عندما كنت صغيرًا، سألت جدي: ماذا تخبئ في صندوقك الخشبي يا جدي؟

أجاب جدي: كنز لا يقدر بثمن يا بني.

ركضت إلى الصندوق وفتحت غطاءه كى أرى ذلك الكنز الثمين، لكنني لم أجد سوى حفنة من التراب وكتابًا صغيرًا.

خفق قلبي بشدة، وعدت إلى جدي صائحًا: لقد سرق اللصوص كنزك يا جدي.

اقترب جدي من الصندوق ونظر بداخله، ثم ابتسم وقال: لا يا بني لم يسرق اللصوص شيئًا.

فتعجبت وسألته: ألم تقل أنك تملك كنزًا ثمينًا؟

ضحك وقال: وهل هناك شيء في العالم أغلى من تراب الوطن!

اعتدنا أن نحكي مثل هذه القصص التي تتغنى بحب الوطن لأطفالنا، واعتاد أطفالنا على سماعها كأنها كلمات مقدسة، وأن الوطن جزء من شرفه الشخصي، يرسمون صورة خيالية عظيمة للوطن، أسرة سعيدة وأب كادح يذهب يوميًا لعملة في تهلل ونشاط ويعود منه ليجالس أسرته أمام التلفاز، وأم مناضلة لا تدخر جهدًا لتبذله في سبيل أولادها وزوجها وبيتها؛ فهي مثال للأم الأصيلة بنت الأصول، وأخوة يبحثون عن مسار مماثل لمسار والدهم في وظيفه حكومية توفر لهم الحياة المستقرة، وأهم ما فيها على حد قول السيد الوالد أنها توفر المعاش فيما بعد التقاعد.

ولكن في الحقيقة هذه الصورة ما هي إلا بلاهة صغار، فالأسرة لم تكن يومًا سعيدة، بل تسير بين أيام تتشابه مملة ومليئة «بالشحططة» في المواصلات والشوارع بحثًا عن رزق، وأب تملأ علامات الشقاء وجهه، يعود من وظيفته الحكومية المرموقة التي لا توفر وحدها ما يسد حاجته فيلزم معها «تفتيح المخ» ليكمل الشهر، يجلس أمام التلفاز يفكر في همه وهم أسرته، أما الأم فهي من ذلك النوع النكدي المعروف التي فاض بيها الكيل و«طفح» لا تكف عن الصراخ طول اليوم والشكوى من متاعب الدنيا ومتاعب الجسد التي أحلت بها، والشباب اليافع الذي من اليوم الأول في الوظيفة عرف طريقه «فتح الدرج» و«تفتيح المخ» حتى يستطيع أن يدخر ويتزوج ويمشي في ساقية والده نفسها، ومع هذا فهم أفضل حالًا من كثيرين غيرهم، فالعثور على وظيفة حكومية هذه الأيام كالعثور على كنز دفنه أجدادك وحالفك الحظ ووجدته، أو على الأقل يعتقدون ذلك.

وتبدأ تتلاشى الصورة الخيالية وتظهر الصورة الحقيقية القاتمة للوطن، المليء بالبطالة والفقر والأمراض، تتلاشى معها الأحلام وقدسية الوطن التي يعرفها وتفرض عليه قدسية الحاكم والنظام ورعاة النظام، بل يضيق الوطن أكثر فيفرض عليه وظيفته ويسكن عشوائياتها ثم يموت في مستشفى الوطن الحكومية هذا إن أتت سيارة إسعاف له تأخذه إليها، هذا ليس مسارًا لمواطن بعينه وأو أسرة بعينها، بل قصة كل شخص قابلته في حياتك وقابله والدك وأجدادك، فنسخة المواطن عندنا لا تتغير على الإطلاق، يضاف إليها فقط حدود إضافية كل فترة حتى لا ينسى المواطن نفسه ويسبح بحمد أبي الوطن وأمه قائد الأمة زائح الغمة.

بعيدًا عن هذا «التطبيل» للوطنية التي لم تطعم أحدًا يومًا بل تسجنه، ولم تعالج أحدًا يومًا بل «جابت أجله»، لست أنا أو أنت أو المواطن الذي يأكل من القمامة هذا مجبرين أن نتحمل الظلم، لا تبحث عن التغيير لأنه غالبًا يتم تغييرنا نحن بدلًا منهم، فنصيحة لنفسي أولًا وإليك  ابحث عن أرض جديدة بعيدة لا تعرفها ولا يعرفها أحد، ارتحل إليها لا تحاول تغيير الكون أو «تعديل المايلة»، لا توهم نفسك بأننا في دار ابتلاء وعلينا أن نتحمل ونعيش فيها ونعايش معها، فالدنيا ليست ضيقة لهذا الحد حتى نموت هنا حيث ولدنا، فالمكان الذي يوفر لك قوت يومك ولا يظلمك فيه أحد هو وطنك، لنأخذ عبرتنا من تراثنا الإسلامي «الهجرة الأولى للمسلمين للحبشة»، هي تمامًا تمثلنا من أرض ظلم وتعذيب لأرض عدل مهما اختلفوا عنا كأهل الحبشة في لونهم ولغتهم وعاداتهم ودينهم، صدقة في نفسك وفي أهلك وفر عليهم عناء الحياة والظلم وارحل لوطن لا ظلم فيه.

ملحوظة: هذا المقال يمثل دولة ليبيا الشقيقة، ولا يمثل أية دولة شرقها أو غربها.

هذا المقال يعبر عن رأي كاتبه ولا يعبر بالضرورة عن ساسة بوست

علامات

ليبيا, موطن, وطن
عرض التعليقات
تحميل المزيد