أثار توقيع اتفاقية CISMOA التي عقدها نظام الانقلاب في مصر مع الولايات المتحدة في يناير (كانون الثاني) الماضي ونشر على موقع السفارة المصرية في واشنطن أنه تم التوقيع رسميًا على اتفاقية «CISMOA»، بين مصر وأمريكا، ردودًا واسعة بين الرفض التام والتأييد الضعيف سندًا وتبريرًا من قبل مؤيدي النظام، خاصة وأن تلك الاتفاقية رفض توقيعها مبارك والمجلس العسكري على مدار سنوات – كما يقال – وقد كانت أمريكا  تحصل على الامتيازات التي توفرها تلك الاتفاقية سرًا دون التوقيع على اتفاقية ملزمة، تُعرف تلك الاتفاقية بمسميين وهما: المسمى «COMCASA» أو «اتفاقية مطابقة الأمن ومطابقة الاتصالات Communications Compatibility and Security Agreement»، والمسمى «CISMOA» أو «مُذكرة التفاهم في مجال الأمن وقابلية تبادل الاتصالات Communications Interoperability and Security Memorandum of Agreement» وقد وقعت كل من دول حلف الناتو وكوريا الجنوبية واليابان وسنغافورة ودول الخليج وتركيا والأردن والمغرب وباكستان على تلك الاتفاقية.

الاتفاقية تسمح للجانب الأمريكي بتوليف أنظمة اتصالاته مع أنظمة الاتصالات العسكرية أمريكية الصنع لدى الطرف الآخر، والسماح للقوات الأمريكية بالحصول على أقصى مساعدة مُمكنة من الدولة المُوقِّعة من قواعد عسكرية ومطارات وموانٍ وأيضًا الاطّلاع والتفتيش على المعدات العسكرية لضمان عدم قيام الدولة بنقل التكنولوجيا الأمريكية لطرف ثالث، وفي المقابل يتم الإفراج عن التكنولوجيات الأمريكية المحرمة لتحصل عليها الدولة المُوقعة كبعض الأنظمة الحسّاسة من اتصالات وملاحة وأسلحة مُتطورة لكن استخدام تلك الأسلحة مرهون بموافقة الولايات المتحدة، مما يجعلها عديمة الفائدة. كما تنص الاتفاقية على أن تقوم كل الدول الموقعة على الاتفاقية بالعمل على جعل أنظمتها وشفراتها الإلكترونية متوافقة مع النظم الأمريكية وقادرة على قراءتها. وتنص الاتفاقية على أنه يحق للقادة العسكريين الأمريكان استخدام مراكز القيادة العسكرية المصرية لعملياتهم العسكرية، والاتفاقية تتيح لأمريكا حرية استخدام مجال مصر الجوي والبري والبحري، بذلك تكون القوات المسلحة للدولة الموقعة على الاتفاقية وحدة عسكرية تابعة للجيش الأمريكي.

ترتيبًا على ذلك سيتمكن الأمريكان من الاطلاع على كافة أسرار الجيش المصري أفرادًا وأسلحة وخططًا وميزانية مالية، ومفروض على مصر الدعم العسكري والإمداد وفتح القواعد العسكرية المصرية للأمريكان تمركزًا لعملياتها وتكون قيادة قوات مصر العسكرية تابعة للقيادة المركزية الأمريكية، ولا يمكن للجيش المصرى استخدام تلك الأسلحة إلا بموافقة الأمريكان، كما لا يمكنه الدخول في أي حرب حتى لو دفاعية عن أمن مصر القومي الخارجي والداخلي إلا بموافقة الأمريكان.

نتيجة لخطورة تلك الاتفاقية على مصر دولة وجيشًا، نعرض في هذا المقال تلك الاتفاقية على قواعد القانون الدولي والدستوري والجنائي المصري لنرى طبيعتها القانونية.

أولًا: الاتفاقية في ضوء القانون الدولي العام: النظام المصري الموجود حاليًا بمصر وصل للحكم عن طريق انقلاب عسكري تم عام 2013م، لذلك فهو غير شرعي وغير ديمقراطي ومخالف للمواثيق والمعاهدات الدولية، لذلك فهو نظام انقلابي عسكري غاصب لسلطة الحكم في مصر، وكافة أعمال مغتصب السلطة في القانون الدولي العام المعاصر منعدمة قانونًا أي باطلة بطلانًا مطلقًا ولا يعتبرها القانون الدولي تصرفًا قانونيًا بل هو عمل مادي لا يرتب ولا يعترف القانون الدولي له بأي آثار قانونية كما أن أفعال مغتصب السلطة لا يصححها رضاء الخصوم، لأنها تنتهك وتخالف المبادئ العامة والقواعد الآمرة في القانون الدولي المعاصر.

ترتيبًا على ذلك فقط علق مجلس السلام والأمن التابع للاتحاد الأفريقي عضوية مصر في الاتحاد، بسبب ما وصفه بانتزاع السلطة بشكل غير دستوري‏.‏ استنادًا إلى قرارات ومواثيق الاتحاد الأفريقي ذات الصلة والتي تتعلق بالتغييرات غير الدستورية للحكومات وخاصة إعلان لومي الصادر في عام 2000م وميثاق الاتحاد الأفريقي حول الديمقراطية والانتخابات والحكم الرشيد الصادر عام 2007م، اعتبر المجلس أن خلع رئيس منتخب ديمقراطيًا في مصر لا يتفق مع مواثيق الاتحاد الأفريقي ولا مع مواد الدستور المصري وبالتالي يعتبر هذا تغيرًا غير دستوري للحكومة المصرية.

فضلًا عن أن نظرية الدين المقيت/ البغيض المستقرة في القانون والقضاء الدوليين والتي تنص على انعدام وعدم الاعتراف بتصرفات الحكومات الانقلابية التي جاءت بانقلاب عسكري وخاصة في المعاملات المالية أي الديون التي تكون ناتجة عن تصرفات تلك الحكومات الانقلابية، لذلك فطبقًا لتلك النظرية تكون تلك الاتفاقية منعدمة ولا يعترف بها القانون الدولي، لأنها صادرة عن نظام لا يمثل الشعب المصري.

وطبقًا لقانون المعاهدات بين الدول لعام 1969م التي دخلت حيز النفاذ في يناير عام 1980م خاصة المادة (53) منها التي نصت على أن (تكون المعاهدة باطلة إذا كانت وقت عقدها تتعارض مع قاعدة آمرة من القواعد العامة للقانون الدولي. لأغراض هذه الاتفاقية يقصد بالقاعدة الآمرة من القواعد العامة للقانون الدولي القاعدة المقبولة والمعترف بها من قبل المجتمع الدولي ككل على أنها القاعـدة التي لا يجوز الإخلال بها والتي لا يمكن تعديلها إلا بقاعدة لاحقة من القواعد العامة للقانون الدولي لها الطابع ذاته).

ولما كان القانون الدولي العام المعاصر لا يعترف بالانقلابات العسكرية ويعتبرها ضد إرادة الشعوب، ومخالفًا لمبدأ حق الشعوب في تقرير مصيرها السياسي الذي ورد في ميثاق الأمم المتحدة في المادتين الثانية والخامسة والخمسين، وهذا المبدأ من المبادئ العامة والقواعد الآمرة في القانون الدولي التي لا يجوز مخالفتها ولا حتى الاتفاق على مخالفتها ولا يصححها رضاء الخصوم، تكون تلك الاتفاقية منعدمة الأثر القانوني ولا تسري في حق الشعب المصري ولا تلزمه ولا تلزم الجيش المصري.

وتخالف تلك الاتفاقية ميثاق الأمم المتحدة في المادتين الثانية والثالثة والخمسين، وميثاق جامعة الدول العربية وميثاق الدفاع المشترك الملحق بميثاق جامعة الدول العربية، حيث ترتب الاتفاقية ضرورة اشتراك مصر في حرب أمريكا ضد أي دولة عربية، كما أنها تخالف ميثاق الاتحاد الأفريقي، لذلك سبق وتم تجميد عضوية مصر بعد الانقلاب العسكري في 2013م، ولا يصحح الموقف القانوني للانقلاب إلغاء تجميد العضوية، لأن العمل المنعدم لا يصححه رضاء الخصوم، فضلًا عن أن الإلغاء جاء نتيجة ضغط سياسي كبير مما يجعله صادرًا عن إكراه ورشوة دولية لبعض الحكومات الأفريقية، كما أنها أي الاتفاقية تخالف وتنتهك أحكام ميثاق منظمة المؤتمر الإسلامي ونصوصه، وهذا يؤكد انعدام كافة أفعال النظام الانقلابى في مصر على كافة الأصعدة الوطنية الدولية والإقليمية.

تعتبر الولايات المتحدة طبقًا للقانون الدولي دولة في حالة حرب مع مصر، بيان ذلك أن مصر تعتبر قانونًا في حالة حرب مع الكيان الصهيوني بفلسطين المحتلة لأن الولايات المتحدة تقف وتساعد هذا الكيان عسكريًا وسياسيًا ودبلوماسيًا واقتصاديًا في كافة حروبه مع الدول العربية وخاصة مصر، لذلك فحالة الحرب ما زالت مستمرة بين مصر وذلك الكيان الاحتلالي، ولم تغير اتفاقية كامب ديفيد لعام 1979م ذلك المركز القانوني لهذا الكيان من كونه محتلًا وفي حالة حرب مع مصر، ويؤكد ذلك قرار تعريف العدوان رقم (3314) لعام 1974م المادة الثالثة الفقرة (واو) التي نصت على (سماح دولة ما وضعت إقليمها تحت تصرف دولة أخرى بأن تستخدمه هذه الدولة لارتكاب عمل عدوان ضد دولة ثابتة) وقد اعتبر نظام روما الأساسي/ النظام الأساسي للمحكمة الجنائية الدولية في المادة (الثامنة مكرر) منه أن ذلك الفعل السابق يمثل من ضمن الأعمال التي تكون الركن المادي لجريمة العدوان.

ثانيًا: الاتفاقية في ضوء القانون الدستوري: انتهينا في السابق بأن كافة أعمال مغتصب السلطة منعدمة وليس لها أي أثر أو وجود قانوني على كافة الأصعدة الداخلية والإقليمية والعالمية، بذلك تكون كافة الأعمال التي تمت بمصر بعد الانقلاب العسكري ليس لها أي وجود قانوني بداية من دستور 2014م والانتخابات الرئاسية 2014م، ويترتب على تلك الحقيقة القانونية الدولية والدستورية فإن دستور عام 2014م الذي تم إصداره بعد الانقلاب منعدم قانوني ولا وجود له، ويترتب عليه أيضًا أن الدستور الشرعي هو دستور عام 2012م وأنه ما زال ساريًا، وقد نص هذا الدستور الشرعي الذي وافق عليه الشعب المصري بنسبة 68% في انتخابات شهد العالم بنزاهتها في الفقرة الثانية من المادة (145) منه على أن (وتجب موافقة المجلسين – النواب والشورى – بأغلبية ثلثي أعضائهما على معاهدات الصلح والتحالف وجميع المعاهدات التي تتعلق بحقوق السيادة. ولا يجوز إقرار أي معاهدة تخالف أحكام الدستور).

ترتيبًا على ما سبق، إن كان هناك شرعية للنظام المصري وتلك منعدمة، كان يجب عرض تلك الاتفاقية على مجلسي النواب والشورى للموافقة على الاتفاقية بنسبة الثلثين من أعضائهما وتلك نسبة كبيرة خاصة وأن النص طالب بموافقة ثلثي أعضاء المجلسين أي لا بد من موافقة مجموع أعضاء المجلسين وليس الحاضرين جلسة مناقشة البرلمان للاتفاقية، ومع انتفاء ذلك الشرط تأكد انعدام تلك الاتفاقية قانونًا.

ثالثًا: الاتفاقية في ضوء قانون العقوبات المصري: ترتيبًا على حالة الحرب القائمة والمستمرة بين الولايات المتحدة ومصر لمساعدتها ومساندتها الكيان الصهيوني المحتل في كافة حروبه ضد الدول العربية وخاصة مصر، فإن الولايات المتحدة دولة عدو وهذا هو التكييف القانوني الصحيح في القانون الدولي، تنطبق على من وقع تلك الاتفاقية المادتان المادة [77] التي تنص على (يعاقب بالإعدام كل من ارتكب عمدًا فعلًا يؤدي إلى المساس باستقلال البلاد أو وحدتها أو سلامة أراضيها.(أ) يعاقب بالإعدام كل مصري التحق بأي وجه بالقوات المسلحة لدولة في حالة حرب مع مصر.(ب) يعاقب بالإعدام كل من سعى لدي دولة أجنبية أو تخابر معها أو مع أحد ممن يعملون لمصلحتها للقيام بأعمال عدائية ضد مصر.(ج) يعاقب بالإعدام كل من سعى لدى دول أجنبية معادية أو تخابر معها أو مع أحد ممن يعملون لمصلحتها لمعاونتها في عملياتها الحربية أو للإضرار بالعمليات الحربية للدولة المصرية. والمادة (78/أ) على أنه (يعاقب بالإعدام كل من تدخل لمصلحة العدو في تدبير لزعزعة إخلاص القوات المسلحة أو إضعاف روحها أو روح الشعب المعنوية أو قوة المقاومة عنده). بذلك ينطبق على الاتفاقية المادتان سالفتا الذكر وعلى من وقعها أيًا كان موقعه، كما يعتبر التوقيع على تلك الاتفاقية بالنسبة لرئيس الجمهورية جريمة خيانة عظمى عقوبتها الإعدام.    

ترتيبًا على ما سبق يتبين أن الاتفاقية منعدمة طبقًا للقانون الدولي العام المعاصر كما أنها باطلة في القانون الدستوري المصري طبقًا للدستور المصري الشرعي عام 2012م طبقًا لنص الفقرة الأخيرة من المادة (145) من ذلك الدستور، كما أنها تمثل جريمة خيانة عظمى لرئيس الجمهورية، فضلًا عن كونها تعد من الجرائم التي تهدد أمن مصر الخارجي الواردة في قانون العقوبات المصري بالكتاب الثاني الخاص بالجنايات والجنح المضرة بالمصلحة العمومية وبيان عقوباتها في الباب الأول الجنايات والجنح المضرة بأمن حكومة من جهة الخارج، لذلك فهي عمل مادي وليس تصرفًا قانونيًا.  

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

سياسة
عرض التعليقات
تحميل المزيد