يَتَسَمَّرُ الكثير منا يوميًّا أمام الشاشات لمتابعة جديد العلوم والتكنولوجيا في مواجهة جائحة كورونا، حيث تَشْرَئِب الأعناق وتَتُوقُ الأَنْفُس لسماع الأخبار المُطَمْئِنَة، وما مدى التقدم على كل الاتجاهات في التصدي للوباء. إِنْ كنت من بين هؤلاء، وأمام سيل الاكتشافات والابتكارات، فمن المؤكد أَنكَ شعرت ولو لمرة برغبة في المساعدة في تلك الجهود، ولربما تَمَنيْتَ لو امتلكت المستوى اللازم للمشاركة وإِفَادَة الآخرين وتَأَسفْتَ لعدم تمكنك من ذلك. الخبر السار الذي ستسمعه هو أنهُ بإمكانك فعلًا المساهمة مهما كان شأنك! كيف ذلك؟ ربما ستتساءل، الإجابة عن طريق علوم المواطنين (ِCitizen Science) وهو توجه معروف يندرج في إطار دَمَقْرَطَةْ العلوم، ويتمثل في إشراك عامة الناس في الجهود العلمية العالمية وهم في منازلهم. فإذا كنت لا تملك أدنى فكرة عن هذا المفهوم، فيمكنك الاطلاع على مقال سابق يلخص ماهية علوم المواطنين، تاريخها ومساهماتها، وأمثلة وإرشادات لتكون عالمًا مواطنًا. في هذا المقال سوف نستعرض أهم المشروعات العلمية العالمية المدعومة بعلوم المواطنين ضد فيروس كورونا، والتي بإمكانك كمواطن بسيط المساهمة فيها.

أهم مشروعات علم المواطن ضد فيروس كورونا

سنأخذ أهم مشروعات علم المواطن التي تتعلق بجائحة كوفيد-19، والتي نشرت من طرف جمعيات عالمية متخصصة في علوم المواطن، مثل جمعية علم المواطن الأمريكية CSA، جمعية علم المواطن الأوروبية ECSA ، وجمعية علم المواطن الأسترالية ACSA. تقوم هذه المنظمات بتحيينات دورية لقوائم مشروعات علم المواطن على صفحاتها.

فهم الفيروس وسلوكه هو أول عملية مهمة جدًّا في طريق التصدي له

مشروع Corona land هو عبارة عن محاكي تَفَاعُلِي لكوفيد-19، هدفه تعميم فهم انتشار الفيروس التاجي وتأثيره، وما يمكننا فعله لاحتوائه. طُوِّرَ في جامعة آرهوس (Aarhus University) بالدنمارك أين يُجْرِي الباحثون دراسة لفهم كيف يمكن للتوضيحات البيانية والمحاكاة التفاعلية أن تنقل الظواهر المعقدة، مثل انتشار فيروس. الأفكار المستخلصة من الدراسة قد تساعدهم على التواصل بشكل أفضل حول الأخطار المحدقة أثناء تفشي الفيروس.

الأداة تقوم بمحاكاة برمجية باستعمال الكثير من المتغيرات مثل عدد الأيام، معدل التكاثر المفترض، عدد الإصابات في اليوم الأول وتاريخ بدء المحاكاة، حجم السكان، الأَسِرِّة الفارغة للعناية المركزة، والعديد من المتغيرات الأخرى.

المحاكاة تجرى بافتراض تفعيل إجراءات الدولة كالتباعد الاجتماعي (Social distancing)، الحجر الكلي (Shutting down)، ورفع الحجر (Re-opening society)، وكل المتغيرات السابقة يجري تطبيقها بشكل قبلي/ بعدي لهذه الإجراءات.

الأداة تعليمية وتسمح للمواطن بتشريح الوضع العام وفهم دقيق يسمح له بالتفاعل إيجابًا مع جهود محاربة الفيروس.

العلماء المواطنون مدعوون للمشاركة في الدراسة بملء استبيان قبل وبعد تجريب المحاكي حتى يتمكن الباحثون من فحص فعاليته في التواصل حول الفيروس. كما يمكن أيضًا استخدام المحاكي أداةً تعليمية بذاته، مع دروس حول التباعد الاجتماعي، وقدرة المستشفيات، وما يمكن أن يفعله الناس للمساعدة.

صورة محاكي Corona land

على صعيد آخر، هناك حاجة لفهم التأثيرات الاجتماعية لكوفيد-19 على المواطنين والاستماع إلى قصصهم.

Corona Report هو مشروع لعلم المواطن تقوده جامعة أدنبرغ (University of Edinburgh) بأسكتلندا يضفي الطابع الديمقراطي على التقارير حول فيروس كورونا، ويجعل هذه التقارير في متناول مواطنين آخرين. يمكنك إنشاء تقارير عامة حول تجاربك، بما في ذلك كيفية تأثير الفيروس في منطقتك والطريقة التي يسير عليها مجتمعك المصغر (على سبيل المثال، المدارس ودور العجزة والشركات)، كما يمكنك تحديث إدخالاتك دائمًا بمعلومات جديدة مثل يومياتك.

يُطْلَبُ منك المشاركة في مشروع البحث بصفتك عالمًا مواطنًا لأنك شخص تعاني من الآثار المجتمعية لكوفيد-19. الغرض من هذا المشروع هو معرفة المزيد حول كيفية تأثير الجائحة في أساليب حياة الأشخاص، بما في ذلك الصحة البدنية والعقلية والسلوكية والرفاهية على المدى القصير والطويل. مساهمتك ستكون أساس البيانات التي تقدمها للمشروع، واستخدام الأرضية للنظر في البيانات التي يشاركها أشخاص آخرون. البيانات تتمثل في تقارير متعلقة بشخصك (حالتك النفسية)، تقارير متعلقة بمكان وجودك (ما تلاحظه بالمنزل، مكان العمل، مكان تعليمي، طبي، كيف تأثرت تلك الأمكنة بالفيروس، عدد الأشخاص حولك… إلخ)، تقارير متعلقة بنشاطك ونشاط غيرك (الحياة اليومية، العمل، الأطفال، … إلخ).

واجهة Corona report

مكافحة الأمراض المعدية ليس بالأمر الهين، وتتمثل إحدى أهم الطرق في مراقبة انتشارها والتنبؤ بتفشيها.

إِن الإبلاغ عن أعراض كورونا من طرف المواطنين يوفر بيانات يستخدمها الباحثون في الصحة العامة لرصد اتجاهات المرض. الهدف يبقى مراقبة تفشي أعراض المرض بين التجمعات السكانية. حيث يلتقط النظام معلومات إضافية حول المجتمع المُحْتَمَل اكتسابه لكوفيد-19 باستخدام التبليغ الذاتي على المنصة لأعراض الجهاز التنفسي (الحمى، السعال، … إلخ). المشروعات تعتمد على الجهود التطوعية للمواطنين، وبغض النظر عما إذا كانوا قد طلبوا العناية الطبية أو تلقوا العلاج، الذين يقدمون تقارير عما إذا كان لديهم أعراض، وبالتالي يساهمون في معرفة مدى الانتشار في المجتمع.

في هذا السياق أُطْلِقَتْ العديد من المشروعات، مثل مشروع Flusurvey  الذي أُطْلِقَ في بريطانيا، والذي احتُذِيَ به في العديد من الدول الأوروبية، ومشروع  Influmeter  في الدنمارك. كذلك  أُطْلِقَ  نظام المراقبة  FluTracking  لكشف ورصد انتشار الإنفلونزا في أستراليا ونيوزيلندا، فيما أُطْلِقَ مشروع CovidNearYou للمساعدة في تتبع أعراض جائحة كوفيد-19 في الولايات المتحدة وكندا.

صورة من Flusurvey تُبَيِّنْ بيانات الإبلاغ الأسبوعية عن أعراض كوفيد-19 منذ بدايته

استعمال تتبع الاتصال الرقمي في تعقب العدوى أثبت فعاليته عبر العالم. وأدوات التتبع لاقت رواجًا كبيرًا؛ إذ إنها تستند بالأساس على تطوع المواطنين وكلما زاد عددهم تحسن أداء هذه الأدوات، حيث تساعد سلطات الصحة العامة على تتبع انتشار الفيروس حتى تتمكن من اتخاذ إجراءات لإبطائه.

من المشروعات نجد منها ما هو عالمي مثل مشروع COVID Safe Paths الذي أطلقه معهد ماساتشوستس للتكنولوجيا بأمريكا، الذي يعمل باستخدام نظام تحديد المواقع العالمي (جي بي إس). وكذلك مشروع Contact Tracing الذي أطلقته «جوجل» و«آبل» مناصفة، والذي يستعمل تقنية البلوتوث.

ونظرًا لخصوصية عملية التتبع، فقد أُطْلِقَتْ العديد من المشروعات المحلية كذلك.

مشروع TrackTogether أُطْلِقَ في المملكة المتحدة لتتبع الاتصال. ويمكنك المساعدة، سواء كنت مريضًا أو معافى، من خلال التبرع ببياناتك. وكلما جمعت الأداة المزيد من الردود، أصبح بإمكاننا إعلام أنفسنا والباحثين بشكل أفضل.

ومشروع Corona 100m بكوريا الجنوبية الذي يتيح لك معرفة ما إذا كان اختبار كوفيد-19 لشخص حولك إيجابيًّا.

كذلك يوجد مشروع TraceTogether وهو تطبيق أطلقته حكومة سنغافورة يعتمد على البلوتوث ويسجل جميع الأشخاص الذين قابلهم المستخدم خلال فترة 14 يومًا. تطبيق مشابه بفرنسا هو StopCovid وتعتمد فعالية هذه التطبيقات على عدد الأشخاص الذين يستخدمونه على هاتفهم الذكي.

أجهزة التقنيات الملبوسة (Wearables) يمكنها كذلك المساهمة في التنبأ بالمرض.

Quantifiedflu هو مشروع جديد لعلم المواطن يتيح للناس الإبلاغ عن أمراض سابقة أو تتبع الأعراض بعد المرض، من أجل التحقق مما إذا كانت الوسائط الفسيولوجية المختلفة التي تتتبعها أجهزة التقنيات الملبوسة (wearables) لدينا، تساعد على التنبؤ بوقت المرض. فإذا كنت تحمل أي نوع من تلك الأجهزة مثل ساعة «آبل» الذكية أو خاتم «أُورَا» الذكي أو غيرها، فإنه يمكنك المساهمة في المشروع، بمشاركة البيانات التي جمعتها تلك الأجهزة الذكية مع المشروع.

هذا ويتسابق العلماء في جميع أنحاء العالم للعثور على علاجات ولقاحات فعالة لوقف جائحة الفيروس التاجي. بصفتك عالمًا مواطنًا، يمكنك الانضمام إلى هاته الجهود المبذولة للمساعدة في معالجة كوفيد-19 والأمراض المعدية الأخرى.

مشروع Foldit من جامعة واشنطن هو لعبة لِطَيْ البروتينات (Protein folding) على الإنترنت، لفهم بنياتها ووظائفها بشكل أفضل. فالبروتين مكون من سلسلة من الأحماض الأمينية التي تلتوي وتنحني لتعطيه شكلًا يُلْزِمُهُ بأداء وظيفته في الخلية. وبانتشار كوفيد-19، ينتظر المشروع الآن مساهمة العلماء المواطنين لتصميم بروتينات مضادة للفيروسات يمكن أن تلتصق بالفيروس التاجي لتكبيله وتحييده. التصميمات التي تحقق أعلى النقاط، سيجري تصنيعها واختبارها في الحياة الواقعية. وبهذه الطريقة يوفر Foldit منفذًا إبداعيًّا يمكن أن يساهم في إنتاج لقاح مستقبلي ضد الفيروس.

أولى التصميمات لبروتين ضد كوفيد-19 في Foldit

قد يلاحظ العالم المواطن عاملًا مشتركًا بين المشروعات السابقة، وهو إمكانية انتهاك الخصوصية، ما قد يجعله يتردد في المشاركة في المشروع. في الحقيقة هذا الهاجس مَأْخُوذ بعين الاعتبار في كل المشروعات السابقة، وستلاحظ بمجرد زيارتك لمواقعهم الإجراءات المُتَّخَذَة والسياسات المتبعة للحفاظ على خصوصية المستخدمين.

هذا ويبقى الواب يَعُجُّ بمشروعات علم المواطن التي تصب في خانة الجهود المبذولة للقضاء على وباء كورونا، أو على الأقل تقليل حِدَّتِهِ وآثَارِهِ. وكل مهتم بمد يد العون مَدْعُو لاخْتِيَارِ مشروع ما والبدء في إنجاز المطلوب منه. حيث تظل مدة الحجر الصحي والزمن الطويل المُصَادَر من وقتنا فرصة مثالية لتقديم الإضافة.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد