وكأنها دولة، بكافة مؤسساتها وهيئاتها ووزاراتها وإداراتها المتعددة الأشكال والأنواع. وكأنه تعليم، في صيحة مدوية قالها المعلم البرازيلي الأشهر باولو فريري: “لا يوجد تعليم محايد، بل تعليم يقهر أو آخر يحرر”، لم يحررنا التعليم أبداً، على العكس تماماً؛ كان الهدف الأسمى للتعليم في بلادنا هو خلق ذلك “الكائن المسخ “. ذلك الذي سيسهل عليهم اقتياده فيما بعد، وكأنه تعليم.

ذاك الذي حرصوا كل الحرص على محو التاريخ الحقيقي لهذه الأمة منه، هم لا يريدون جيلاً يفخر بأجداده، وبتاريخ أمته الحافل: فحذفوا من المقررات الدراسية كل ما يمكن أن ينهض بأمة، فرغوا التاريخ من محتواه: طمسوا كل ما له علاقة بخالد بن الوليد، وعقبة بن نافع، ومحمد الفاتح، وطارق بن زياد، وموسى بن نصير، وصلاح الدين الأيوبي، ألغوا جُل ما له علاقة بقول الله وقول الرسول. وحجتهم: ماذا دهاك أتريد جيلاً جديداً من الإرهابيين؟

هم يريدون جيلاً منبت الصلة بالماضي لا يؤمن بالمستقبل، يشعر بالدونية طوال الوقت كلما نظر تجاه الغرب، هم لا يريدون لهذا ” الكائن المسخ ” أن يعلم أن أجداده هم من علموا الغرب الفلسفة والكيمياء والرياضيات، ذلك الكائن لا يجب عليه أن يشعر بالعزة أبداً.

وكأنه تعليم. ذاك الذي يُحول الطالب لببغاء يردد كل ما يريدونه منه، ويُجهز على كل فكر وموهبة وابتكار، وكأنه تعليم. وليست عملية تجهيل متعمدة، وممنهجة؛ لخلق ذلك القطيع من ” الكائنات الممسوخة “.

 
وكأنه تعليم. احتلت مصر المركز الأخير من بين دول العالم من حيث جودة التعليم الأساسي؛ وفق تقرير التنافسية العالمية الصادر عن المنتدي الاقتصادي العالمي لعاميّ ٢٠١٣: ٢٠١٤م.”وهكذا نكون قد حققنا المركز الأول في شيء حتى لو كان من القاع، ” كما علق ساخراً أحد أصدقاء مراسلي الفورين بولسي في القاهرة بعد انتهائه من قراءة التقرير.

وكأنه جيش. ذاك الذي هُزم في ثلاث حروب متتالية في الـ ٤٨ و ٥٦ و٦٧ ، ثم انتصر نصف نصر في العام ٧٣ ، أبى تماماً أن يكمله ، ثم أجهضه تماماً باتفاقيته المشئومة مع جيش كان عدوه فأصبح بين ليلة وضحاها أقرب أقربائه، يكفيك فقط أن تعرف أن معاهدة ” كامب ديفيد ” نصت على تحديد عدد أفراد الجيش المصري في سيناء، وقسَّمت سيناء إلى ثلاث مناطق طولية:

منطقة (أ) في غرب سيناء، وهذه يُسمح فيها للمصريين بقوات لا تزيد على ٢٢ ألف جندي. ومنطقة (ب) في الوسط، ليس فيها إلا أربعة آلاف جندي من حرس الحدود بأسلحة خفيفة. ثم منطقة (ج) في شرق سيناء، وهي ملاصقة لدولة فلسطين المحتلة، وهذه ليس فيها إلا قوات شرطة فقط لا يُسمح فيها بوجود جيش. وبينما يُسمح للقوات العسكرية المصرية أن تبقى فقط في غرب سيناء، فإن القوات المسلحة الصهيونية توجد على بُعد خمسة كيلو مترات فقط من الحدود المصرية الشرقية.

وبالتوافق مع ” الأصدقاء” والتنسيق المذهل باعتراف إسرائيل نفسها سمحوا الآن للجيش بالتوغل في سيناء كلها؛ لتدميرها وتهجير أهلها وشن الحرب وإغراق الحدود مع أعدى أعداء الجيش الآن: أهل فلسطين في غزة!

وكأنه جيش. ذاك الذي تشارك قواته البرية في الحرب المسلحة أمام معتصمين عُزل من أبناء شعبه، وتقوم دباباته بتجريف الجثث بعد قتلها، بل تشارك قواته الجوية أيضاً في قتل وقنص المتظاهرين في الشوارع.  وكأنه جيش. ذاك الذي بدلا من أن يدافع عن مقدسات الأمة يتفرغ تماماً للم الغلة ” الرز “، تتحدث الكثير من التقارير عن بيزنس الجيش وإمبراطوريته الاقتصاديه الهائلة وميزانيته التي لا يعلم أحد شيئاً عنها، ناهيك عن العمولات على صفقات السلاح، بل يذهب الكثير من المحللين السياسيين إلى أن خوف الجيش على مصالحه الاقتصادية من جمال مبارك وأعوانه كان سبباً رئيساً في موقفه من ثورة يناير.

وكأنه جيش. ذاك الذي يُنقذ اقتصاد الدول الأخرى ودولته علي حافة الفقر. كشف مجلس الشيوخ الفرنسي عن تراجع خسائر البلاد إلى نحو ٢٥٠ مليون يورو، بفضل بيع حاملتي المروحيات “ميسترال” إلى مصر، والتي كانت صنعتهما خصيصاً بموجب طلب روسي.
وذكرت صحيفة “لاتريبيون” الاقتصادية، أنه لولا صفقة بيع “ميسترال” التي أُبرمت مع مصر لكان الاقتصاد الفرنسي تكبد خسائر تصل إلى ١.١ مليار يورو، لكن بالطبع كل شيء يهون في سبيل البحث عن اعتراف عالمي بالشرعية الزائفة.

وكأنه جيش. ذاك الذي بدلا من أن يعلن عن صناعات حربية حديثة إذا به يعلن عن إمكاناته الفائقة في صناعة الكحك بالسمن البلدي واللحم المفروم، بل الجبن الرومي المبشور أيضاً، ماذا تريد من جيشك أكثر من ذلك؟ وماذا تفعل مع جيشٍ يقوم بدور عدوه؟
وكأنها أقسام للشرطة، وليست سلخانات بشرية! وكأنها سجون، وليست مقابر! وكأنهم جنود في الأمن المركزي وأمناء للشرطة، وليسوا سوى مجرد مجموعة مسلحه من البلطجية.

وكأنها وزارة للأوقاف، تلك جعلت دينها وديدنها محاربة كل ما له علاقة بالإسلام والمسلمين. وكأنها وزارة للخارجية، تلك التي انحصر دورها في بخس حقوق المصريين في كل مكان علي وجه الأرض. وكأنه أزهر، وكأنه شريف. وكأنه إعلام حر، وليست دورا رخيصة للبغاء، يديرها مجموعة أرخص من القوادين والداعرات! يمنحون أنفسهم لمن يدفع أكثر. أخرج لهم التعليم ذاك ” الكائن المسخ “، وسيكمن دورهم بعد ذلك في تزييف وعيه، وتعريضه لعمليات مكثفه من غسل المخ، ولن يكفوا عن النباح أبداً مهما فعلت.

 

 
وكأنه إعلام حر، ذاك الذي يحرض على القتل والقنص والذبح ليل نهار، ويُشعل ذلك الانشقاق المجتمعي الذي لم نره بيننا قبل ذلك أبداً فهم لا يحلو لهم الرقص إلا على وقع الخراب وبين دخان الحرائق.

وكأنه إعلام حر، ذاك الذي يأخذون منه الملايين؛ كي يقنعوك أن تكتفي بالفتات الذي تلقيه لك دولتك، ويجعلون هدفهم الأسمي من خلاله هو أن تبقي عبداً؛ إذ إنهم يعرفون جيداً أنه في تلك اللحظة التي ستنال فيها حريتك سيكون مكانهم الطبيعي هو خلف الأسوار أو فوق المشانق.
وكأنها وزارة للصحة، وليست وزارة للمرض والدجل والسحر والشعوذة. فكر مجرد فكر أن تذهب بقدميك إلي أي مستشفي حكومي، ولا تسأل بعدها إن كانت هنالك حقوق للمريض في هذا الوطن!

سيعاملونك كما لو كنت متسولا، ليس لك الحق في شيء، وإذا أكرموك بسرير مهترئ في عنبر قذر لا تتذمر إذا وجدت معك على نفس السرير آخر، وربما اثنين، أو حتى ثلاثة، ” الناس لبعضها ” تتحدث الإحصائيات أن هنالك في مصر ٢٢ سرير لكل ألف مواطن.

 

 

ليس ذلك فقط، لكنك ستجد نفسك تدفع ثمن الأدوية والسرنجات والشاش والقطن؛ فهم غير مسئولين وإذا قادك قدرك واحتجت لعملية جراحية عاجلة فانتظر أشهر حتى يأتي دورك في الليسته: ” هو مش كل حاجه بالدور”! وبالطبع ففي الكثير من الحالات يصل (عزرائيل) قبل أن يصل مبضع الجراح.

لم نتحدث بعد عن المستوي المزري للكثير من الأطباء الآن، وعما وصل إليه الطب في مصر ذاك الذي يسميه أحد الزملاء بحر الظلمات، ولا عن شراء أجهزة بالملايين في مستشفيات، تفتقد الأجهزة البدائية للتشخيص والعلاج، ولا عن (تكهين) أجهزة بالملايين أيضاً؛ نظرا لسوء الاستخدام، أو لخطأ في عقد الصيانة، أو لمصلحة المراكز الخاصة المجاورة.

 

 
بالطبع أنت لم تفاجأ، لكن رئيس وزرائك السابق الملقب بالبلدوزر تفاجأ وهو في زيارته لمعهد القلب في امبابه! بالطبع فالوزراء وأقرانهم عندما يريدون علاجاً فإنهم يذهبون للدول الحقيقية؛ إذ إنهم في قرارة أنفسهم يدركون أنهم في اللا دولة، وسيتركون مستشفيات وزارة الصحة لك ولغيرك من العبيد من أبناء هذا الوطن!

وكأنها وزارة للبيئة، والبلد أضحت صندوقا كبيرا من القمامة، وكأنها وزارة للاستثمار وما من مستثمر جاد يبقي في هذا الوطن، وكأنها وزارة للنقل، تلك التي يصرح أحد المسئولين فيها قائلاً: ” نفسي أشوف مواطن واحد واقف في الأتوبيسات “.

“لا يا سيدي من سيارتك المكيفة، ذات الزجاج المعتم، وزفة الحراسة حولك، لن ترى أولئك الواقفين في الأتوبيسات، ولن تهتم أبداً أن تعرف أن مصر احتلت المركز الأول عالمياً في حوادث الطرق؛ حيث تُخلف هذه الحوادث أكثر من عشرة آلاف قتيل و٢٧ ألف مصاب سنوياً، ولن يهمك أبداً أن تعرف أن عدد وفيات حوادث الطرقات يزيد على عدد من ماتوا في حروب مصر خلال عام! قالها السادات ذات يوم: ستكون حرب ٧٣ آخر الحروب، لذا ستتكفل دولتك الكريمة بقتلك عبر طرق أخرى، فلا تبتئس!

 

 
وكأنها وزاره للتخطيط، تلك التي يصرح مسئولوها بأن الشعب المصري من أسعد شعوب العالم، خرجت مصر من التصنيف العالمي لجودة الحياة، والذي أصدره في أول سبتمبر 2015م معهد ” إنترنيشينز”، وفي مؤشر جالوب للرفاهية تحتل مصر المرتبه الخامسة في مؤشر البؤس العالمي، لكننا رغم كل تلك التقارير المغرضة مازلنا نصر أن ” مصر بتفرح ” إذ إنه من المؤكد أن معهد ” إنترنيشينز”، ومؤسسة جالوب تتبع التنظيم العالمي الإرهابي للإخوان المسلمين.

 

وكأنها وزارة للاقتصاد، تلك التي يقوم اقتصادها على التسول من دول الجوار، وفي ظل ارتفاع جنوني لمعدل الفقر والبطالة وارتفاع حاد في نسبة التضخم ينشر الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء المصري في يوليو ٢٠١٥م أن مصر تحتل المركز ١٤٢ عالميا من بين ١٤٤ دولة كأكثر الدول عجزا في الموازنة العامة للدولة.

وكأنها وزارة للعدل، تلك التي لا يستطيع القضاة فيها نطق جملة واحدة صحيحة باللغة العربية أو آية قرآنية واحدة، والحكم عندهم بالإعدام تماماً كقهوة الصباح التي تُشرب على الريق!

وكأنها وزارة للثقافة، تلك التي جعلت مهمتها الوحيدة تجريف كل شيء له علاقة بالثقافة الحقيقية، والإجهاز تماماً على كل ما بقي لدى ذلك ” الكائن المسخ ” من محاولة حقيقية للمعرفة.

وكأنه مجلس لحقوق الإنسان، في بلد لم تعد فيه حقوق ولا إنسان بالمعنى المتعارف عليه لكلمة إنسان؛ فامتهان الكرامة والسحق والإذلال والاحتقار أصبح طقساً يومياً في حياة من ليسوا من ذوي السلطة أو ذوي الحظوه في هذا الوطن، ولا تسأل عن مجلسك الموقر لحقوق الإنسان؛ إذ إن أعضاءه منشغلون في تقويم الوجبات الفاخرة التي تُقدم على شرف استقبالهم في المعتقلات، وفي الخلفية تُدوي صرخات المعذبين داخل الزنازين، لكن لا شيء يهم فتقريرهم أثبت أن الطعام فاخر فعلاً!

وكأنها هيئات ومؤسسات ودواوين حكومية، وليست مرتعا ضخما للفساد والرشوة والمحسوبية. حاولْ ـ مجرد محاولة ـ أن تُنهي أية معاملات رسمية لك دون دفع ” المعلوم ” وأخبرنا بعد سنين هل حصلت على ” حقك” أم لا؟

 

 
وكأنهم وزراء في دولة، وليسوا مهرجين في سيرك، أولئك الذين لا يستطيع وزير تعليمهم التفريق بين الذال والزاي ويعتذر عن ذلك قائلا: ” وبجد أعتزر عن أي خطأ نحوي ممكن سقط سهون” نعم! أعتذر بالزاي وسهواً بالنون! ناهيك عن كونها أخطاء إملائية، وليست نحوية، ثم إذا به يتنصل من حسابه، ثم يباغتك بالسؤال الآتي: ما علاقة تعييني وزيرا للتربية والتعليم بأخطائي في الكتابة؟ يا سيدي في دولة كهذه لا توجد علاقة علة الإطلاق! من يتجرأ ويقول إن هنالك ثمة علاقة!

 

وكأنهم وزراء في دولة، وليسوا مهرجين في سيرك، أولئك الذين ينهي وزير خارجيتهم إلقاء كلمته بقوله ” end of the text”! أي أنه يخبرنا أنه أنهى النص. لك جزيل الشكر يا سيدي، فلولا هذه الجملة ما كنا فهمنا أبدا. والذين يُصرح وزير بترولهم أنه ليست هنالك أزمة في الطاقة، وإنما هذا مجرد إيحاء نفسي. نعم يا سيدي يصحو المواطن من النوم فتحدثه نفسه الأمارة بالسوء أن هنالك أزمة في البنزين وينتقل الإيحاء النفسي بالعدوي فتشيع الإشاعات الهدامة للوطن من قبل نفوس المواطنين المغرضين ماذا عسانا أن نفعل في هؤلاء المواطنين يا سيدي؟

 

 
وكأنهم رؤساء جامعات، وليسوا رؤساء دور للملاهي الليلية، أولئك الذين يعلق أحدهم على “تاتو” لطالبة من طالباته بعد أن يمنع عضوات هيئة التدريس من ارتداء النقاب، وكأن النقاب حتى لا يصل أن يكون حرية شخصيه مثل ” التاتو”.

 

وكأنهم مثقفون، وكأنهم شيوخ، وكأنهم نخبة، وكأنهم فنانون، وكأنهم رجال أعمال، وكأنهن سيدات مجتمع. وكأنك مواطن، بيد أن مجرد أن أوراقك الثبوتية تحمل الجنسية المصرية، فذلك يعني أنه لا حقوق لك ولا ثمن، رغم أنهم تفننوا في قتلك غرقاً وشنقاً وحرقاً وتعذيباً وتنكيلاً في قسم شرطة أو برصاص جيشك الكريم، وربما على سرير بائس في مستشفى أكثر بؤساً أو على إحدي طرقات الموت في بلادك، وما أكثرها. وكأنه وكأنه وكأنها وكأنها … إلخ. وفي النهاية تكتشف أنه عليك أن تعيش حياتك، وكأنها حياة، وكأنك مواطن في الـ (كأنها) دولة.

 

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

عرض التعليقات
تحميل المزيد