هناك جدل مستمر حول ما إذا كان دور السينما والفن عمومًا في حياة البشر هو التسلية البحتة، أم أن الأمر أكثر من ذلك وهناك دور أخلاقي للسينما في حياة البشر بتسليطها الضوء على مشاكلهم وعيوبهم. في كتابه “في التاريخ فكرة ومنهاج” يذهب سيد قطب إلى نظرة مثالية بخصوص الفن، حيث يرى أن الفن لا ينبغي أن يستغرق الكثير من الوقت في التعبير عن سقطات البشر والتمحور حولها، بل يجب أن يساعد البشر على النهوض من عثراتهم والارتقاء بهم إلى آفاق أعلى.

والسينما تحوي أفلامًا ليست مسلية مريحة للعقل والقلب يشعر المرء بعد مشاهدتها بالسعادة الزائفة والنشوة مثلما يشعر متعاطي المخدرات بعد تناوله جرعته! ولعل من أهم الأفلام المنتمية لتلك النوعية هي التي ركّزت على حياة المهمشين من البشر. أولئك البشر الذين حرموا شيئًا أو آخر مما يوجد لدى الناس العاديين، فصارت حياتهم جحيمًا لا يطاق ونساهم أو اضطهدهم الكثيرون فأتت السينما لتذكرنا بأن البشر لا يحتاجون بالضرورة لثورات وحروب دموية لكي يخرجوا أسوأ ما فيهم تجاه بعضهم البعض.

أول ما يتبادر للذهن حين الحديث عن المهمشين هم الفقراء الذين حرموا المال الذي يكفي لحياة كريمة، ويضطرون لتقديم تنازلات كبرى للحصول على أبسط مقومات الحياة. وقد عرض ابن القيم في كتابه “عدة الصابرين وذخيرة الشاكرين” أدلة على أن أكثر أهل الجنة هم من الفقراء الصابرين على حالهم في الدنيا. فما هي أحوال الفقراء الصعبة والمأساوية التي لا يتذكرها أغلب الناس إلا في المواسم والأعياد من خلال بعض الحملات الدعائية، والتي تكون أغلبها لتحسين صور البعض والعلاقات العامة، وليس من أجل الصدقة الخفية والزكاة المفروضة دينيًّا على سبيل المثال؟

57

في فيلم Children Of Heaven يعرض المخرج مجيد مجيدي صورة من صور الكفاح الإنساني ﻷسرة فقيرة في إيران. أبطال القصة هما علي وشقيقته زهراء اللذان يشتركان أيضًا في كونهما لا يملكان سوى حذاء واحد، وتلوح أمام علي فرصة للفوز بحذاء آخر إذا اشترك في سباق على مستوى المدارس، وقد يكون الحذاء مقصودًا بذاته، أو قد يكون رمزًا للثروة والحراك الاجتماعي بين الطبقات الذي يتطلع له الفقراء أكثر من غيرهم، ولكن من خلال أحداث الفيلم المتسارعة نجد صورة إنسانية جميلة عن أحوال ساكني العشوائيات الصعبة.

وبالانتقال لفيلم آخر وهو A Time For Drunken Horses تبدو الصورة أكثر قتامة، حيث يعرض الفيلم حياة أسرة شديدة الفقر مكونة من أطفال أيتام ومدى الضغوط التي تقع على الابن الأكبر ليعتني بالباقين، خاصة وأن لديه أخًا يحتاج علاجًا مستمرًا، ورغم أن كل إخوته يعملون إلا أن ظروف عائلته الصعبة تجبره على القيام بتضحيات جسيمة، والعمل في مهنة محفوفة بالمخاطر في الحدود بين إيران والعراق.

وكأن أعباء الضغوط المادية وحدها لا تكفي لتضغط على أحد الفقراء فتجعله يتصرف بشكل يمثل خروجًا على القوانين الظالمة، نرى في فيلم John Q المدى الذي يمكن أن يصل إليه رجل لإنقاذ ابنه المعرض للموت إذا لم يتم زرع قلب جديد له، وكيف يتحدى القوانين الرأسمالية المستغلة التي وضعتها الدولة والقطاع الطبي الخاص، ليكون ما فعله تجسيدًا لمقولة الصحابي أبي ذر الغفاري: “عجبت لمن لا يجد قوت يومه كيف لا يخرج على الناس شاهرًا سيفه؟!”

58

ولكن التهميش بسبب الفقر ربما يكون أقل أنواع التهميش إيلامًا للبشر، فالفقير يشبه بقية الناس ولكنه أقل ماديًّا فقط، ولكن لنتخيل ماذا سيكون رد فعل الناس على شخص لا يشبههم في شيء ﻷنه مشوه جسديًّا، هل سيتركونه في حاله أم سيهمشونه ويضطهدونه بقسوة؟ قد يكون التشويه غير ظاهر ومؤثر على حاسة أخرى. وقد يكون التشويه غير ظاهر وغير مؤثر بشكل دائم كما ذكر الطبيب البشري أنس خالد العام الماضي تعليقًا على واقعة حقيقية تحدث لمن يولدون بخلل في الهرمونات، ويتم علاجهم بعد سن معينة, وهؤلاء أيضًا لم يرحمهم المجتمع واتهمهم بأبشع الاتهامات!

فماذا لو كان التشوه كبيرًا وغريبًا للغاية إذن؟ في فيلم المخرج ديفيد لينش The Elephant Man المبني على القصة الحقيقية لجوزيف ميريك الذي عانى من تشوه كبير في وجهه ناتج عن زيادة نسبة الكالسيوم في جمجمته (وهي حالة نادرة الحدوث للغاية) نرى الخير والشر في أوضح صورهما، حيث يوجد طبيب يبذل قصارى جهده في الاعتناء بالرجل، ونرى أيضًا كيف تعامل المجتمع الإنجليزي مع هذا الرجل بأشد صور الانحطاط، فيروجون عنه إشاعة مفادها أنه ولد بهذا الشكل ﻷن فيلًا اغتصب أمه، ويحبس في سيرك ويتم ضربه ويأتي الناس ليشاهدوه ويلتفوا حوله ليصرخ فيهم: “أنا لست حيوانًا! أنا إنسان!”.

ونرى كيف يتصف هذا الرجل بمشاعر مرهفة وثقافة رفيعة (عكس أغلب المجتمع الإنجليزي في ذلك الوقت) وكيف يضطر لتغطية رأسه بالقماش ليتفادى مضايقات الناس في الشارع، لتتجلى الحقيقة بوضوح إن هؤلاء هم الوحوش حقًا وليس هو! لا يختلف الحال كثيرًا في فيلم Mask المبني أيضًا على قصة حقيقية لطفل ولد بنفس الحالة، وكيف تحاول أمه أن تجعل حياته طبيعية مثل أقرانه قدر الإمكان.

59

ربما يكون السبب في ما سبق أن تلك الحالات شديدة الندرة، فتستعصي على الفهم، والبشر يخافون ما لا يفهمون، ولكن هل يصلح هذا التفسير مع شخص كان عاديًا ثم تشوه وجهه إثر حادث أليم، كما في فيلم The Man Without A Face حيث يتسبب تشوه وجه الرجل الذي كان يعمل مدرسًا لطالب في اتهامه بقتله، ويسجن ليخرج ويقرر العيش بهدوء في قرية بعيدة قبل أن يدخل حياته شاب آخر يريد التعلم منه، فلا يرحمه المجتمع وتبدأ الاتهامات تطول الرجل بدءًا بكونه آكل لحوم بشر وانتهاء بكونه متحرشًا بالأطفال، بينما الأحداث تكشف أنه مدرس عبقري ملهم طيب القلب، ولكن المجتمع لفظه ونبذه وهمشه واضطهده بسبب تشوه شكله، فما عذر المجتمع هذه المرة؟!

60

وربما تكون المشكلة أكبر وأعمق حين لا يكون التهميش بسبب الشكل أو المستوى المادي، بل بسبب خلل عقلي أو نفسي، ومع تشابك هذين الخطين وعدم إمكانية الفصل بينهما بسهولة فمن المفارقات المهمة أن الأشخاص المصابين بمشاكل نفسية أو عقلية قد يفوقون البشر العاديين في أشياء أخرى أكثر أهمية. وليس من الضروري أن تظهر عبقرية هؤلاء الأشخاص في أشياء مبهرة كما حدث في فيلم ( Temple Grandin التي نجحت في ابتكار طرق أكثر إنسانية وكفاءة في ذبح الحيوانات) بل يمكن أن يظهر تميزهم في تفاصيل صغيرة لا يحسنها البشر العاديين كالعمليات الحسابية الطويلة أو التفاصيل العلمية المعقدة كأفلام Rain Man و Mozart And The Whale و Adam والقاسم المشترك بين الشخصيات السابقة بالإضافة إلى إصابتهم بدرجات مختلفة من التوحد ومتلازمة آسبرجر هو عبقريتهم في التعامل مع الأرقام واستيعابهم لكمية مهولة من المعلومات العلمية المعقدة أكثر من أقرانهم في باقي فئات المجتمع.

بل يمكن أن يكون تفوق هؤلاء الأشخاص على البشر العاديين تحديدًا في نقطة التعبير عن مشاعرهم, رغم أن إصابتهم تلك تؤثر على تواصلهم الاجتماعي بشكل ملحوظ، وتجعلهم شبه معزولين عن المجتمع، فنرى هذا واضحًا في فيلم I Am Sam حيث يتحدى أب متأخر عقليًّا المجتمع بأسره الذي يريد حرمانه من ابنته بدعوى أنه غير مؤهل لرعايتها، ويعطيهم درسًا في الحب الأبوي.

61

وربما تكون الرسالة الجامعة في النهاية لهذه الأفلام جميعًا هي في أهمية عدم تهميش شخص موجود حولنا أو اضطهاده بسبب شيء لم يكن له يد في اختياره، فلا أحد يختار أن يولد فقيرًا أو مشوهًا أو مريضًا نفسيًّا، فلماذا يعاقبهم البشر على هذه الأشياء ويهمشونهم إذن؟ ألا ينبغي عليهم التفكير في أن هؤلاء كما قالت أم تمبل جراندين: “مختلفون لكن ليسوا أقل”، وكما توضح تمبل نفسها في هذا الفيديو: “إن العالم يحتاج إلى العقول المختلفة”.

فهل تنجح تلك الأفلام في تغيير النظرات السلبية للمجتمع عن هؤلاء المهمشين أم سيظلون يعانون من التهميش؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سينما, فيلم
عرض التعليقات
تحميل المزيد