منذ فترة طويلة شغلني تأمل الليل والنهار.. ربما كانت البداية حينما نظرت للسماء مرة وقت الشروق فوجدت القمر، فاستغربت كثيرا وقلت لا بد أنه كوكب آخر؛ لأني أعرف هذه الآية (ومحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة) وفي أكثر من موقع في القرءان، كان المعنى واضحا تماما، الليل والنهار لا يجتمعان، لكن بعدها بدا لي أن هذا الكوكب الذي أُقنع نفسي به غير منطقي، هو القمر بحافته الهلالية وقرب مسافته، فسألت أحدهم مرة: هل هذا القمر فعلا؟ فلما أكد لي المعلومة اندهشت وبدأ يتكشف لي فكرة أدركتها لأول مرة، أن الليل هو ذهاب الشمس والنهار هو وجودها، القمر موجود دائما لكنه لا يظهر بالنهار؛ لأن نور الشمس يغطيه، كان هذا الأمر بديهيا لكن ارتباط القمر بالليل جعلني لا أتخيل (وجود) أحدهما دون الآخر.

هنا كانت بداية اصصدامي بجهلي التام عن السماء، ودقة آيات القرءان الكريم، ثم كان استغرابي الثاني، حينما قرأت حديث النبي عليه الصلاة والسلام (إن الشمس والقمر آيتان من آيات الله لا ينكسفان لموت أحد ولا لحياته، فإذا رأيتم ذلك فافزعوا إلى ذكر الله وإلى الصلاة) – رواه البخاري ومسلم، كنت استغرب لماذا نفزع للصلاة؟! إنهما يحدثان بشكل تلقائي لو تجمعت ظروف معينة.

لو كان القمر بين الشمس والأرض يحدث الكسوف، لو كانت الأرض بين الشمس والقمر يحدث الخسوف، هناك فرص كثيرة طوال العام لتلاقي الثلاثة معا لأنهم بطبيعة الحال يدورون، فلم تهويل الأمر وكأنه حدث استثنائي؟! شعرت أن الأمر أعمق مما أظن وقررت الغوص في فهم حكمة الشمس والقمر، خصوصا إنه في كل مكان أذهب إليه وخصوصا أمام البحر يأسرني قرص الشمس بشدة وهو يذوب في الماء، ذات مرة كنت أتأملها وهي تهبط فوجدت أن الغروب يحدث بسرعة كبيرة، في دقائق تكون الشمس قد اختفت، فكرت إننى أشاهد فعليا ليس هبوط الشمس ولكن سرعة ابتعاد الأرض، لأن الأرض هي التي تدور حول نفسها، اعتدنا أن المشهد الأدبي يصور رحيل الشمس واختفاء النور من حياتنا، لكن في الحقيقة نحن من يقترب من النور أو يبتعد عنه طوال الوقت.

سأشارككم بعض ما قرأته وتأملته في آيتين الشمس والقمر، في الآية  (ولا الليل سابق النهار)، كان الشيخ الشعرواي يقول هذا معناه أن لا أحد منهما يسبق الآخر، لكن هذا غريب لأنك تتخيل إما أن الشمس هي التي خُلقت أولا أو الظلام هو الذي كان سائدا، فكيف يحدث الاثنان معا، يقول الشعراوي أن هذا يرمز إلى دائرية الأرض، لأنها لو كانت منبسطة لكان النهار أولا ثم تهبط الشمس فيكون الليل، لكن حينما تكون دائرية فالنهار يشرق على وجه منها والليل يحدث في الوجه الآخر، وبالتالي فالآيتان خُلقتا معا.

في آية (يولج الليل في النهار ويولج النهار في الليل)، حينما تقرؤها تشعر وكأنهما متداخلين، يعنى لا يكتمل اختفاء النهار إلا وسراسيب الليل قد أدخلت نفسها إلى السماء، الأمر لا يحدث بشكل حدي، الشمس موجودة ثم فجأة لم تعد موجودة، بل تتشابك مع الليل وتولد ألوان برتقالية وزرقاء ووردية حتى تنتهي دائرة التقاطع بينهم ويطغى الليل على السماء، وهذا يجعلني أفكر في كل المعاني المتناقضة عموما، الصدق والكذب، الإخلاص والخيانة، الحرية والذل، هناك منطقة مشتركة بينهم. منطقة يختلط فيها على الإنسان ولا يفرق بينهما ويظنهما واحدا من فرط ما يتشابك المعنيان فيهما، تشعر إنك تعتصر داخل دوامة من الألوان، الأمين يُضطهد ويُطرد، الحر يقتل، اللص يصبح رئيس، مرحلة قصيرة كالشروق والغروب، لا تفهم ماذا يحدث فيها، لكنها ضرورية كي يتضح كل معنى بكامل صورته.

الكون1

شاهدت فيلما وثائقيا عن ظاهرة الكسوف والخسوف، وجدت أن الثلاثة يصطفوا فعلا على خط واحد ١٢ مرة في السنة أثناء دوران الأرض حول الشمس، فلم لا يحدث الكسوف والخسوف بنفس العدد؟ لأن القمر لا يصنع زواية صفرية مع الأرض، بل يميل بمقدار ٥ درجات وهو ما يجعل ظل القمر لا ينزل على الأرض، فاصطفاف الثلاثة ليس متطابقا لدرجة أن يحجب أحدهم الآخر.

الكون2

لذلك كي يحدث الكسوف والخسوف لا بد من وجود شرط مركب، أن يصطف الثلاثة أمام بعضهم، لكن بغير ميل، وجدوا أن هناك نقطتين فقط يتطابق فيها مدار القمر مع مدار الأرض تسمى (العقدتين).

الكون3

فلو أتى القمر أثناء دورانه عند أحد هاتين النقطتين يتحقق الشرط (تطابق الزواية)، ولو صودف في نفس الوقت أن كان بين الشمس والأرض يتحقق الشرط الثاني (الالتقاء) ويحدث الكسوف، وهو شرط مركب يندر حدوثه.

فيديو جميل جدا يصور كيف تحدث الظاهرتان:

 

 

 

الكون4

كسوف الشمس

 

الكون5

خسوف القمر

حينما شاهدت الخسوف لم يترجم المشهد في ذهني سوى لكلمة (آية)، أنت لا تشعر بعظمة الشمس وهي موجودة فوق رأسك طوال الوقت، لكنك تبدأ في إدراك حجمها حينما يتآكل قرصها وتبدأ حافة القمر في الدخول ببطء فيتبين لك حجم وهيبة كليهما، قد تفكر لماذا يغطي القمر قرص الشمس كله أثناء الخسوف رغم أنه أصغر منها ب ٤٠٠ مرة، هذا لأن الشمس تبعد  ٤٠٠ مرة عن القمر، وبالتالي فالمسافة عوضت الحجم وعادلته، ربما كان يجب أن نكون في الحياة بهذه الطريقة، أنه من الأفضل أن تظل الذكريات بعيدة في مكانها كي لا يزداد حجمها في قلوبنا، كي نستطيع أن ننسى ونفسح المكان لأحلام جديدة أن تكبر.

أحيانا أتسائل لماذا جعل الله الأرض دائرة، أليس الدوران سعيا مفرغا لا نهاية له، لماذا كل شيء في الحياة يدور، حتى العين وتدويرة الرأس وبصمة الإصبع وخماسية الكف..  كله دائرة، الإنسان يبدأ من ضعف ثم يعود إليه، في الآية (ومنكم من يرد إلى أرذل العمر لكيلا يعلم من بعد علم شيئا).

إنك حينما تكتمل دائرتك فليس هناك شيء آخر تتعلمه، ليس هناك فعليا نقطة زائدة يمكنك أن تذهب إليها، حينما يموت الإنسان يقول لو ملكت نفسا آخر لفعلت وكنت وانتبهت، لكنه في الحقيقة لحظة موته قد اكتملت شخصيته، قوته وإرادته وإيمانه الذي رباه طوال حياته لن يؤدي به إلى أفضل مما فعل، الأرض تدور كي يتعاقب عليها الليل والنهار، كي تتغير درجة حرارتها ويحيا الزرع في أجزائها المختلفة ويستيقظ النائم ويدخل الفجر قلب اليائس، كي يتغير الزمن والوجوه والحال، والعجيب أن هذا كله يحدث في لفة واحدة كل يوم.

العجيب أيضا أن الله عز وجل جعل هذا الإبداع يتداخل مع دائرة حياتك الشخصية، لم يخلق الله كل واحد منا مثلا في فراغ تام ويعيش حياته في هذا الفراغ حتى الموت، بل يتداخل في حياتك الشجر والطير والقمر وخضرة العشب وبرد الشتاء والتماع النجوم، كلها أشياء تتغير وتتجمل كي تعينك أن تحب الحياة وتنظر إلى سعيها فلا تفقد الإيمان بقيمة هذا السعي.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد