لم أكن لأُدرك الأعباء المادية وغير المادية التي يمكن أن يتحملها من يتخذون في بيوتهم حيوانًا أليفًا، إلى أن استيقظت يومًا على مواء قط صغيرٍ دخلَ حديقة دارنا خائفًا جائعًا جريحًا ينزف بغزارة، فهُرعت به إلى طبيب بيطري خاط جرحه، وأعطاني أدوية وقفصًا خاصًا به، لفترة نقاهته! وهكذا اضطُررت إلى إيوائه في ركن من حديقة الدار والاهتمام به لحين شفاء جرحه، فألِفَنا، وألِفنا بَقاءه بيننا! واستمررت في إطعامه طعامًا خاصًا بالقطط، وتنظيفه وتعفيره لأشهرٍ عديدة. ولمّا شفي وقويَ عظمه، هجَرنا متمردًا دون وداعٍ! أثارت فيّ هذه الحادثة وغيرها تساؤلات كثيرة دفعتني إلى البحث عن تأثيرات عادة تربية الحيوانات الأليفة داخل المنازل وفي المدن تحديدًا.

عاشت هذه الحيونات في الطبيعة في توازن مع بيئاتها وموجوداتها استمر لملايين السنين، آكلة مما تجده فيها، مخلّفَةً فضلاتٍ تتحلل في مكانها دون الحاجة إلى نقل أو معالجة. ولم تَحتَج لأحد في إطعامها أو تنظيفها أو تطبيبها، ولكن حالها يختلف عند انتقالها إلى بيئات يسكنها البشر، وفي بيئات المدن خصوصًا، إذ تحتاج تربيتها دومًا إلى منظومة تدبّر لها كل احتياجاتها، من طعام مصنّع غالبًا، بعمليات تصنيع وتعليب وتسويق ذات بصمات كربونية تلويثية خطيرة، طعامٍ مستنفد لجزءٍ كبيرٍ من مجمل إنتاج الغذاء العالمي، فضلًا عن حاجاتها من المواد، والأدوات، والأقفاص، والأكواخ، والمنظفات، والمجمّلات، والأدوية، والأمصال الأخرى التي تُصنّع خصيصا لها. تضاف لها الكلف والأضرار التي تسببها مُخلفات تلك الحيوانات وفضلاتها جمعًا ونقلًا ومعالجةً! وسنعرِض باختصارٍ لأمثلة حقيقية لتلك التأثيرات الهائلة في المنظومات الاقتصادية والبيئية، فضلًا عن الصحة البدنية والنفسية.

ولكون الإحصاءات العالمية في هذا الموضوع كثيرة متغايرة، فإننا نركز غالبًا على بلدين عظيمين، هما الولايات المتحدة (أمريكا) والمملكة المتحدة (بريطانيا)، فيما سنركز على حيوانين يحوزان أكثر الاهتمام في التربية عند أغلب البشر هما: القطط والكلاب.

بلغَ عددُ الكلاب المؤتلفة في أمريكا عام 2019 حوالي 70 مليونًا، والقطط 74 مليونًا، أما في بريطانيا فبلغ عدد الكلاب 9 ملايين والقطط 8 ملايين! أما الأعداد الكلية للحيوانات الرئيسة الأليفة (للعشرين دولة الأولى في تربية الحيوانات في العالم) لعام 2020 فبلغت 220 مليون كلب، و235 مليون قطة، و249 مليون طير، و170 مليون سمكة! وبذلك يكون عددها الكلي أكثر من 875 مليون حيوان أليف! ولا تشمل هذه الإحصائية أغلب دول العالم؛ إذ لا تشمل أية دولة عربية أو افريقية مثلًا!(1) وحسب موقع (www.statista.com) لعام 2020 بلغ عدد الكلاب المؤتلفة عالميًا (471 مليونًا)، والقطط بـلغت (373 مليونًا).(2)

التأثير المادي (الإنفاق)

ويتمثل بما ينفق في العالم على تربية الحيوانات الأليفة، فتبلغ مبيعات شركات صنع غذاء الحيوانات الأليفة الكبرى في أمريكا وحدها لعام 2020 أكثر من 43 مليار دولار، وعالميًا ازدادت من 59 مليار عام 2010 إلى حوالي 94 مليارًا عام 2019. اما معدلات الكلفة السنوية لتربية كلب واحد فتبلغ 819 دولارا في أمريكا، و722 دولارًا في بريطانيا، بينما تصل 1236 دولارًا أمريكيًا في كندا. أما القطط فتبلغ معدلات الكلفة السنوية لتربية إحداها في أمريكا 775 دولارًا، وفي بريطانيا 887 دولارًا، وفي كندا 1353 دولارًا. والتكلفة الكلية المحتملة لامتلاك كلب طوال حياته، في بريطانيا مثلًا، تقع بين 27 ألفًا و74 و42 ألفًا و545 دولارًا، وفقا لسلالاتها. في حين يبدو أن كلفة امتلاك قطة طول حياتها تقع بين 21 ألفًا و917 إلى 30 ألفًا و942 دولارًا أمريكيًا. ويؤمن 3.1 مليونًا من الأمريكيين على كلابهم بمبالغ تتراوح بين 218 و594 دولارًا سنويًا! (5)

