التأثير في الصحة النفسية والبدنية

دأب الإعلام العالمي باستمرار على تمرير فكرة كون الحيوانات الأليفة تعزّز الصحة النفسية والبدنية لمُربيها، وتؤدي بالتالي إلى الشعور بالرفاهية وطول العمر! ولكن، وفي الآونة الاخيرة بدأت تظهر باطراد بحوث تشكك بعمق في النتائج التي وصلت إليها عشرات البحوث السابقة المؤيدة لتربية الحيوانات الأليفة، بل إن الأمر وصل بالبحوث الجديدة إلى أن تشير بصراحة إلى أن صحة مربي الحيوانات الأليفة وسعادتهم ليست، مثل غير المربين للحيونات الأليفة فحسب، بل إنها أسوأ منها! وتوصلت هذه الدراسات إلى أن التأثير الإيجابي للحيوانات الأليفة على الصحة العقلية والبدنية للانسان ليست حقيقة (كما كانت تسوّق سابقًا)، بل هي فرضية لا أساس لها أصلًا.

يقول الدكتور «Herzog Western» في بحث منشور عام 2017 (في دورية ذات معامل تأثيرٍ عالٍ): لا يُرجّح مطلقًا أن تحصل على رد للجميل من قبل مخلوق لا تشارك معه أي جينات رغم كل ما تصرفه على تربيته من موارد طائلة! هذا فضلًا عن سلبيات أخرى للحيوانات الأليفة، ففي الولايات المتحدة يكون الشخص أكثر عرضة بنسبة 100 مرة للإصابة بجروح خطيرة أو للقتل على يد كلب مقارنة بأفعى شريرة، ويتم نقل أكثر من 85 ألف أمريكي إلى غرف الطوارئ كل عام بسبب سقوطهم أثناء تمشية حيواناتهم الأليفة. كما يمكن أن يصاب الناس بأمراض كثيرة تنقلها لهم الحيوانات الأليفة، كداء البروسيلات، والديدان الأسطوانية، وعث الجلد، والإشريكية القولونية، والسالمونيلا، والجيارديا، والديدان الحلقية، وغيرها كثير.

وقد أصبحت التقارير والدعايات الإعلامية المركزة والتي تحمل عناوين، مثل (The Healing Power of Pets) أي القوة الشافية للحيوانات الأليفة، تملأ شاشات الاعلام وشبكات التواصل، مدفوعة بشكل أو بآخر بالمبالغ الطائلة للعائدات السنوية للتجارة والصناعة الساندة لوجود الحيوانات الاليفة، وبسبب تأثيرات تلك الدعايات الإعلامية أصبح الجمهور والأطباء يقبلون (كحقيقة موثقة) فكرةَ أن الحيوانات الأليفة تجعلهم أسعد وأكثر صحة وأكثر سلامة ونشاطًا وأطول عمرًا! اذ أفاد مسح قامت به مؤسسة «HABRI» بأن 97٪ من أطباء الأسرة يعتقدون الآن أن هناك فوائدَ صحيةً لامتلاك حيوان أليف! وأصبح يطلق على هذه التأثيرات (تأثير الحيونات الاليفة).

ومن جانب آخر تُسندُ شركات منتجات الحيوانات الأليفة وتموِّلُ بسخاء البحوث التي تشير إلى فوائدِ تربية تلك الحيوانات، فمثلًا أطلقت شركتا Zoetis و(HABRI) العملاقتين في مجال منتجات الحيوانات الأليفة حملة إعلانية كبيرة باسم (تاثير الحيوانات الاليفة) جمعت فيها أدلة (علمية) على أن الحيوانات الأليفة لها تاثيرات ايجابية كبيرة في صحة مربيها. وفي حين يفرح مربو الحيوانات الأليفة بالأبحاث التي تؤكد وجهة النظر القائلة بأن العيش مع كلب أو قطة يجعل الحياة أكثر صحة وسعادة وإيجابية، وفي الوقت الذي تطفح فيه وسائل الإعلام بالقصص التي تمجد الفوائد الصحية للحيوانات الأليفة، فإن الدراسات الحديثة المتزايدة والتي تبين أن ملكية الحيوانات الأليفة ليست دون أي تأثير ايجابي فحسب، بل إنها تؤثر سلبًا في الصحة البدنية أو العقلية للإنسان، تُهمّش ونادرًا ما تعرض على الملأ.

ويُصرح «هال هيرزوك» بان الحقيقة هي أن الادعاءات حول قوى الشفاء المعجزة للحيوانات الأليفة هي في معظمها دعاية صنعت من قبل أقسام التسويق لشركات منتجات الحيوانات الأليفة العملاقة ومجموعاتها التجارية، والتي لا تذكر نشراتها الصحافية أبدًا هذه المجموعة المتنامية من البحوث المعاكسة لرأيها، على سبيل المثال، لم تكن هناك أية تغطية إعلامية لمجموعة دراسات علمية حديثة متنامية تثبت أن أصحاب الحيوانات الأليفة ليسوا أكثر صحة أو سعادة من الأشخاص الذين يعيشون بلا حيوانات.

ومن هذه الدراسات المهمّشة، دراسةٌ أُجريت على 425 من ضحايا النوبات القلبية، ووجدت أن أصحاب الحيوانات الأليفة كانوا أكثر عرضة للوفاة أو المعاناة في غضون عام من تعرضهم لأزمة قلبية. وفي اُخرى وجد مجموعة من الباحثين أن «أداء مهمة مُرهِقَةٍ في وجود كلب، ليس له تأثير قصير المدى على ضغط الدم». وتوصلت دراسة أُجريت على 1179 من كبار السن إلى عدم وجود فروق في ضغط الدم أو خطر الإصابة بارتفاع ضغط الدم بين مالكي الحيوانات الأليفة وغير المالكين لها! بل إن «أصحاب الحيوانات الأليفة في الدراسة مارسوا تمارين أقل من غير المالكين، وكانوا أكثر عرضة لزيادة الوزن». كما تم التشكيك في تأثير الحيوانات الأليفة على الصحة النفسية، اذ لم يجد استطلاع أجراه مركز «بيو» للأبحاث على 3 آلاف أمريكي، أي اختلافات في نسبة الذين وَصفوا أنفسهم بأنهم «سعداء جدًا» بين مالكي الحيوانات الأليفة وغير المالكين لها، ووجدوا أن مالكي الحيوانات ألأيفة يشعرون بالوحدة كما كانوا قبل أن يقتنوا حيوانهم الأليف، ولم يكونوا أسعد من غيرهم. ووجدت دراسة أخرى حديثة، أن كبار السن الذين كانوا مرتبطين بشدة بكلابهم يميلون إلى أن يكونوا أكثر اكتئابًا من الأفراد الذين لم يكونوا مرتبطين بالحيوانات الأليفة! ووجدت دراسة أُجريت على 40 ألف سويدي، أنه في حين أن أصحاب الحيوانات الأليفة يتمتعون بصحة بدنية أكثر من غيرهم، فإنهم يعانون أكثر من مشاكل نفسية بما في ذلك القلق والتعب المزمن، والأرق، والاكتئاب. وأفادت دراسة فنلندية على 21 ألف بالغ أن أصحاب الحيوانات الأليفة كانوا أكثر عرضة لخطر الإصابة بأمراض خطيرة. وفي دراسة أسترالية أُجريت على 2551 من كبار السن، ارتبطت ملكية الكلاب بصحة جسدية أضعف. وفي دراسة طويلة لما يقرب من 12 ألفًا من البالغين الأمريكيين، لم تكن ملكية القطط أو الكلاب مرتبطة بمعدلات الوفيات. وفي حين أن الحيوانات الأليفة تبدو مفيدة بلا شك لبعض الناس، إلا أنه لا يوجد حاليًا دليل كافٍ لدعم الادعاء القائل بأن أصحاب الحيوانات الأليفة، كمجموعة، يتمتعون بصحة أفضل أو أكثر سعادة أو أنهم يعيشون لفترة أطول. (11)

وتشير «ريتا جورديون» في مقال لها عن كون الحيوانات الأليفة ليست الصديق الأمثل للاطفال، إلى دراسة جديدة من مؤسسة راند منشورة في مجلة «Anthrozoos» تقول بأنه وعلى عكس الاعتقاد السائد وحتى آراء الخبراء، فإن مشاركة منازلنا مع رفقاء محبوبين مثل الكلاب والقطط لا يُحسّنُ الصحة العقلية أو الجسدية للأطفال! ولم تكن النتائج كما توقع باحثو مؤسسة «RAND»؛ إذ افترضوا أن هنالك علاقة، ولكن عندما عدّل الفريق النتائج لمُراعاة المتغيرات الأخرى، بما في ذلك دخلُ الأسرة وعواملُ أخرى يحتمل أن تكون ذات صلة، بدا أن الارتباط بين ملكية الحيوانات الأليفة وصحة الطفل قد تبدد. أي أن افتراضاتهم لم تصمُد. ولم يتمكنوا من العثور على دليل على أن أطفال العائلات التي لديها كلاب أو قطط أفضل حالًا، سواء من حيث صحتهم العقلية أو الجسدية. وقالت الباحثة: أنّه لسوء الحظ، مثل هذه الدراسات مكلفة للغاية ولن يتم تمويلها على الأرجح!(12)

ويذكر عالم الأنثروزولوجي وعلم النفس «جون برادشو» ان الدراسات الموثوقة قد فشِلت عمومًا في إيجاد دليل مقنع على أن العيش مع الحيوانات يجعل أصحابها أكثر صحة! وأجرى كل من «جيل مين وروبرت جرانت» من جامعة كينجستون بلندن، بحثا نشر في مجلة «BMC Geriatrics» وتوصلوا فيه إلى أنه لم تكن هناك اختلافات مؤثرة بين الصحة العقلية والبدنية لأصحاب الحيوانات الأليفة وغيرهم، بل إن أصحاب الحيوانات الأليفة كانوا أسوأ قليلًا في بعض المقاييس. وفي نتائج بحث في ​​جامعة بوردو توصل فريق البحث إلى أنّ تأثيرات رياضة تمشية الكلاب الصحية لم تكن واضحة في مالكيها.

والحقيقة هي أن ثلاثة عقود من البحث حول تأثير الحيوانات الأليفة أنتجت مزيجًا من النتائج المختلطة. ففي حين أفاد بعض الباحثين أن أصحاب الحيوانات الأليفة أفضلُ حالًا. يجد آخرون أن أصحاب الحيوانات الأليفة يُعانون من مشاكل نفسية وصحية أكثر من غير المالكين. وتشمل هذه زيادة احتمال المعاناة من الصداع النصفي، والأرق، ونوبات الهلع، والقرحة، وارتفاع ضغط الدم، والشعور بالوحدة، والاكتئاب. وأفادت دراسات أخرى بأن العيش مع الحيوانات الأليفة لم يكن له أي تأثير على الإطلاق على صحة الإنسان ورفاهيته، (13) ويبدو أن عدم الاتساق في نتائج الدراسات حول تأثير الحيوانات الأليفة ربما يعود – حسب (Western) – إلى مشاكل في أشكال العينات المدروسة ومدى تجانسها، ففي مسحٍ قام بهِ كل من العالمين «نمر ولوندال» لـ250 دراسة لم يجدوا إلا 49 دراسة فقط تفي بالمعايير الدنيا للصرامة المنهجية!(11)

وتشير دراسات الحديثة إلى مؤشرات مهمة ومُلفتة للانتباه، فمثلًا نصف مالكي الحيوانات الأليفة في أمريكا مدمنون على التكلّم مع حيواناتهم ويمنحونها هدايا في أعياد الميلاد! ويعدُّ 90% منهم تلك الحيوانات جزءًا من عائلاتهم، وان 54% من مربي الحيوانات الأليفة في كندا يعُدون أنفسهم آباء واُمهات لحيواناتهم! والأخطر من ذلك أن واحدًا من كل 10 أمريكيين قد توقفوا عن (أو أجّلوا) إنجاب الأطفال، أو أخّروا الزواج، أو شراء أو استئجار منزلٍ بسبب مصاريف حيواناتهم الأليفة! وأن 45% من مربي الحيوانات الأليفة الامريكيين يُنفقون على احتياجات حيواناتهم الأليفة مثلَ أو أكثر مما ينفقونه على أنفسهم!(14)

وهناك موضوع آخر ربما يكون أكثر خطورة من أغلب ما ذكر، وهو العزوف الجماعي للأزواج عن إنجاب الأطفال وتوجههم لتربية الكلاب والقطط عوضًا عن الأطفال، تخلصًا من المسؤولية وخفضًا للتكاليف، وكسبًا لحرية اكثر في الحياة! أو اتخاذ الحيوانات الأليفة خلائل عشاقًا وعشيقات! وهذه المواضيع واسعة معقدة، تحتاج ربما إلى أفراد مقال كامل لها في وقت آخر إن شاء الله.

وقبل الختام لابدّ عن الإشارة إلى الآثار النبوية الشريفة التي طالما أُشير إليها بالتشدد أو حتى بالتشكيك في اصولها، ومنها قوله صلى الله عليه وآله وسلم: لَا تَدْخُلُ المَلَائِكَةُ بَيْتًا فيه كَلْبٌ ولَا صُورَةٌ(15). وكذلك قوله صلى الله عليه وآله وسلم أن مَنِ اقْتَنَى كَلْبًا، إلَّا كَلْبًا ضارِيًا لِصَيْدٍ أو كَلْبَ ماشِيَةٍ، فإنَّه يَنْقُصُ مِن أجْرِهِ كُلَّ يَومٍ قِيراطانِ. (16) وإعادة دراسة التشديد الوارد في هذه النصوص وأمثالها في ظل المعطيات الجديدية التي أشارت هذه المقالة إلى بعضها سيكون لها أبعاد أخرى ودلالات أعمق.

وأخيرًا فإن السؤال عن مدى أخلاقية تربية الحيوانات الأليفة في ظل هذه المؤشرات الخطرة يكون مبررًا إلى حدود بعيدة. فأي الحالتين هي أكثر أخلاقية وإنسانية، تربيةُ مئاتِ الملايين من الحيوانات الاليفة، أم إغاثة مليارات البشر وإنقاذهم من الموت المحقق جوعًا أو جهلًا؟! خاصة إذا علمنا أن كلفة الأولى اكثر وتكاد تكون دون أي نفع للبشرية! أولًا يبدو واضحًا أن الصناعة المليارية للحيوانات الأليفة هي الدافع الأكبر وراء الإعلام الواسع الداعي إلى تربية تلك الحيوانات وفوائدها الجمة المزعومة! ولست ادري كيف لا يَتسرّب الشك إلى النوايا الحقيقية لمنظمات عالمية مُترفة يعلو صخبها وعويلها في المطالبة بحقوق الحيوان في بلدان تُمتَهن فيها أبسط حقوق الإنسان! لستُ أدري!

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

تحميل المزيد