لا أظن أن تناول الأعمال الدرامية لشهر رمضان الماضي للأمراض والاضطرابات النفسية مجرد مصادفة، بل هي رؤية عاكسة لتفشي حالة عامة من الضغوط الحياتية والصراعات الداخلية التي باتت تهيمن على جانب كبير من المجتمع. والضغوط النفسية أصبحت غولًا شرسًا لا يفرق بين صغير وكبير، غني وفقير، مثقف وجاهل، ولقد ساعد هذا الغول هشاشة الحالة النفسية للمواطنين في بلد مضطرب سياسيًا لا يشعر فيه المواطن بالأمان الآني ولا اطمئنان على المستقبل، ومضطرب اجتماعيًا لا يستطيع المواطن ممارسة حياته بحرية واستقلالية دون الاصطدام المزدوج بين فجاجة الممارسة وتابوهات العادات والتقاليد، ومضطرب ماديًا حيث اللا مقياس للاستقرار المادي ولا التمكين للكفاءات ولا التعليم الممكن من الفرص؛ فضلًا عن الانفتاح على الماضي وما يحمل من معلومات صادمة والعالم وما به من أفكار مختلفة ومتنوعة وتفاصيل أخرى ساقها إلينا «مستر جوجل» والذي هدم أصنامًا فكرية وثوابت عند كثير من مستخدميه من مواطني العالم الثالث الذين عانوا عقودًا من الانغلاق السياسي والاقتصادي والمعلوماتي.

وسأقتطف ثلاث ثمرات مهمة جدًا من مسلسل «سقوط حر» على سبيل المثال لا الحصر

  1. الثمرة الثالثة: هي سعي الطفل «آدم» لمعرفة الأمراض النفسية وأعراضها وكيفية اكتشافها وكيفية التعامل معها كي يتمكن من فهم حالة والدته، وفهم كيف يتعامل معها كنوع من الوعي المبكر، وكأن أرباب العمل يلفتون النظر لضرورة الفهم والتعامل والتعاطي مع الأمراض والاضطرابات النفسية بكل فهم ووعي وتقبل.
  2. الثمرة الثانية: هي التعريج والمزج معًا على حالات داخل المصحة النفسية للكشف عن أنواع الأمراض والأعراض والاضطرابات النفسية، وأيضًا أسبابها الأسرية والاجتماعية والسياسية، كطرح جزئي لما يعاني منه المجتمع بشكل فني راقٍ لم يكن فجًا ولا منفرًا.
  3. الثمرة الأولى والأهم: تتجلى في مشهدين قام بهما الفنان الشاب المتميز «محمد فراج» إذ شرح في الأول معنى اسم المسلسل (الذي هو اسم مرض بطلة العمل نيللي كريم) لابنها في المسلسل وكأنه يشرح لنا جميعًا بشكل مبسط أن «أي جسم يسقط من أعلى سقوطًا حرًا (كقطعة خشب مثلًا) تزداد سرعته كلما اقترب من الأرض لأن الشيء الوحيد الذي يقاوم هذا السقوط هو الهواء والهواء يقل كلما اقتربنا من الأرض»، وباختصار قطعة الخشب هي العقل والهواء هو الأطباء والعائلة والبيئة المحيطة أما من يرمي العقل فهو المريض الذي يصطدم بشيءٍ ما لا يتحمله فيقرر الهروب (بالمخدرات، أو المسكرات، أو النوم) أو إلقاء العقل نفسه خارج الوعي وإن لم تحدث جدوى يلقي المريض روحه ذاتها (أي ينتحر). شكرًا على فكرة المشهد والشرح المبسط.

والمشهد الثاني هو المونولوج الذي يتحدث فيه عن غصة هذا الجيل الذي يرهب فكرة الإنجاب كي لا يتحمل عذابات طفل وفرد جديد في هذا البلد وهذا العالم غير المستقر وغير الآمن. مونولوج لا يقل روعة عن مونولوجه في مسلسل الجماعة (مونولوج حارة مسعدة أم الشخاليل). تصفيق حاد مني على الأداء والمغزى.

مما سبق عزيزي القارئ أود أن أسوق لك معلومة مهمة وهي أن معظم أطباء وباحثي علم النفس ينصحون مرضى الاكتئاب وذويهم بأن أساس العلاج هو ما يسمى بدوائر السعادة، ولقد استعرت ذلك التعبير من صديقة كنت أُتابع رحلة علاجها مع طبيب مشهور، ولكن التعبير رن في أُذني وآثرت على نفسي أن أكتب هذا المقال مستأذنًا إياها لسببين رئيسيين.

  • إعلام الناس بهذا كي يَخرُجوا ويُخرِجوا من الاكتئاب أو الإحباط أو اليأس إلي نورٍ اسمه «دوائر السعادة»؛ ولكلٍ دوائر سعادته وهو أدرى الناس بها فهي مختلفة وكثيرة ومنها المتصل ومنها المنفصل.
  • نصح من لم يجد دائرة أو أكثر للسعادة أن يصنعها، والنصح هنا عن تجربة لأن كل من يتهمني بالتفاؤل والإقبال على الحياة كنت أقول له أنا أجيد فن التشبع بالأمل وتدبر المُحبِط لتطوير ذاتي، لكن الآن وجدت تعبيرًا جديدًا وهو «أنا أُجيد فن صناعة دوائر السعادة» فلا أكتئب ولا أُحبَط ولا أسمح لليأس أن يقترب مني. فهل تجيد أنت؟

عزيزي القارئ، ابحث بداخلك عن محاريب الراحة التي لا يدلك عليها غيرك، ودوائر السعادة التي لا يعرفها سواك؛ وإن لم تعرفها فأنت لا تعرف ذاتك ولا مرادك من الحياة والعيش ويجب أن تقف مع نفسك وقفة حاسمة لتعرف من أنت وماذا تريد، وإن كنت تعرفها ولا تجدها فلتصنعها. ولا تهدر حياتك بحثًا عن دائرة السعادة الأهم والأكبر في حياتك ولتستمتع وتستمد الأمل من باقي الدوائر لحين تحقيق دائرتك الأعظم.

فما خُلقنا إلا لنحيا ولا نحيا إلا بالأمل، والسعادة هي صانعة الأمل.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

السعادة
عرض التعليقات
تحميل المزيد