بحلول نهاية العام الحالي تبدو الحكومة المصرية عازمة وبشكل نهائي على تطبيق تحرير شبه نهائي على أسعار الوقود ضمن حزمة من الإجراءات من بينها رفع آخر لأسعار تذاكر قطارات الأنفاق -المترو- مما يستدعي نظرة على مجمل الوضع الاقتصادي الراهن.

  1. أزمة سيولة حادة ومكتومة أفصح عنها إقدام الحكومة المصرية على طباعة كميات من النقد لسد فجوة التمويل بعد تضخم الدين الداخلي والخارجي لمستويات قياسية مما سيدفع بالتضخم إلى أعلى مع ودائع تقدر بالمليارات لدى البنوك المصرية وكمية هائلة من النقد استوعبها النظام المالي من قطاعات اقتصادية أخرى كالعقارات بعد رفع أسعار الفائدة على الودائع وفي إطار عمليات متتابعة لبيع أسهم وسندات خزانة وشهادات استثمار.
  2. مؤشر خطر أفصح عنه إقدام البنك الأهلي على اقتراض مليار دولار مما يثير سؤالًا جديًا حول احتياطي العملات الأجنبية المتاح لدى النظام البنكي مع تصريح هشام عكاشة رئيس مجلس إدارة البنك الأهلي بأن الغرض من القرض هو تمويل رأس المال العامل لعملاء البنك وما إذا كان تمويل أنشطة حكومية من بين أغراض القرض باعتبار الحكومة المصرية من بين هؤلاء العملاء المستهدفين.
  3. طرح الحكومة لقانون إعادة تنظيم هيئة الأوقاف المصرية بغرض إدارة واستثمار أموال الأوقاف على أسس اقتصادية وفق النص المقترح من الحكومة على البرلمان وهو ما يطرح مخاطر جدية حول أموال خاصة قدرتها الدوائر الرسمية بتريليون و380 مليار جنيه حال إقدام الحكومة عبر هيئة الأوقاف في استخدام هذه الأصول كضمانات قروض أو في عمليات مضاربة أو لتمويل جزء من عجز الموازنة مما يذكرنا بعملية مماثلة كانت قد قامت بها الحكومة قبل سنوات قليلة حين أقدمت على استخدام أموال التأمينات والمعاشات وهي أموال خاصة أيضًا كانت مودعة في بنك الاستثمار القومي في عمليات مضاربة على الأسهم مما أفضى إلى خسائر كبرى.
  4. عملية واسعة للتخفف من الالتزامات الاجتماعية التي كانت تقوم عليها الدولة في شكل تحرير كامل لأسعار الوقود وسعر صرف الدولار الجمركي في خضم أزمة الركود التضخمي التي يشهدها السوق المصري وضعف الاستثمارات الأجنبية المباشرة وغير المباشرة وانخفاض المدخولات العامة من السياحة وتراجع عائدات قناة السويس وتحويلات المصريين في الخارج.
  5. تجدر الإشارة لبعض المعاملات التي تغيب عند مناقشة الموقف الاقتصادي ومن أهمها السؤال حول موقف الدين العسكري في ظل عمليات متتابعة لشراء السلاح من الخارج ودون أي تفاصيل ذات بال حول مصادر تمويل هذه الصفقات وحجم الأقساط وخدمة الدين المترتبة على هذه الصفقات.

يمثل الموقف الاقتصادي قاعدة هامة لأي نشاط سياسي  في الداخل المصري سواء كانت تقوم عليه الدولة أو المجتمع بتشكيلاته المختلفة مما استدعى الاستعراض السابق لكن الاقتصاد على أهميته ليس المعامل الوحيد في معادلة الحكم في مصر.

هنا إشارة واجبة حول هيكلية نظام الرئيس السيسي والذي يتمايز عن سابقيه في عدم وجود مجموعات متمايزة أو حلقات وصل داخل نظام حكمه على غرار المشير طنطاوي والذي كان يمثل حلقة الوصل بين الرئيس مبارك والمؤسسة العسكرية وبطرس غالي وحسين سالم والمجلس المصري للشئون الاقتصادية والذين شكلوا حلقة الوصل بين مبارك والقطاع المدني في الدولة خاصة في جانبه الاقتصادي وجمال مبارك وأحمد عز في جانبه السياسي وهي مجموعات مشابهة أاخرى سبقتها في نظام مبارك وأنور السادات وحتى جمال عبد الناصر.

إن السلوك الاقتصادي والسياسي للحكومة المصرية واضح ولا جدال أنها سائرة فيه وإلى النهاية هذا السلوك كان قد وضع له سابقًا الأستاذ محمد حسنين هيكل تقييًما حين حذر صراحة في مقابلة متلفزة له مع الصحفية لميس الحديدي بثتها محطة cbc من أن هذا السلوك سيؤدي إلى ‌«قفلة على غرار لعبة الدومينو تستدعي ما يسمونه بالإنجليزية struggle» أي بعثرة لإعادة ترتيب الأمور من جديد.

لكنه استطرد فأضاف «إن مصر على حافة الخروج من التاريخ وأخشى أننا سندخل إلى دائرة النار التي سبقتنا إليها دول أخرى في المنطقة كسوريا وليبيا والعراق».

عند هذه النقطة يجب وضع الأمور في سياقها فما يحدث في الداخل مرتبط بشكل مباشر بالموقفين الإقليمي والدولي مما يفتح الباب لأسئلة مزعجة حول موقف الدائنين الأجانب والذين هم منخرطون بشكل كبير في أداة رسم الموقف السياسي في عدد ليس بقليل من دول المنطقة في خضم حديث حول مشاريع كبرى مثل صفقة القرن ومستقبل صناعة الطاقة والصراع حول الموارد ومن أهمها المياه والثروة المعدنية والنفوذ الجيوسياسي والعلاقات بين دول المنطقة بعضها ببعض ومع دول الحزام المحيط بها في آسيا وأوروبا وأفريقيا.

إن آلية التفكيك والتي اتبعتها سابقا تبدو عند هذه اللحظة غير صالحة للتعاطي مع الموقف الحاصل وإيجاد حلول وبدائل وسط هذا التشابك الكبير بل يصح تمامًا هنا مد الخطوط إلى مداها في محاولة لاستكشاف الخطوات القادمة واتجاهات السير لكن العامل الأهم يبقى هو رؤية القيادة في الداخل لما يتوجب القيام به في مصر أولًا ولسوء الحظ فإن الرئيس السيسي لا يبدو الآن وربما أيضًا في المستقبل على استعداد للقبول بنصيحة الأستاذ هيكل في القيام بثورة على نظامه وهو ما يخلق اتجاهًا ذا مسار واحد في الطريق نحو القفلة ثم البعثرة.

يتبقى لدي سؤال أخير -مروحة الأسئلة تتسع بلا رادع- حول مآلات الأمور والتصور لما بعد العام 2030 والذي وضعه السيسي وغيره أيضًا من حكام المنطقة كنطاق زمني لتنفيذ رؤية ما يقال إنها ستنقل المنطقة كلها إلى نقطة أخرى ولكن إلى أين؟

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات

(0 تعليق)

أضف تعليقًا

هذا البريد مسجل لدينا بالفعل. يرجى استخدام نموذج تسجيل الدخول أو إدخال واحدة أخرى.

اسم العضو أو كلمة السر غير صحيحة

Sorry that something went wrong, repeat again!