(أرق إميل سيوران واضطراب بيسوا- 1)

 

 

المياه كلها بلون الغرق أو هذا ما يحاول إخبارنا به في إصرار شاعريّ: إميل سيوران.. في كتابه المياه كلها بلون الغرق الصادر عن منشورات الجمل ترجمة آدم فتحي.

“بحذر شديد أحوم حول الأعماق، أختلس منها بعض الدوار ثم أنفلت مثل لص الأغوار.”

 

لص الأغوار

 

إميل سيوران هو لحظة أرق نَمرُّ بها، نوبة تَملُل وتعلل من الواقع والسياسة والفلسفة وحتى الأدب، تمرد على الرتابة ونُزوع إلى التوحش وأحيانًا الالتجاء إلى الكسل وفعل اللا شيء.

 

إميل سيتسلل إليك في لحظة ما من حياتك، سيعبر عن سخريتك من الفلاسفة الكبار والسياسيين الفشلة الذين أحالوا العالم إلى سيرك دموي كبير، والأدباء المُقعرين والشعراء المُعذبين والنقاد المتفرسين.

 

“الشاعر: ماكر يستطيع أن يتلوى من البرد إلى حد المتعة. أن يجد في مطاردة الحيرة وأن يحصل عليها بكل الوسائل. ثم تأتي الأبدية الساذجة في ما بعد فترثى لحاله” ضمور الكلمة- المياه كلها بلون الغرق. باختصار سيعبر عن سخريتك حتى من نفسك وعلّاتك ومعاناتك الفكرية المُتوهمَّة..

 

لمّا كان غير راضٍ عن عذاباته الواقعية فإن القَلِق يفرض على نفسه عذابات مُتخيَّلة. هو كائن يعتبر اللاواقع موجودًا، بل يجب أن يوجد، وإلا فمن أين يحصل على وجبة العذاب التي تتطلبها طبيعته؟” لص الأغوار – المياه كلها بلون الغرق.

 

مع أن واقعيًّا سيوران أمضى حياته كلها دون عمل يُذكر سوى تلك المعاناة مع الفكر أولًا، والأرق ثانيًا ثم الكتابة عنهما لاحقًا. الأمر ليس غريبًا فإميل سيوران سيد المتناقضات وهذا ما يجعل قراءته بالنسبة لي أمرٌ غير جَديّ بالكلية، تُبهرني فيه تعابيره وسخريته أكثر من عَدميته التي اشتهر بها.

“الرومانسية الإنكليزية كانت خليطًا سعيدًا من الأفيون والمنفى والسل. الرومانسية الألمانية كانت خليطًا من الكحول والريف والانتحار”. “لا يسحرنا إلا الفنان اللامُتحقق… المهزوم الذي يرضى لخيباته أن تهدر، الذي لا يعرف كيف يستثمرها” ضمور الكلمة.

 

“إن حبًّا يخيب، هو محنة فلسفية تملك من الثراء ما يتيح لها أن تخلق من حلاقٍ نظيرًا لسقراط”. “فن الحب؟ أن تعرف كيف تجمع طبيعة مصاص دماء إلى تَخفّي فراشة”
ال
مياه كلها بلون الغرق.
لكن حذار
، فإميل سيوران كان يعاني من الأرق، لذلك لحظة التَملُل تلك التي قد تمر بك عارضًا أو حتى أحيانًا ثم تنقلب إلى حال مُغاير ويمضي بك بحر الحياة إلى لحظة أخرى، تُمثل حياته برمتها!


إذا تأملت ما يعنيه هذا ربما بدأت أن تفهم لماذا يعتبرونه عَدَميًّا. “من منّا وهو يبحث عن نفسه في المرآة، في شدة العتمة، لم يشاهد معكوسةً الجرائم التي تنتظره؟” عند منابع الفراغ – المياه كلها بلون الغرق.

 

هل هناك ثمة عَدَميّة؟

 

لا أؤمن بالعدم ولا أُبشّر به كدأب سيوران، تعاملي معه كحالة أدبية فريدة وكحالة مزاجية عبّر هو عنها بأحسن ما يكون، فهناك شكسبير مثلًا الذي تقول صديقة سيوران “سيمون” أنه تعلّم الإنجليزية من قراءته، وأشار إليه أكثر من مرة في كتابه محل تناولنا اليوم.

“شكسبير موعد بين وردة ومقصلة”.

 

“اعتباره الخيبات الإدارية من بين الأسباب المُبررة للانتحار، يبدو لي أعمق شيء قاله هاملت”
ضمور الكلمة.
“كلما تقدمت في السن قلّت رغبتي في لعب دور هاملت على طريقتي. بل إني لم أعد أعرف بأي ألم عليّ أن أحس في مواجهة الموت” زمن وأنيميا.


ذات الشكسبير يقول في واحدة من أهم أعماله “مسرحية ماكبث” في مطلع مشهد الساحرات الشهير :

 

Nothing is but what is not.
Macbeth Act I Scene iii – Macbeth – William Shakespeare

“لا شيء يكون سوى ما لم يكن له وجود يومًا ما” ماكبث الفصل الأول المشهد الثالث. أي أن العدم في حد ذاته يُثبت أن ثمة شيء كان موجودًا ومن ثَمّ انعدم والعكس صحيح؛ ما هو موجود لا بد وأنه كان عَدمًا في وقتٍ ما. فما الحد الفاصل بين الحقيقة والوهم سوى إدراكنا؟ الجملة إذًا تشي بالتشتت والتأرجح بين الواقع والوهم، وأنهما مُتداخلان ولا وجود لأحدهما بدون الآخر، فالواقع قابل للانهدام في لحظة، بأنه مثلًا في حالة ماكبث يقتل دنكان وبالتالي واقع أن دنكان مَلِك يزول، ومُحال (أو عدم) يتحقق في ذات اللحظة بأنه يصبح ماكبث ملكًا وبالتالي تتحقق نبوءة الساحرات التي جاءت من العدم!
لكن عَدميّة سيوران أقرب لاحتجاجٍ على الواقع، يتضح ذلك في مُقدمة المترجم والشاعر التونسي آدم فتحي الأكثر من رائعة لكتابه المياه كلها بلون الغرق، يُبين لنا فيها كيف انسلخ إميل سيوران شيئًا فشيئًا من ما يربط البشر بواقعهم، بدءًا من بلده ولغته وصولًا إلى الحياة برمتها ومفهومه الفريد عن الانتحار الذي كثيرًا ما تحدث عنه دون أن يُقدم على محاولته إطلاقًا حتى مات رجلًا شيخًا بفعل عوامل الزمن، وهذه واحدة من أهم المُفارقات في حياة سيوران.

 

 

“كل كِتاب موتٌ مُرجأ”.

 

 

رحلة انسلاخات إميل عن الحياة إلى العدم الذي يزعمه

 

ولد إيميل سيوران في أبريل 1911 بإحدى قرى ترانسلفانيا برومانيا، لأبوين مختلفين عقائديًّا مما زرع فيه بذور الاختلاف منذ البداية، كانت حياته هادئة حتى انتقلت الأسرة إلى المدينة الكبيرة “سيبيو” وهذا الانسلاخ الأول بحسب ترجمة آدم فتحي، التي يصف فيها حياة سيوران وتطوره الفكري من خلال خمسة انسلاخات.

 

كان الانتقال إلى المدينة الكبيرة له وقعه الصادم على طبيعة إميل المرهفة وحساسيته وفقدانه لطفولته الهادئة وسط أحضان الطبيعة. أما الانسلاخ الثاني فكان توتر علاقته بأبويه خاصة والدته التي صرّحت له حين كان مُراهقًا بأنها كانت لتُجهضه إذا كانت تعلم أن مآله سيكون لذلك الحال. تردد صدى تلك الكلمات في نفس سيوران الذي بدأ يدرك الاحتمالية المفزعة أنه ما كان ليوجد وأن وجوده عَرض جانبي في الحياة التي كان من السهل جدًّا ألا يأتي إليها من الأصل. لربما حينها بدأ يفصل وجوده عن الحياة أو بالأحرى يطرح نفسه في عَدمٍ منها.