أما الإنفاق الكلي السنوي على الحيوانات الأليفة في أمريكا فقد تضاعف خلال عقد واحد من 45.53 مليار عام 2010 إلى 103 مليار دولار عام 2020، والطفرة العظمى كانت بين عامي 2017 و2018، اذ قفزت من 69.51 مليار إلى 90.5 مليار دولار بنمو يزيد على 30%!(5) أما الإنفاق السنوي العالمي فإنه نما من 216 مليارًا عام 2020 إلى 232 مليار دولار عام 2020! ويتوقع الخبراء بلوغه 350 مليار دولار عام 2027! (6)

وتظهر المفارقة عند العلم بأن ما يُنفقُ سنويًا على كلبٍ واحد في أمريكا هو أعلى من الدخل السنوي الحقيقي لأفراد أغلب دول العالم الفقيرة! كما إن ما أُنفق على الحيوانات الأليفة في أمريكا وحدها عام 2020 البالغ (95.7 مليار) يزيد على الدخل القومي لعدد كبير من بلدان العالم المكتظة بالبشر. ومن جانب آخر فإن الإنفاق السنوي العالمي على الحيوانات الأليفة ربما يزيد كثيرًا على ما تحتاجه البلدان الفقيرة أو النامية لحل كثير من مشاكلها العويصة، ولتحسين حالها إلى الأبد!

تأثيرها في البيئة

أشارت دراسات متعددة نُشرت في كُبريات الصحف والدوريات العالمية إلى التأثير الخطير لتربية الحيوانت الأليفة في البيئة، فالأندبيندنت مثلًا نشرت مقالًا بقلم دوناجاد مكارثي، ركزت فيه على التأثيرات البيئية لتربية الحيوانات الأليفة في بريطانيا، ابتدأتها بمعلومة صادمة وهي أن الحيوانات الأليفة في بريطانيا وحدها تتسبب بانبعاثات للكربون تقدر بضعف ما ينتج عن استهلاك الكهرباء في جميع مساكن المملكة المتحدة! وأضاف أن هذه الحيوانات الأليفة تفتِك سنويًا بما يُقدّر بـ200 مليون حيوان (ضمنها 65 مليون طائر) يعيش في بيئتها، بعضها وشيك الانقراض أو نادر الوجود! ولا يبدو أن تأثير تربية كلب أو قطة كبير التأثير في البيئة عمومًا، ولكن حين ترى أن بريطانيا وحدها تحوي 20.8 مليون كلب وقطة، فإن تأثيرات هذا العدد المهول شيء آخر ينبغي أخذه بنظر الاعتبار. وهذه القطط والكلاب (في بريطانيا وحدها) تحتاج سنويًا إلى 7.6 مليار علبة أو كيس يتم تصنيعها لتحوي غذاء هذه الحيوانات! أضف إلى ذلك 3.6 مليار كيس بلاستيكي لالتقاط ما يقدر بـ1.2 مليون طن من فضلات الكلاب وحدها! أضف إليها 200 ألف طن من فضلات القطط، وكل هذا في بريطانيا وحدها! ويتكون الغذاء الذي يُعطى يوميًا للقطط والكلاب من لُحوم الاسماك والدجاج والماشية، وجميعها مواد ومنتجات ذات بصمة كربونية عالية جدًا، تتحول في النهاية إلى فضلات يصعب التخلص منها، علمًا أن محتوى اللحوم في مأكولات القطط والكلاب تبلغ 33%، وهي أعلى بكثير من مستواها في النظام الغذائي للإنسان، والذي لا يتجاوز 19%. وفي دراسة أُجريت عام 2019 ظهر أن متوسط انبعاث الكربون الذي يسببه غذاء كلب هولندي واحد يصل إلى 1.4 طن، وهذا هو ضعف انبعاث الكربون الذي تسببه الكهرباء المستخدمة سنويًا لاُسرة واحدة في المملكة المتحدة! (7)

وأما في أمريكا فيذكر اليسون هيوت، في مقالٍ بموقع جامعة (كاليفورنيا ل.أ) ناقلًا عن البروفيسور كريكوري أوكين قوله: يحاول الأمريكيون تناول لحوم أقل، مساهمةً في تقليل التأثير البيئي لها، ولكن اللحم في طعام الكلاب والقطط ينتج 64 مليون طن من الكربون سنويًا! وهذا معادل لما تنتجه قيادة 13.6 مليون سيارة كل عام! وفي ورقة بحثية نُشرت في مجلة بلاس ون العلمية تقول كاتبتها جيسيكا وولف: إن القطط والكلاب مسؤولة عن 25 – 30% من التأثير البيئي لاستهلاك اللحوم في أمريكا، ولو أن الـ163 مليون قطة وكلب أمريكي عُزِلوا لوحدهم ليشكلوا دولة منفصلة لكانت دولتهم تلك تحتل المرتبة الخامسة في استهلاك اللحوم عالميًا! وتنتج الحيوانات الأمريكية الأليفة سنويًا أكثر من 5 ملايين طن من الفضلات، وهو يعادل ما ينتجه 90 مليون أمريكي من الفضلات في العام. ولما كان النظام الغذائي المعتمِد على اللحوم يتطلّب إنتاجه المزيد من الطاقة والأرض والمياه، ولها عواقب بيئية أكبر من حيث التعرية، والمبيدات الحشرية، والنفايات، فقد وجدت دراسة أمريكية أن النظام الغذائي الأمريكي ينتج 260 مليون طن من ثاني أوكسيد الكربون من الإنتاج الحيواني وحده، ومن مقارنة ما يستهلكه 321 مليونًا من الأمريكيين من اللحوم بما تستهلكه 263 مليونا من قططهم وكلابهم وصل (أوكين) إلى نتائج مثيرة منها: أن القطط والكلاب تستهلك 19% من السعرات التي يستهلكها الشعب الأمريكي بأكمله! وهذا يعادل ما يستهلكه جميع الفرنسيين من السعرات الحرارية في عام كامل. ولكون طعام القطط والكلاب تحوي لحومًا أكثر من طعام البشر فإنها تستهلك حوالي 25% من إجمالي السعرات الحرارية المشتقة من الحيوانات في أمريكا. ويقارن (أوكين) بين هذه المستهلِكاتِ الهائلة للطاقة والمفسِدةِ للبيئة (القطط والكلاب) وبين تربية (الدجاج) في الباحة الخلفية للدور، حيث إن الأخيرة تستهلك النباتات وتنتج البروتين، في حين إن القطط والكلاب تستهلك الكثير من البروتين ولا تنتج إلا النفايات الملوثة! ويُضيف (أوكين): أنه يعلم أن ليس كل البروتين الموجود في طعام الحيوانات الأليفة هي مما يستسيغ الناس أكله، إلا أن الكثير من مربي القطط والكلاب بدأوا يتجهون إلى استخدام أطعمةً فاخرةً لحيوانتهم تحوي نسبًا أعلى من اللحوم التي يأكلها البشر عادة! وذلك لكونهم يَعُدّون الحيواناتِ الأليفة أفرادًا من الأسرة ينبغي الاهتمام بهم! ومن الجانب الآخر لما كانت الكلاب تستطيع أكل ما لا يستطيع البشر أكله فلمَ لا نحاول أن نحَوّل بعض طعام الحيونات الأليفة إلى طعام لسد رمق الإنسان؟ ويُقدّر أوكين أنه لو أمكن استهلاك البشر لربع اللحوم التي تستهلكها الحيوانات الأليفة، فإن ذلك سيعادل اللحوم التي يستهلكها 26 مليون أمريكي! وذلك لان الأفكار حول مدى صلاحية اللحوم للأكل تختلف كثيرًا من ثقافة لاُخرى. وهذا ما يجعل هذه الفكرة عقلانية وممكنة.(8)

والغريب أنه في الوقت الذي تَصُمّ فيه الدول (المتقدمة) آذان العالم بالتأثيرات البيئية المدمرة لبعض مصادر التلوث، تغضُّ الطرف بشكل أو بآخر عن ذات التأثيرات البيئية الرهيبة لتربية الحيوانات الأليفة في دولها أو في العالم أجمع! وفي ذلك تصرح دوناجاد مكارثي بوضوح: أن بريطانيا لا تستطيع تحقيق أهداف خفضِ الكربون الخاصة بها أو حماية بقايا التنوع البيولوجي المتبقية لديها إذا حافظت على هذا العدد الهائل غير المستدام من الحيوانات الأليفة.(9)

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد