يشهد العالم العديد من المتغيرات، التي جعلت عالمنا مختلفًا عما كان عليه في السنوات السابقة، بحيث أصبح المتغير المشترك بين مختلف الدول هو تحديث الإدارة العمومية وفقًا لقواعد وضوابط سليمه، انطلاقًا من تسخير كافة الموارد والوسائل اللازمة لبلوغ الأهداف المرجوة، ويبقى ضمان تحقيق ذلك ملازمًا لشرط كفاءة الإدارة ومدى قدرتها على تجويد الخدمات حتى ترتقي لتطلعات المواطنين، وتراهن المملكة المغربية على التفعيل الحقيقي للحكامة واعتماد معاييرها، بدءا بالتخليق وبناء فكر تدبيري شفاف في مختلف القطاعات الإدارية، ومن أهمها السلطة المحلية باعتباره من أكثر الإدارات قربًا واحتكاكًا بالمواطن، وهو ما تؤكده التوجيهات الملكية السامية الرامية إلى إرساء مبادئ الحكامة وتجويد وتخليق الخدمات العمومية، كضرورة للرفع من وتيرة التنمية وتحسين الظروف المعيشية للمواطنين، وتتمة لذلك التوجه فإن عددًا من البرامج الحكومية أخدت على عاتقها مسؤولية اتخاذ العديد من الإصلاحات الجوهرية على المستويات المحلية والمركزية من بنيات إدارية ونصوص قانونية منظمة للعمل الإداري، كما أن هذه البرامج الحكومية اعتبرت الحكامة الجيدة بكل أبعادها الإدارية والأمنية والاقتصادية بمثابة عمودها الفقري الذي تكرس عمليًّا بإحداث قطاع وزاري مكلف بالحكامة.

فضلًا على أن الهدف من إرساء إدارة حديثة هو جعل هذه الأخيرة فاعلًا أساسيًّا في تحقيق التنمية، وهو ما يصعب تحقيقه دون وجود حكامة واعتبراها مرتكزًا أساسيًا، وعليه يجب أن تكون الحكامة مشروعا وطنيا مدعما بإرادة قوية لتكرسي الشفافية في مختلف القطاعات الإدارية بنظرة أفقية لا عمودية، وذلك بالعمل على تحسين بنية الاستقبال ومبادئ الإدارة بالأهداف والنتائج، تعزيز المنظومة الرقابية ورفع المسؤولية بالمحاسبة.

إن تحسين بنية الاستقبال بإنشاء مصالح خاصة لاستقبال المرتفقين وإرشادهم وتوجيههم تعتبر المعايير المحددة لسمعة الإدارة العمومية، وبحكم أن السلطة المحلية تعتبر مؤسسة قرب تحظى بالثقة والمسؤولية وتتمتع بمجموعة من الصلاحية التي تخولها من خدمة المواطن، فإن العمل على تحسين بنية الاستقبال الخاصة بالمرتفقين والإنصات إليهم ونهج سياسة الأبواب المفتوحة التي تعد مطلبًا أساسيًا لا غنى عنه لتحقيق الحكامة الجيدة وخدمة المواطن والمقاولات وفق النموذج التنموي الجديد الذي تتطلع إليه بلادنا، حتى تكون مؤهلة لرعاية المصلحة العامة، وانطلاقا من الرؤية الجديدة لوزارة الداخلية وتماشيًا مع التوصيات السامية لصاحب الجلالة الملك محمد السادس نصر الله، فإن اختيار القائمين على تكويننا لهذا الشق لم يكن بمحض الصدفة، إنما يعكس توجه وزارة الداخلية الرامي إلى ترسيخ مبدأ الحكامة الجيدة في تنظيم وتدبير المرفق العمومي لضمان القرب من المواطنين والإصغاء إلى مطالبهم وتلبية حاجياتهم المشروعة، وإعادة بناء الثقة بين المواطن والإدارة العمومية من خلال نموذج جديد يعتمد على تلبية حاجيات المواطن وإرضائه كغاية أساسية للسلطة المحلية.

على خلاف الرهانات الكبرى التي أفلحت بلادنا في كسبها والمتمثلة في بنائها السياسي وتعزيز تنافسيتها الاقتصادية، غير أن النموذج التنموي طالته مجموعة من الصعوبات التي حالت دون تحقيق التنمية الاجتماعية والبشرية المنشودة، والاستجابة لكافة متطلبات وحاجيات المواطنين، بحيث شكلت الإدارة إحدى أهم هذه الصعوبات إذ إنها لم تعد تساير وتيرة التغيرات المجتمعية، كما أنها لم تقو على مواكبة مستلزمات التنمية الشاملة رغم كل المحاولات الإصلاحية السابقة، وبفعل مجموعة من الاختلالات البنيوية، وبذلك ظلت في الكثير من الحالات تفتقد للكفاءة والابتكار والحكامة الجيدة، الأمر الذي جعل أدائها محكومًا بالمحدودية تجاه خدمة المواطن.

ولذلك أصبح إصلاح الإدارة العمومية وتجويد الخدمات المقدمة للمرتفقين مطلبًا استعجاليًا تفرضه مستجدات السياق الراهن، وتفتضيه تحديات المرحلة المقبلة، لتعزيز ركائز النموذج التنموي الذي يطمح إليه المغرب ولضمان نجاعة السياسات العمومية ولتخصيص مرفق عمومي فعال يسهر على خدمة المواطن، وفقًا لما ارتضاه صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله، فضلًا عن أن دعوة صاحب الجلالة إلى إعمال المفهوم الجديد للسلطة شكلت منعطفًا حاسمًا في مسار الغدارة العمومية بالمغرب، لتكون ساهرة بشكل أكبر على خدمة المواطن والصالح العام، بحيث أضحت الإدارة العمومية ملزمة أكثر من أي وقت مضى بتعزيز تدخلاتها حتى يتسنى لها الاستجابات للحاجيات المتزايدة والمستمرة للمواطنين في إطار ضمان الكرامة الإنسانية والعدالة الاجتماعية إلى جانب كسب رهان الحكامة الجيدة.

التوجيهات الملكية السامية

تعتبر التوجيهات الملكية السامية المعلنة في افتتاح الدورة البرلمانية الأولى من السنة التشريعية الأولى من الولاية التشريعية العاشرة المقاربة الكبرى لإصلاح وتحسين أداء الإدارة، حتى تكون ناجعة ومنفتحة في وجه المرتفقين، وتتعلق هذه التوجيهات بتغيير العقليات والسلوكيات وجودة التشريعات وتأهيل الموظفين وتقريب الخدمة من المواطن، تماشيًا مع الخطاب الملكي بمناسبة الذكرى الثامنة عشرة لعيد العرش، كما يستند إصلاح الإدارة والوظيفة العمومية إلى الرسالة السامية التي وجهها صاحب الجلالة الملك محمد السادس نصره الله إلى الملتقى الوطني للوظيفة العمومية العليا المنعقد بالصخيرات بتاريخ 27 فبراير 2018، وتتمثل التوجيهات الملكية السامية لإصلاح الإدارة والوظيفة العمومية في إدراج الوظيفة العمومية العليا ضمن الإصلاح الشامل والعميق للإدارة العمومية بناء على رؤية تضع مفهوم الخدمة العمومية في صلب النموذج التنموي الجديد الذي طمح المغرب إليه في سبيل مواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية، وكذا إصلاح الإدارة وتأهيل مواردها البشرية باعتبارها خيارا استراتيجيا لدعم النموذج التنموي وجعل الإدارة أداة فاعلة في تطوير السياسات العمومية في مختلف المجالات، فضلًا عن توجيه الإدارة العمومية للتكيف مع المتغيرات الوطنية واستيعاب التطورات العالمية وللرفع من أدائها والمساهمة في رفع التحديات التنموية، إلى جانب ضرورة إصلاح وتأهيل الموارد البشرية وترسيخ مبدأ الحكامة الجيدة في تنظيم وتدبير المرفق العمومي مع تفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة.

والعمل على تركيز وظيفة الإدارة العمومية في خدمة المواطنين أخذًا بعين الاعتبار مبادئ المساواة والإنصاف في تغطية التراب الوطني والاستمرار في أداء الخدمات، مع ضرورة التزام موظفي المرافق العمومية بمعايير الجودة والشفافية والمسؤولية والمحاسبة لضمان القرب من المواطنين والإصغاء إلى مطالبهم وتلبية حاجياتهم المشروعة، وضمان الرعاية المستمرة للمرفق العام وجودة الخدمات العمومية في اتجاه التوظيف الأمثل للإمكانات المتاحة من أجل ضمان نجاعة الأداء العمومي، وتركيز الجهوية المتقدمة لترسيخ الحكامة الترابية وتقديم المواطن من الخدمات والمرافق العمومية والمرافق العمومية.

وتغيير العقليات وإحداث القطيعة مع بعض السلوكات والممارسات المشينة التي تسيء للإدارة وللموظفين على حد السواء، والمتمثلة في الرشوة والفساد واستغلال النفوذ وعدم الانضباط في أداء العمل، والعمل على تقوية أواصر الثقة بين الإدارة والمرتفقين، وتأسيس هذه العلاقة على مرجعية محددة تؤطر عمل المرافق العمومية بناء على مساطر دقيقة وشفافة، تستجيب لحاجيات المواطنين وتتماشى والممارسات الفضلى والمعايير الدولية في هذا المجال، لا سيما فيما يتعلق بتلقي ومعالجة وتسليم القرارات الإدارية والرفع من فعالية معالجة الملفات والطلبات، وذلك من أجل تعزيز نجاعة وفعالية الإدارة المغربية.

المقتضيات الدستورية

يستند إصلاح الإدارة على المبادئ والمقتضيات التي كرسها دستور 2011، وتحديدًا في الباب الثاني عشر والذي جرى تخصيصه للحكامة الجيدة، والتي ترتكز على التوجهات العامة للمملكة والقواعد المتحكمة في ميثاق المرفق العام والمبادئ الموجهة للحكامة الجيدة، وتروم المقاربة الإصلاحية، وفقًا للمقتضيات الدستورية، تحسين أداء الإدارة العمومية عبر ربط المسؤولية بالمحاسبة، ودعم الحكامة الجيدة، وتحقيق مبدأ الإنصاف المجالي والحياد والشفافية والنزاهة، ويستهدف أيضًا ضمان استمرارية المرفق العام في أداء الخدمات والحرص على جودتها، مع تيسير ولوج المواطنين للمعلومات واحترام مبدأ المساواة بين المواطنين ترسيخًا للعدالة الاجتماعية ولمبدأ تكافؤ الفرص.

الالتزامات الحكومية

تتمحور الإصلاحات الحكومية حول ترسيخ النزاهة والتحلي بروح المسؤولية وتكريس الشفافية والانفتاح، وتحسين استقبال المرتفقين بالإدارات العمومية المغربية بهدف تحسين استقبال المرتفقين واستعادة علاقة الثقة بين الإدارة والمواطنين، كما أدرج برنامج عمل وزارة الوظيفة العمومية وتحديث الإدارة هذه الإرادة الحكومية من خلال إدراج تحسين العلاقة بين الإدارة والمواطنين، وعلى وجه الخصوص استقبال المرتفقين بالإدارة العمومية وولوجهم إلى الخدمات العمومية باعتبارهم محورًا أساسيًا ضمن هذا البرنامج.

وفي ذات السياق فمنذ توقيع وثيقة البرنامج الوطني «تحسين استقبال المرتفقين بالإدارات العمومية المغربية» بين وزارة الوظيفة العمومية وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي، بتاريخ 7 مايو 2013، عملت الوزارة على وضع تصور موحد ورؤية مشتركة متفق عليها من قبل جميع المعنيين حول جودة الاستقبال، انطلاقًا من مساهمة تشاركية فعالة لمختلف الوزارات والإدارات العمومية.

وتؤكد الالتزامات الحكومية على ترسيخ النزاهة والتحلي بروح المسؤولية وتكريس الشفافية والانفتاح، واعتماد المقاربة التشاركية وتقريب المواطن من الإدارة، وكذا على جعل المواطن في صلب الوظيفة العمومية، وتفعيل مبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة،

الرؤية الإصلاحية

تتجسد هذه الرؤية في الإطار المرجعي لحسن الاستقبال، الذي حدد الإجراءات والتدابير العلمية التي يجب على كل إدارة اتخاذها لضمان تحقيق التزاماتها في هذا المنظار.

التصور الجديد للسلطة «التدبير الإداري»

كان لجلالة الملك محمد السادس نصره الله سباقا في الإعلان عن الخطوط العريضة للمفهوم الجديد للسلطة في خطابه الذي ألقاه بتاريخ 12 أكتوبر 1999 أمام ممثلي الجهات والولايات والعمالات والأقاليم، ومما جاء في الخطاب الملكي «مسؤولية السلطة في مختلف مجالاتها هي أن تقوم على حفظ الحريات وصيانة الحقوق وأداء الواجبات وإتاحة الظروف اللازمة لذلك، على النحو الذي تقتضيه دولة الحق والقانون، في ضوء الاختيارات التي نسير على هديها من ملكية دستورية وتعددية حزبية وليبرالية اقتصادية وواجبات اجتماعية، بما كرسه الدستور وبلورته الممارسة».

ولهذا عملت الدولة من خلال هذا الخطاب الملكي على إعادة الثقة للمواطن بإدارته التي ظلت لعقود من الزمن بعيدة عن انشغالات وهموم الناس، ويعود ذلك إلى نموذج التنظيم نفسه، نظرًا لأن أشكال التواصل الإداري القديم والاتجاهات الموروثة فرضت نوعًا من العلاقات بين الإدارة والمواطن مطبوعة بالتشدد والإكراه والخضوع لسلطة الإدارة التي تفرض عليهم التبعية تجاه منطقها وقواعدها، إلى جانب إدارتها لأشكال الحوار والتواصل بطريقة أحادية الجانب، ومن هنا يمكن القول أن المفهوم الجديد للسلطة مرتبط بشكل وثيق برعاية الصالح العام والمصالح العمومية والحريات الفردية والجماعية، وهو ما يصعب تحققه داخل المكاتب الإدارية، بل يتوجب توفر شرط الاحتكاك المباشر والملامسة الميدانية بين أعوان الإدارة والمرتفقين، وإشراكهم في إيجاد الحلول المناسبة والملائمة.

ويرتكز المفهوم الجديد للتدبير العمومي على فكرة أساسية مفادها تسيير الإدارة العمومية بأدوات ووسائل القطاع الخاص، ما يفيد أن الإدارة العمومية تتجه نحو البحث عن المردودية وإرساء علاقات تجارية تعاقدية مع المواطن الذي سينتقل من كفة مرتفق إلى كفة زبون ومستهلك للخدمات العمومية، وببما أن علاقة المرتفقين في الحالتين تتميز بنوع من الصراع وانعدام الثقة، ما يجعل الإدارة العمومية بصفة عامة مدعوة للتراب من المرتفقين وملامسة مشاكلهم وإشراكهم في إيجاد الحلول والقرارات الملائمة لحاجياتهم المختلفةا، فضلًا عن المراهنة على «تحسين العلاقة» كاستراتيجية للعمل وذلك بالإنصات والتفاعل مع رغبات المرتفقين وذلك بالعمل على إشراك مخاطبين في اجملتمع المدني كاللجان الممثلة للمستهلكين والجمعيات الممثلة لفئات متنوعة من المواطنين لتقوم بدور التواصل والحوار المسؤول مع الإدارات العمومية في القضايا التي تستأثر باهتمامهم، إلى جانب الدور الذي يقوم به المنتخبون والهيئات المهنية.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

المصادر

عرض التعليقات
تحميل المزيد