 

الانسلاخ الثالث كان رحيله لبوخارست لدراسة الفلسفة، فكأنه انتقل إلى المنفى وتنامى لديه شعوره بالغربة وعدم الانتماء لمكان أو حال بعينه. وهناك بدأت أعراض المرض الذي سيصبح جزءًا من كيانه وعلامة مميزة لوجوده الأدبي: وهو الأرق.

 

“ما من شيء إلا وهو أفضل من هذه اليقظة الدائمة، هذا الغياب الآثم للنسيان” على ذرى اليأس. الانسلاخ الرابع تم حين حصل على منحة لإعداد أطروحة في الفلسفة بفرنسا من معهد بوخارست الفرنسي، وهناك أنهى كتابه الأخير الذي يكتبه بلغته الرومانية ليقرر الكتابة باللغة الفرنسية.
“من الأفضل أن يكون المرء مؤلف أوبريت على أن يكون مؤلف ستة كتب بلغة لا يفهمها أحد”.


انسلاخه الأخير كما يصفه آدم فتحي، كان حين نُشر كتابه “رسائل في التحلل” ضمن سلسلة كتب الجيب للشباب، حدث تغير كبير في قاعدة سيوران الجماهيرية حيث لم يكن يقرأه الكثير من قبل وكانت كتبه محدودة التوزيع، إلا أن صدور ذلك الكتاب عرّف به جمهور الشباب وبدأ الاهتمام يتزايد بكتبه السابقة ويزداد رواجها مثل كتاب مُقايسات المرارة الذي هو نفسه كتاب المياه كلها بلون الغرق لكن المترجم غيّر عنوانه. لكن إميل كان لا يختلط بوسائل الإعلام ويؤثر العزلة. “لا يستطيع أحد أن يحرس عزلته إذا لم يكن يعرف كيف يكون بغيضًا”
سيرك العزلة- المياه كلها بلون الغرق.

 

أكبر مفارقة في حياة سيوران

 

“أؤمن بخلاص البشرية بمستقبل الزرنيخ”. “لا أقدر على تأمل ابتسامة دون أن أقرأ فيها: تملَّ منّي فهي المرة الأخيرة”


عند منابع الفراغ- المياه كلها بلون الغرق.

لم ينه سيوران حياته بالانتحار كما كان يُتوقع من مثله وهو المتغني بنغمة الانتحار دومًا، لكن يبدو أنه أُغرم بالفكرة المُجردة.. مُهتم أكثر بالفرصة، بالاحتمالية القائمة لرحيله متى شاء عن التنفيذ الفعلي لذلك الأمر، ربما تذكر أن ألبير كامو رائد العبثية مؤلف “الغريب” لقى حتفه في حادث سيارة عاديّ.


توفي سيوران عام 1991 بباريس عن عمر يناهز أربعة وثمانين عامًا.

 

دوار التاريخ

يبدو من اللائق إنهاء المقال بالمزيد من المقتطفات من الكتاب، أنتقي لكم من فصل دوار التاريخ:

“التطور: لو عاش برومثيوس في زمننا هذا لكان أحد نواب المعارضة”.

 

“سباحة في الضباب أن تقول أنا أميل إلى هذا النظام. الأصح أن تقول أنا أُفضل هذا البوليس على ذاك. ذلك أن التاريخ يُختصر في ترتيب لأنواع البوليس”.

 

“أبسط نظرة على مسيرة الحضارة تجعلني لا أقل عن كاسندرا قدرة على التنبؤ”.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد