بين هوليوود وبوليوود سنوات، ليست سنوات عادية وإنما سنوات فلكية ضوئية، هوليوود في وادٍ وصناعات الأفلام الأخرى جميعها في وادٍ آخر، وهذا ليس غريبًا؛ فالحضارة جزء لا يتجزأ، أمريكا تمثل القلب النابض للحضارة الإنسانية، لا أتكلم عن الجوانب الحالكة من حضارتهم وحبهم للسيطرة على الآخرين، وهيمنتهم على الشعوب في دول العالم الثالث، وهذا ليس بالأمر العجيب؛ فحب السيطرة والهيمنة على الآخرين أمر طبيعي فطري في الإنسان ، ولكننا سنقف لبرهة لنلقي نظرة على ذلك العالم المتميز، عالم السينما الغريب، والذي تساءل العاملون فيه والمنشغلون به: هل يجب أن يكون الفيلم واقعيًّا لأن ذلك يفي بجوهره الفوتوغرافي؟ أم يجب على الفيلم أن يبتعد عن الواقع ليصبح فنًّا مستقلًّا،طالما كان هذا السؤال جدلًا قائمًا بين مثقفي السينما ومحبيها، ولكن مع مرور الوقت حسم الفيلم بنفسه هذا الخلاف، وثبت للجميع أنه فنٌّ قائم بذاته، لديه فلسفته الخاصة، إلى حد يراه دانييل فرامبتون صاحب كتاب «فيلموسوفي» أن حركة الكاميرا وانتقالها من مشهد إلى مشهد هو شخص بلحمه ودمه، له عقله الخاص وفكره الخاص.

هناك أفلام تزِّيف الحقائق التاريخية، وتحاول قلب الواقع وتوهم المتفرجين السذج بأن الأمريكان والرجال البيض بشكل عام، هم أرحم عباد الله على وجه الأرض، كم مرة شاهدنا لقطات يصور لنا فيها مخرج الفيلم أن البطل ملاك رحمة هبط من السماء، وكثيرًا ما تكون هذه الفكرة راسخة في أذهاننا ونحن لا نشعر، كم مرة شاهدنا أفلامًا عن حرب أمريكا على العراق، والصومال، والفيتنام، وكل بلد وضعت أمريكا أقدامها عليها، جميع هذه الأفلام، يمكنك أن تلاحظ فيها كيف يجيدون لعب دور الضحية، ودور المجني عليه بدلًا من الجاني، ولكن عالم السينما ليس هابطًا إلى هذه الدرجة، فهناك حقًّا أفلام جديرة بالذكر، أفلام فلسفية منطقية، وأخرى خيالية علمية.

A space Odyssey 2001. أوديسا الفضاء

«أوديسا الفضاء» ذلك الفيلم الفلسفي الذي يصعب فهمه، ومما لا شكّ فيه أن مدمني أفلام الحركة والدراما والرعب سيصبحون ضحايا للملل، المشاهد الأولى من الفيلم هي مجموعة من قردة الغوريلا تسكن في جبل ليس بالكبير، قرب بركة صغيرة ضحلة المياه، لا تتجاوز مساحتها متر مربع، وفي ظهيرة كل يوم تخوض القردة من أجل الدفاع عن مياهها معركة أقوى سلاح فيها هو النحنحة والضجيج الذي يصدره قائد المجموعة، والصياح في وجه المجموعة الأخرى من الغوريلا، والتي بدورها تزقّح بكل قوة وتزمجر وتهدد لأجل إرواء عطشها، وبينما كان الحال هكذا وفي أثناء هذا الروتين الممل يظهر ذات صباح وبشكل مفاجئ جسم أسود يبدو كعمود فولاذي، يصدر منه ضجيج قوى يرعب القردة، فيتغير سلوك القردة بعد أن تلمس الجسم وتطمئن منه ولكن تصبح بعد ذلك عدوانية بعض الشّيء، ففي الظهيرة تخوض القردة في قتالها كالعادة ولكن هذه المرة بشكل مختلف يبدو أنها تعلّمت أمورًا أخرى، يلتقط قائد المجموعة عظمة لحيوان ميّت من الأرض فيضرب بها قائد المجموعة الأخرى ليلقى حتفه على الفور.

ننتقل إلى المشاهد الثانية في الفيلم حين يكتشف البشر قطعة فولاذية على سطح القمر يصدر منها ضجيج مخيف، ولكنهم أخفوا ذلك عن البشر خوفًا من أن يكتشفوا، وأخبروهم بأن هناك وباء انتشر في تلك الفوهة، وبعد أن يزور الخبراء مكان تلك القطعة الفولاذية يصدر منها ضجيج قوي، وننتقل إلى المشهد الثالث والأخير دون أن نعلم مصير هؤلاء العلماء.

والمشاهد الأخيرة تبدأ بسفينة فضائية جاهزة لرحلة إلى المشترى، مع طاقم يضم خمسة أفراد، ثلاثة منهم في سبات عميق، وذكاء اصطناعي يتحكم على السفينة، وفي أثناء الرحلة يقرر اثنان من العلماء التخلص من الكمبيوتر بعد أن يزعجهم ويشعرون بالقلق منه، ومن حيث لا يسمعهم الكمبيوتر، وفي داخل كبسولتهم الفضائية الآمنة تحدث هذه المؤامرة، وبعد لحظات يخرج العالمان للفضاء ليصلحوا عطلًا طارئًا في أحد الأجهزة، فجأة ينقطع الأنبوب المتصل بخوذة أحد الروّاد ويحاول الآخر إنقاد صديقه ويقف أمام السفينة حاملًا صديقه فاقد للوعي ويطلب من الكمبيوتر (هال) فتح باب السفينة، ولكن الكمبيوتر فاجأه وأخبره بأنه يعلم بمؤامرتهما، وأنه لن يسمح لهما أن يعرضا الرحلة لأي خطر، وأضاف إلى ذلك أنهما أخذا التدابير اللازمة لكي لا يسمعهما، وقال للرائد إنه اكتشف مؤامرتهما عن طريق قراءة حركة شفاههما، لهذا تخلص من واحد منهم بعد أن قطع أنبوب الأكسجين المتصل بخوذته، ظل العالم يتوسل إليه أن يفتح الباب لمحاولة إنقاذ صديقه، ولكنه يكتشف أن الأمر مستحيل، فيتركه تائهًا في الفضاء الفسيح، ويدخل هو عبر بوابة الطوارئ ويعطل دماغ الكمبيوتر، وفي هذا المشهد حقًّا تأخذك الرأفة بالكمبيوتر (هال)، حين يتوسل ويطلب العفو والمسامحة؛ لأنه أخذ مؤخرًا بعض القرارات الخاطئة، ويقول له: «أتوسل إليك لا تتلف عقلي… أنا أتلاشي… أرجوك تكلم معي».

أما اللّقطات الأخيرة هي الأكثر غموضًا في الفيلم، حيث يواصل العالم المتبقي رحلته إلى المشترى بعد أن فصل الكمبيوتر الذكي عن المهمة، حتى يدخل في حقل من الطاقة متعددة الألوان ليس لها أي شكل خاص بها، ويمضي الوقت دون أي شعور منه حتى ينتهي به الأمر إلى شقة عصرية يجلس بداخلها رجل عجوز، ثم نري جنينًا في رحم ما يدور تائهًا في الفضاء لينتهي الفيلم بذلك المشهد.

كثرة التفسيرات والتأويلات حول هذا الفيلم الغامض وحول هذه اللقطات، المشاهد الأولى في الفيلم هي مرحلة الإنسان البدائي قبل أن يتطور، أمّا العمود الأسود الذي يتكرر في المشاهد الثلاثة نعرف أنه شارك في تطوير البشرية، ربمّا كان دافع البشرية للتطور، ولكن لا أحد يعرف أكثر من ذلك، فكينونة ذلك الشيء ستظل غامضة، إن شئت قل كانت الطاقة هي الإله أو أن العمود هو الإله، ويمكنك أن تقول إنّ الطفل الذي يدور في الفضاء دون أي عناية يرمز للإنسان التائه، ذلك لأن ستانلي كوبريك لم يرد يومًا أن يشرح لنا هذا الفيلم؛ لأنه أراد أن يترك لنا حرية التكهن، وفضَّل أن تكون مخيلتنا حرّة غير مؤطَّرة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد