(1)

يدلف الجنرال إلى مكتبه في قصره الذي لا يعرف أحد أين مكانه. يقرأ تقارير المخابرات والأجهزة الأمنية التي تأتيه كل صباح. تتقلص ملامح الجنرال شيئًا فشيئًا بعد كل صفحة يقرؤها، لقد كانت التقارير كلها تحذره من تصاعد الغضب الشعبي وازدياد حدة الانتقادات في وسائل الإعلام وارتفاع الغضب الخارجي على نظامه مع استمرار التظاهرات في الشارع. يغلق الجنرال التقارير بعنف ويعود بفكره إلى بدايات توليه السلطة كان الشعور العام وقتها مليئًا بالثقة والتفاؤل كان الجميع يعاملونه كبطل قومي أنقذ البلاد من الخونة. فمن أين جاءت حالة اليأس المسيطرة على الجميع. “شعب حلال فيه الخونة والعملاء يتحكموا فيه” كلمات يرددها الجنرال بينه وبين نفسه. وهؤلاء الإعلاميون الذين ينتقدونه هل نسوا كيف أنقذهم من الخونة؟

لو كان تأخر قليلًا في تحركه ضد العملاء لكانوا جميعًا في السجون حاليًا، هل نسوا فضله وجميله عليهم؟ يتراجع قليلًا بمقعده إلى الوراء ويتأمل صورة الرؤساء السابقين له، يتحسر على تلك الأيام التي كان فيها الشعب ينتظر 30 عامًا حتى يطالب بالتغيير، لا بد أن الشعب أصبح قليل الصبر عن ذي قبل حتى يحاسبوه بعد سنة من حكمه. ولماذا يحاسبوه أصلًا؟ إنه لم يعد بأي شيء في برنامجه الانتخابي، ثم إنه لم يكن له برنامج انتخابي من الأساس، شعب غريب حقًا. كان كل يوم يشعر بالحصار أكثر من ذي قبل، مظاهرات لا تنتهي وأزمات خانقة ومشاكل البلاد مزمنة لا حل لها حتى الرحلات الخارجية التي يحاول من خلالها اكتساب شرعية جديدة وللهروب من الأزمات الداخلية أصبحت مليئة بالمشاكل والجميع لا حديث له هذه الأيام غير الكلام عن الفتاة التي وصفته بالسفاح في زيارته الأخيرة حتى أنه ألغى الزيارة التي تليها خوفًا من الملاحقة القضائية. الجميع لاحظ انقباض ملامح وجهه في الفترة الاخيرة “ميعرفوش الكوابيس اللي بتجيلي كل يوم ونفسيتي اللي بقت زي الزفت”.

قالها الجنرال وهو يلتقط هاتفه طالبًا مدير مكتبه، لا بد أن يأخذ قرارات حاسمة، لا بد.

– عباس.

– اؤمر يا فندم.

– بلغ الداخلية تعدم المساجين اللي عندها وبلغ الحكومة تشيل الدعم عن الشعب وغلوا الأسعار شوية وشوفلنا حد من حبايبنا يرفع قضية على كام إعلامي، صوتهم علي والكل لازم يتربى.

يغلق هاتفه ويتأمل في سقف مكتبه كعادته وهو يتمنى أن تفلح هذه القرارات في فك حالة الحصار التي باتت تؤرقه مؤخرًا.

لا بد أن أخرج من السجن الذي وضعونني فيه، لا بد.

(2)

“ولكن من يغالب الله يغلب” حيي بن أخطب في غزوة بني قريظة.

(3)

جلس الشيخ يقرأ القرآن في ظلام السجن يقترب منه شاب ثائر تبدو على ملامحه علامات الغضب والضيق.
– أخبارك يا مولانا.

– بخير والحمدلله مالك يابني، حالك مش عاجبني.

– شكلها المرة دي مش زي كل مرة. أنت مش واخد بالك من لون بدلتك الحمراء.

– وماله يابني، ده اللي كنا بندور عليه طول عمرنا، الموت في سبيل الله أسمى أمانينا. ربنا سخر لنا الانقلاب علشان نختم جهودنا وتضحياتنا بالشهادة.

– نفسي أفهم يا مولانا إزاي حصل الانقلاب بالشكل ده؟

يلتقط الشيخ أنفاسه ويخرج زفيرها نارًا تكاد تحرق الزنزانة.

– مشكلتنا الرئيسية يابني إننا لعبنا بقواعدهم وقوانينهم. الديمقراطية وحرية الإعلام المطلقة والمشاركة مع العلمانيين وغيرها كتير، دي كانت الحبال اللي بيقيدونا بيها، كل ما نحاول نفعل شيء ثوري كانوا يستخدموا كلابهم في الإعلام يهيجوا علينا العامة وللأسف كنا نتراجع تحت الضغط أصبحنا محاصرون كالدببة التي وضعوها في بيت من الزجاج كلما تحركوا أكثر دمروا أكثر، الحمد لله على نعمة الانقلاب.

– إزاي يا مولانا تحمد ربنا على نعمة الانقلاب ده!

– يا بني ربنا أنقذنا من الفخ اللي وقعنا فيه، صدقني كل يوم كان بيمر علينا لم يكن في صالحنا، من نعم الله علينا أنه رزقنا هذا الجنرال الغبي فتخيل لو كان من خلفنا في الحكم شخصية ذكية وناجحة وغير دموية كان الشعب سيتعلق به وستكون هذه نهايتنا كما أن الله نقى صفوفنا بهذا الانقلاب وأخرج الخبث من صفوفنا والتعاطف معنا ازداد بشدة بعد أن علم الجميع بحجم المؤامرة التي كانت علينا.

– ولكن كيف يا مولانا بجماعة مثلنا ذات خبرة كبيرة تنطلي عليها هذه المؤامرة؟

– المشكلة يا بني منذ زمن طويل، ربما قبل أن تولد أصلًا، في الخمسينيات حصل صدام مع الدولة وأصبح الإخوة بين سجين ومطارد وقضينا معظم حياتنا في السجون والشعب لم يحرك ساكنًا، وقتها قررنا أن الصدام تكلفته عالية جدًا فقررنا اتباع النهج التدريجي في الإصلاح لدرجة أننا قررنا تملق الشعب حتى نصل للسلطة ونبدأ الإصلاح من الرأس ولكن يبدو أننا بطول تلك الفترة اكتسبنا صفات دخيلة وتركنا قوانين ديننا وارتضينا اللعب بقوانينهم وأراد الله بهذا الانقلاب أن يعلمنا أن هذا الطريق مسدود وأننا لا يمكن أن ننصر ديننا إلا بالقوانين التي وضعها الله فالغاية النبيلة لا يمكن الوصول إليها بوسيلة خسيسة.

– إذًا يبدو أننا لن ننتصر أبدًا، فما زلنا نلاعبهم بقوانينهم حتى بعد تلك المحنة سلمية، ومظاهرات ومخاطبة النظام الدولي.

– يا بني إن النصر كلمة مفهومها يختلف من شخص لآخر، فقد كنا نظن أن وصولنا للسلطة نصر كبير ولكننا اكتشفنا أنها أسوأ سنة في تاريخنا. وها نحن في السجن ولكننا لم نبع مبادئنا ولم نستسلم للضغوط رغم القتل والتشريد وحتى أحكام الإعدام وهذا نصر في حد ذاته، يا بني إن أغلب الدعاة والصالحين وحتى الأنبياء لم ينتصروا بالمفهوم الدنيوي فموسى مات في التيه ويحيى وزكريا قتلوا وغيرهم الكثير، فالنصر أن تكون في صف الحق سواء عشت مدافعًا عنه أو مت دونه.

– ولكننا سننصر الحق يا شيخنا، نخرج من السجن وبعدها لن نلاعبهم بقوانينهم مرة أخرى، سيكون هناك شورى وليس ديمقراطية ولن تكون هناك حرية مطلقة بل مقيدة بأحكام الشريعة أما السلمية فسنشيعها إلى مثواها الأخير وسنستبدلها بالجهاد وسنخرج من ضيق الجماعة إلى رحابة الأمة الإسلامية.

قالها الشاب ولم يلاحظ نظرات الرضى في عيني شيخه.

(4)

“لا يصلح آخر هذه الأمة إلا بما صلح به أولها” الإمام مالك.

(5)

أخذ المواطن يتأمل واقعه المرير، فمن غلاء الأسعار إلى قلة الرواتب وارتفاع الضرائب حتى ابنه الوحيد الذي كافح في تعليمه ها هو يأخذ دوره في طابور البطالة الطويل. كان كأغلب الشعب أعطى أذنه لوسائل الإعلام التي أخذت تبشره بأنهار العسل واللبن مع قدوم الجنرال للحكم وكيف أن الثروات ستكون بيد الشعب لا يعلم أين ينفقها، صدقهم وغض الطرف عن المذابح والمجازر بحق المعارضين فهو لا يهمه ما دام كل هذا بعيد عنه المهم هو رزقه والاستقرار.

قطع تفكيره دخول ابنه عليه وهو متجهم الوجه.

– بابا شوفلي معاك 100 جنيه.

– منين يا بني ما أنت عارف القبض على قد الصرف. لو قادر أديك مش هتأخر عنك.

– مش عارف ليه يا بابا بتفكرني بكلامك بواحد تاني.

يبتلع المواطن ريقه بصعوبة مع تعريض ابنه بالجنرال، فقد كان جدار الخوف قد أعيد بناؤه.

– يا بني ملناش دعوة بالسياسة خليك في حالك.

– مش ده اللي سقفتوله يا بابا وماما نزلت رقصتله في الانتخابات وقلتوا الخير جاي على إيده؟

– يا بني الراجل بيحاول على قد ما يقدر، كفاية إنه خلصنا من الخونة والعملاء.

– بيحاول! يا بابا أنت مش واخد بالك البلد بقت عاملة إزاي، كلها زبالة وزحمة وتلوث وغلاء وكل يوم تفجيرات ومفيش شغل حتى المياه مش هنلاقيها، متضحكش على نفسك يا بابا البلد بقت خرابة.

يحاول المواطن الدفاع عن الجنرال فقد خسر نصف أصحابه وأقاربه في سبيل الدفاع عنه ولن يسمح لأحد بالشماتة فيه ولكن ابنه لا يعطيه الفرصة مواصلًا كلامه.

– يا بابا للأسف أنتم بعتوا مبادئكم وضمائركم وباركتوا المجازر اللي حصلت علشان افتكرتوا إنها بعيدة عنكم. بس دلوقتي البلد كلها بتنكوي بنار الجنرال ومحدش قادر يفتح بقه لأن الكل خايف يتكلم وهو عارف إن الشعب هيتفرج عليه وهو بيتسحل زي ما اتفرج عاللي قبله، كما تدين تدان يا بابا.
يطأطأ المواطن رأسه في خجل مغمغمًا ببضع كلمات:

– يا بني ملناش دعوة بالسياسة، أنا عايز أفرح بيك وأجوزك مش عايز أخسرك.

– جواز! انسى إني أتجوز في البلد دي، أنا الجواز الوحيد اللي بدور عليه هو جواز السفر، أنا لازم أخرج من السجن ده قصدي من البلد دي.

(6)

“الظلم مؤذن بخراب العمران” ابن خلدون في مقدمته الشهيرة

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد