكيرك وتبني مخاطرة معرفة الحقيقة المطلقة كما فعل هو.

ونصيحة مني دون أي تحاذق؛ ركز دوما في توظيف اللونين الأحمر والأزرق – فقد وصفه الناقد والمؤلف بول جودال بالشاعر البصري في الأصل – في كادرات كيوبريك البصرية بخاصة في آخر أربعة أعمال له، وأعد التفكير فيما قد يحتمله التوظيف من معانٍ، مستعيدا مرجعية اللونين نفسيهما في رائعة الأخوين واشوسكي “المصفوفة – ماتريكس 1999” عندما عرض البطل الثاني على البطل الأول الاختيار بين كبسولتين وشرح له تبعات الاختيار، مما يعطيك لمحة عن رمزية اللونين؛ حيث أعتقد – وهذا مجرد طرح شخصي – أن إقحام صانعي “ماتريكس” هذا الاختيار في سياق القصة لهو أصلا فيض من إلهام المخرج العبقري.

وهذا فقط قمة الجبل الجليدي في عالم ستانلي كيوبريك الغامض الساحر والمثير للجدل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد